1 of 5

المحاضرة الخامسة

معنى الأحرف السبعة

2 of 5

معنى الأحرف السبعة:

ولم تكن تلك الأحرف تتجاوز تنوع صور النطق إلى اختلاف المعاني، على نحو ما نقل محمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) عن الصحابة، فقد قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه «قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام» (٢). أي أن الألفاظ المختلف في قراءتها لا يتغير معناها، وإنما الذي يتغير هو النطق فقط.

ولم يرد في روايات هذا الحديث ما يحدد المراد بالأحرف السبعة، ولم ينقل عن الصحابة ما يوضح ذلك أيضا، غير ما نقله ابن شهاب عنهم في قوله:

بلغني أن تلك السبعة الأحرف، ومن ثم فإن العلماء اجتهدوا في تفسيرها بعد اتفاق جمهورهم على أنها تخص النطق والقراءة، لا اختلاف المعاني والأحكام (٣).

ويمكن أن نلخص جهود العلماء في تفسير الأحرف السبعة في اتجاهين:

[الاتجاه الأول]

أن عدد السبعة الواردة في الحديث لا يقصد به الحصر وأنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة، ولفظ

3 of 5

السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، وسبع مائة في المئين، ولا يراد العدد المعين (١).

قال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، قال تعالى:

كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (٢٦١) [البقرة]، وإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٨٠) [التوبة]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» ... »

4 of 5

وذهب أكثر علماء السلف إلى أن المقصود بالسبعة الحصر، لكن اختلفوا في تعيين السبعة، وأشهر الأقوال في هذا الاتجاه ثلاثة:

١ - أنها سبع لغات (لهجات) من لغات العرب، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «قوله: (سبعة أحرف) يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول هذه اللغات متفرقة في القرآن ... » (٣).

٢ - الأحرف السبعة هي سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى، قال الطبري: «الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن هي لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف

5 of 5

فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني» (١). ويرى الطبري أن عثمان، رضي الله عنه، جمع الناس على حرف واحد، وأن الأحرف الستة الأخرى قد ذهبت (٢).

٣ - الأحرف السبعة هي سبعة وجوه من وجوه القراءات، قال ابن قتيبة: «وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ... » (٣)، وذلك مثل إبدال لفظ بلفظ، أو حرف بحرف، أو تقديم وتأخير، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو اختلاف حركة بناء الكلمة أو إعرابها، أو اختلاف في تفخيم الصوت أو ترقيقه، أو نحو ذلك (٤).

ولم يحظ أي قول من هذه الأقوال، أو غيرها مما قاله بعض العلماء في تفسير الأحرف السبعة، بما يمكن أن يرجحه على غيره أو يحمل على القطع بصحته، لكن العلماء بعد ذلك مجمعون على أن تلك الرخصة كانت في وقت معين، قال الطحاوي (ت ٣١٠ هـ (: إن تلك السبعة إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك» (٥). أما الأجيال اللاحقة فليس لها إلا اتباع القراءة المأثورة عن الصحابة التي تناقلتها الأمة عبر العصور