مادة النظم الاسلامية�المرحلة الثانية �الكورس الثاني/ مسائي
م.م. زينب عبدالله حبيتر
المحاضرة الخامسة
لاشك أن الأسرة هي الركيزة الأساسية للمجتمع والنواة الأولى التكوينه ووجوده لان المجتمع ليس هو إلا الأفراد الذين يعيشون فيه، تربطهم ببعضهم البعض روابط المصالح المشتركة، وكل فرد بلا شك نتيجة من نتائج التمازج العاطفي داخل نطاق الأسرة الواحدة. ذلك النطاق الذين تنصهر فيه من فجر حياة الفرد عواطفه وأخلاقه وأسس مرتكزاته الفكرية والأخلاقية والعقائدية وأنحاء نظرته إلى المجتمع والى الكون والحياة. والأسرة المتعاطفة الصالحة تنتج أفضل النتائج وأحسنها وتستطيع أن تعطي إلى المجتمع أفراداً صالحين وأناساً واعين، بما تعمل على غرس أتيل المبادئ وأنبل الأخلاق في نفوس أبنائها .على حين أن النفوس الشريرة الحاقدة على المجتمع والحياة أو السائرة في سبيل الغي والإجرام، ناشئة من منشأ عميق يمت إلى الأسرة الأولى بسبب وثيق. وذلك لأحد سببين : إما أن تكون أسرته الأولى على شاكلة ناقصة العقيدة والأخلاق، فحاك الفرد على منوالها وحذا في الحياة حذوها. وإما لأنه عاش في بيت منشق لم تجتمع فيه الأركان الأساسية لتكوين الأسرة، كما لو انفصل الوالدان عن بعضهما البعض منذ نعومة أظفار الولد فنشأ الولد محروماً من العطف والرعاية، فاقداً لمصدر التثقيف الأخلاقي والعقائدي فألقى بنفسه في تيار الحقد والإجرام. وإذا كانت الأسرة بهذه المثابة من الأهمية يدور صالح الفرد مدار صلاحها، وتتوقف حسن صياغته الشخصية على حسن صياغتها .وهذا الفرد يكون بانضمامه إلى غيره المجتمع، والمجتمعات تكون الأمة والأمم تكون البشرية، فالأسر إذاً هي الركيزة الأساسية في نضج وكمال سائر البشر ورفع مستوى الوعي والثقافات والأخلاق بين بني الإنسان. ولهذا، إذا كنا نريد أن نرى المجتمع الأفضل ونعيشه،
لا بد أن نبدأ ببناء أسس وأصول تكوينية ، وذلك بالبدء بإصلاح الأسرة وحسن تربية الناشئة، لكي ننتج إلى المجتمع أناساً واعين صالحين من حيث سائر جهات الكمال الإنساني .والإسلام بقانونه الخالد ودستوره الشامل اخذ كل ذلك بنظر الاعتبار، واهتم ببناء الأسرة اشد اهتمام، وأولاها من رعايته وتعاليمه الشيء الكثير، وسعى إلى صياغته وصبها بأفضل وجه وأحسنه بالشكل الذي تنتج إلى المجتمع أفضل النتائج وتعطيه أفضل الأفراد. ولا تحتاج هذه التشريعات في سبيل إنتاجها العادل وتطبيقها على المجتمع، إلا إيمان المجتمع بها ومحاولة إطاعتها وامتثالها، وان يضع كل فرد على ذهنه مسؤولية تطبيق تلك التعاليم بنصها وروحها وبسائر خصوصياتها لينال أسرة طيبة ويحظى بأولاد طيبين، لكي يحرز خير الدنيا والآخرة، ويعم العدل والرفاه في ربوع المجتمع الإنساني.
ولا بد لنا ونحن نبدأ الكلام عن الأسرة في الإسلام أن نعطي فكرة عن رأي الإسلام في الأسرة ككل، ليتفرع الكلام بعد ذلك في أحاديث أخرى إلى التكلم عن حقوق وواجبات كل فرد من أفرد الأسرة الإسلامية. لنعرض عندئذ بوضوح مقدار اهتمام الإسلام بالأسرة ومقدار عدالة أحكامه ودقتها في ضبطها وتكوينها .فهو إذ ينظر إلى أساس الأسرة يرى أنها لا بد أن تتكون من زوجين صالحين حاملين للصفات الحميدة، لكي يكون نتاجها طيباً وحميداً. ولا شك أن مقدار الوعي والكمال الذي يحمله الزوجان ينعكس على الولد كما ينعكس عليه مقدار درجة الإجرام والرذيلة
.روي عن الإمام الصادق انه قال : إنما المرأة قلادة فانظر إلى ما تقلده. وروي عن النبي الأعظم انه قال: «ما أعطي احد شيئا خير من إمرأة صالحة إذا رآها سرته وإذا اقسم عليها أبرته وإذا غاب عنها حفظته .وهو إذ ينظر إلى مركز المرأة وأهميتها في الأسرة وفي تكوين الجيل الصالح وصياغة الإنسانية، ويريد لها صفات الكمال والعدل يتوخى أن لا تتصف أيضاً بصفات السوء والرذيلة، الصفات التي تبعثر الأسرة وتقضي على التماسك والعاطفة .وروي عن الإمام الصادق انه روي عن الرسول انه قال : ألا أخبركم بشرار نسائكم : الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود التي لا تتورع عن القبيح المتبرجة إذا غاب عنها بعلها
الحصان معه اذا حضر لا تسمع قوله ولا تطيع أمره، وإذا خلا بها بعلها تمنعت منه كما تمنع الصعبة عند ركوبها، ولا تقبل منه عذراً ولا تغفر له ذنباً .وينظر الإسلام من جهة أخرى إلى الركن الأساسي الثاني في الأسرة وهو الزواج، فيريده أيضاً متصفاً بأفضل الصفات لكي يكون أهلاً للاقتران بالزوجة الفاضلة، وإلا فشرار النساء أولى بشرار الرجال. قال الله تعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَتُ للطبين والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ....).فمن ذلك انه روي عن رسول الله الله انه قال : «ألا أخبركم بخيار رجالكم، قلنا بلى يا رسول الله قال : أن من خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين، الكريم الطرفين البر بوالديه لا يلجئ عباله إلى غيره .
كما أن الإسلام يعتبر أضداد هذه الصفات مزايا ظالمة هدامة تنخر في أساس الأسرة وتسبب لها الفساد، لذا أضاف رسول الله قائلاً : ألا أخبركم بشر رجالكم قلنا بلى. فقال: من شر رجالكم البهات البخيل الفاحش الأكل وحده المانع رفده الضارب أهله وعبده الملجئ عباله إلى غيره العاق بوالديه. وإذا اجتمعت الشرائط الفاضلة في الزوجين، فالإسلام يحث على الزواج وعلى تكثير النسل وإنجاب الأولاد لعلمه اليقين بأن الأولاد الصالحين الصادرين عن الاسرة الصالحة، هم الاعضاء الاساسيون البناءون.
الحديث الثاني - الكفاءة في نظر الإسلام
بعد أن عرفنا في الحديث السابق ما أعتبره الإسلام في الزوجين اللذين هما الأساسان الرئيسيان للأسرة من صفات حميدة كاملة ناصحاً الأزواج والزوجات بالتحلي بها والسير على هداها لينالا السعادة والوئام وينجبا أفضل الأولاد، ويحضيا بخير الدنيا والآخرة. ينبغي لنا الآن أن ننظر لنعرف مدى التكافؤ الذي يريده الإسلام بين الزوجين. وإذ ننظر في الحكم الإسلامي، نجد أن المشرع لهذا الدين العظيم، لم يشرع من التكافؤ بين الزوجين أكثر من كونهما معتنقين للإسلام معتقدين بعقائده وتعاليمه فالمسلم كفؤ للمسلمة والمسلمة كفؤ للمسلم، ولا يراد بالإسلام في هذا المجال، إلا ذلك المقدار الذي تصان بمقتضاه النفس ويحفظ المال عن الهدر والضياع. ومن هنا روي عن الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) انه قال : أتتكافأ دمائكم ولا تتكافأ فروجكم .
فالدين الذي جعل معتنقيه سواسية كأسنان المشط - بتعبير النبي - أمام القانون وتجاه الحقوق والواجبات، هو الذي جعل الجنسين في الإسلام سواسية أمام الزواج .
وليس أدل على ذلك ولا أوضح مما روي من أن رسول الله ، زوج جويبر الصحابي ابنة زياد بن لبيد وهو من أشرف بني بياضة حسبا. ولم يكن جويبر هذا إلا رجلاً دميما قبيحاً معدماً، إلا إن اعتناقه الإسلام وإخلاصه النية له، هو الذي جعله في نظر الاسلام ليس بالنسب ولا بالمال .وإنما مقاييس التفاضل عنده ثلاثة :أحدها - التقوى : قال النبي : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى .ثانيهما - العلم : قال الله عز وجل : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ (1) ثالثها - الجهاد: قال الله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَأَجْرًا عَظِيمًا (٢) .
وبهذه المقاييس أو ببعضها ربما كان جويبر الدميم المعدم أفضل بكثير من ابنة زياد بن لبيد وروي عن الإمام أبي جعفر الباقر علي ، انه قال : إن رجلاً من أهل اليمامة يقال له جويبر أتى رسول الله منتجعاً للإسلام، فأسلم وحسن إسلامه. وكان رجلاً قصيراً دميما محتاجاً عادياً وكان من قباح السودان إلى أن قال : وان رسول الله ﷺ نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة ورقة عليه فقال: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك .. فقال له جويبر : يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ومن يرغب في فوالله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال، فأية امرأة ترغب في؟ .
فقال له رسول الله ﷺ : يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً وأعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً. وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها . فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم؛ وان آدم خلقه الله من طين. وان أحب الناس إلى الله أطوعهم له وأتقاهم. وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين اليوم فضلاً، إلا لمن كان أتقى الله منك وأطوع ..ثم قال له : انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد، فإنه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم، فقل له : أني رسول رسول الله إليك، وهو يقول لك. زوج جويبر ابنتك الألفاء. وفي الحديث انه زوجه إياها بعدما راجع النبي . فقال له يا زياد جويبر مؤمن والمؤمن كفؤ المؤمنة، والمسلم كفؤ المسلمة، فزوجه يا زياد، ولا ترغب عنه .فمن هنا نعرف إن الإسلام حرص كل الحرص على جعل المقياس الأساسي في الكفاءة بين الزوجين، هو الإسلام نفسه. فما دام الزوجان أخوين في هذا الدين، لا يهم بعد ذلك أن يكون أحدهما أدنى من الآخر بحسب المنزلة الاجتماعية أو النظرة الاقتصادية الضيقة. سواء كانت الضعة من جانب الزوج كما عرفت في جويبر وكتزويج رسول الله ﷺ بنت عمه لزيد مولاه، أو كانت من جانب الزوجة كتزويج رسول الله ﷺ بنفسه صفية بنت حي بن اخطب. كتب الإمام السجاد علي بن الحسين الي يقول : إن الله رفع بالإسلام كل خسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم، فلا لوم على مسلم، وإنما اللوم لوم الجاهلية .ولا يخفى أن الميزان في الكفاءة وان كان أصل الإسلام، إلا أن المشرع الإسلامي العظيم، أخذ بنظر الاعتبار أيضاً درجة إيمان الفرد بهذا الدين ومقدار إخلاصه له واستعداده لامتثال أوامره ونواهيه. فإنه من المعلوم انه كلما كان الزوجان أحسن تدينا وأفضل أخلاقاً وأبعد عن ارتكاب الموبقات كان أحدهما أنسب للآخر وأكثر كفاءة.
قال الله عز وجل : وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أَوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (۱) . وقال رسول الله ﷺ : إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كبير (٢) .
ولا يخفى ما في هذا الحديث من حكمة كبرى وبعد نظر، فإن أولياء الزوجة، إذا نظروا إلى الخاطب زوج المستقبل، فلم يرضوا دينه وخلقه، فلهم كل الحق في رفضه والابتعاد عنه، فإنه ليس مصداق الحق للمسلم الحق. إذن فلماذا يرتبطون معه بعقدة النكاحمع أن بين المسلمين الآخرين من يرضون دينهم وخلقهم. وأما إذا اتصف الخاطب زوج المستقبل، بهذه الصفات، وكان مرضي العقيدة والسلوك، يزنه ولي الزوجة من هذه الناحية بميزان الإسلام، فيجب على ولي الزوجة قبول خطبته وعدم رده، لأنه يعتبر محتويا في صفاته على المقياس الأمثل للكفاءة في الإسلام.
واسمع إلى تعليل ذلك في كلام رسول الله ﷺ إذ يقول : إلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ . وهي آية من القران الكريم طبقها النبي على هذا المورد فما أحسن التطبيق. إذ لو صار بناء الأولياء على انتظار الزوج الأكثر مالاً وجمالاً والأعظم مركزا اجتماعيا، ويجعلون ذلك ذريعة لرد الخاطبين، فسوف تقل نسبة الزواج في المجتمع وتزداد تبعا له نسبة العزوبة، وسوف تؤثر العزوبة أثرها الكبير في نفوس الشباب، بما تتضمنه من الدفاع جنسي وحرمان، وسيترتب على ذلك عند كثير من ذوي الضعف في العقيدة أو الإرادة الانحراف إلى طريق الفاحشة والفساد، وترتب أسوأ النتائج في المجتمع، وتكون فيه فتنة وفساد كبير، والإسلام يريد إنقاذ المجتمع من ذلك والحيلولة دون حدوثه.
على حين انه لو اكتفى الفرد من الناحية الجنسية، فحتما سينسد أمامه باب كبير من أبواب الفساد، وينفتح أمامه باب كبير إلى طريق الفضيلة والخير. ومن هنا ورد إن من تزوج فقد حفظ نصف دينه . وبذلك يسود العدل في ربوع المجتمع الإنساني.