مادة النظم الاسلامية�المرحلة الثانية �الكورس الثاني/ مسائي
م.م. زينب عبدالله حبيتر
المحاضرة الثالثة
أنواع النظم الاسلامية
علما مما تقدم ان من خصائص النظم الاسلامية المشولية , ومن مظاهر شموليتها احكامها التي تشكل كل مجموعة منها نظاما خاصا , وسنفرد لكل محورا على حدة على النحو الاتي :
1- النظام العقدي : وهو يعني بالاحكام والامور الاعتقادية التي يجب على المسلم الايمان بها سواء ما يتعلق بذات الله ( عز وجل ) , أو ما يتعلق بالانبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) , أو مايتعلق بالامور السمعية الغيبية.
2- نظام العبادة : وهو يعني بالاحكام الشرعية الفقهية في مسائل العبادات , من حيث وجوبها ونوافلها وندبها.
3- النظام الاجتماعي : ويعني بالنواحي الاحتماعية والعائليى مثل ما يتعلق بعلاقات الافراد بعضهم ببعضهم الاخر وواجب الفرد تجاه الجماعة وما الى ذلك .
4- نظام الاخلاق : ويعني بالاحكام المتعلقة بالفضائل والمكارم الخلقية , والاحكام التي تدعو الى الخير والفضيلة , وتنهي عن الشر والرذيلة .
5- نظام المال أو النظام الاقتصادي : ويعني بالنواحي المالية واحكام موارد الدولة المسملة ومصارفها , والخطط الاقتصادية التي ترتقي بحياة المجتمع المسلم .
6- النظام السياسي (نظام الحكم ) : ويعني بانظمة الحكم وقواعدة في الدولة المسلمة وتولية الحاكم والعلاقة بينه وبين المحكوم وحقوق كل منهما وواجباته والعقوبات المفروضة على المخالفين .
7- نظام العلاقات الدولية : ويعني بالاحكام التي تتناول تنظيم علاقة الدولة الاسلامية بالدول الاخرى في السلم والحرب التي تتناول قوانين معاملة الاجانب غير المسلمين ( المستأمنين ) في الدولة المسلمة (1) .
8- نظام الجهاد : والجهاد بذل المسلم طاقته وجهده في نصرة الاسلام ابتغاء مرضاة الله , ولهذا قيد الجهاد في الاسلام بأنه في سبيل الله ؛ ليدل على هذا المعنى الضروري لتحقق الجهاد الشرعي , قال تعالى ( الذين ءامنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطاغوت ) (2) .
9- نظام القضاء : يعد النظام القضائي الاسلامي من اروع النظم ؛ لان نواة مبادئ وتطبيقات القضاء الاسلامي مستقاه من القران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة .
________________________
(1) ينظر المدخل لدراسة النظم الاسلامية , د . مفرج القوسي : ص 19 , النظم الاسلامية , منير البياتي : ص 19 .
(2) سورة النساء / الاية 76 .
نظام العبادة في الاسلام وفلسفته
الاسلام نظام كامل للحياة يوجه الانسان ؛ لكي يحقق كمالاته التي استحق بها مقام الخلافة أي يحصل لنفسه والجماعة الانسانية ايضا اسمى درجة من الكمال الانساني في الروح والخلق والمادة والعقل , وينظم علاقته بريه وعلاقته بريه وعلاقته باخيه الانسان في كل مضاهر الحياة (1) ؛ فهو دين لقد اسبغ الاسلام على جميع اعمال الانسان غالبا صفة العبادة شريطة الاخلاص النية لله سبحانه وتعالى , ولعل من ابرز الايات القرانية التي تبين ذلك قوله تعالى في معرض حديثه عن المجاهدين في سبيله : ( ذلك بانهم لايصيبهم ظما ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولايطؤون موطنا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لايضيع اجر المحسنين ولاينفقون نفقة صغيرة ولاكبيرة ولايقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون ) (2) . وعليه يتضمن معنى العبادة الشمولي في الاسلام : الدين والحياة من جهة , وكيان الانسان ظاهرة وباطنه من جهة اخرى ؛ فالعبادة تشمل الشعائر المفروضة وكل
____________________
(1) موقف الاسلام من المعرفة والتقدم الفكري , د . محمود عبدالله : ص30 .
(2) التوبة / الايتان 120 – 121 .
أنواع التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة واستغفار , وأخلاق انسانية وفضائل جامعة : كـ( صدق الحديث , وأداء الأمانة , وبر الوالدين , وصلة الارحام , والوفاء بالعهود , والاحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل , والمملوك من الادميين , والبهائم , والدعاء والذكر والقراءة ) , وأمثال ذلك من ضروب العبادة المشهورة , ومن أخلاق ربانية عالية : كـ( حب الله , ورسوله ) , واوليائه , وخشيته والانابه اليه , واخلاص الدين له , والصبر لحكمه , والشكر لنعمه , والرضا بقضائه , والتوكل عليه , والرجاء لرحمته , والخوف من عذابه , ... الخ .
اولا : معنى العبادة :
العبادة لغة ؛ تعني الطاعة مع الخضوع , ومنه طريق معبد اذا كان مذللا الوطء (1) ؛ فاصل العبودية الذل والخضوع . يقال : تعبد فلان لفلان , اذ تذلل له . والعبادة هي عبارة عن نوع محدد من الخضوع لايستحقه الا المنعم باعلى اجناس النعم : كالحياة , والفهم , والسمع والبصر .
أما التعبيد ؛ فيراد به مطلق التذليل . يقال : طريق معبد , اي ممهد للمشي عليه . والتعبد ايضا هو التنسك ويقال تعبده اتخذه عبدا (2) , على حين ان المقصود من قوله تعالى : ( فادخلي في
عبادي ) (3) ؛ اي في حزبي , اضافه معنى جديد للعبادة , الا وهو الولاء المطلق للمولى
_______________
(1) لسان العرب , لابن منظور :( 3/273) .
(2) مختار الصاح : (1/198) .
(3) الفجر / الاية 29 .
سبحانه . وتبعا لذلك ؛ فان كلا من : العبادة والخضوع , والتذلل , والاستكانة , ليست سوى مترادفات في المعاني .
هذا على سبيل تحقيق معنى العبادة ومذلولاتها , اما على سبيل تحقيق معانيها الروحية في تتضمن معنى الذل ومعنى الحب معا , فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى , بغاية المحبة له ؛ فان اخر مراتب الحب هو التتيم . وان اصل العبادة محبة الله , بل افراده بالمحبة , وان يكون الحب كله لله , فلا يجب معه سواه , وانما يجب لاجله وفيه , واذا كانت المحبة له هي حقيقه عبوديته وسرها ؛ فهي انما تتحق باتباع امره واجتناب نهيه , وقد تضمنت العبادة في الاسلام كل مايحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال سواء الباطنة منها كالتفكر في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار من أجل التوصل به الى تحصيل الايمان الراسخ بوجود الله سبحانه ووحدانيته وعدله وارسالة للانبياء وحشره الناس غدا للحياب يوم الجزاء , ام كان عملا ظاهريا وموقفا خارجيا منطلقا من ذلك الايمان من أجل ان يتوصل المكلف بهذا العبادة بكلا شقيها الباطني والظاهري الى ما اراد اله سبحانة له ان يصل اليه , ويحصل عليه من السعادة في الدنيا والاخرة , وذلك بحكم كون العبادة الغاية المرضية له , التي خلق الخلق من أجلها , قال تعالى : ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) (1) , وبها أرسل
_______________________
(1) سورة الذاريات / الاية 56 .
جميع الرسل , قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) (1) .
ان العبادة حق الله تعالى على العبادة , قال النبي ( ص ) لمعاذ : (( يامعاذ هل تدرى ما حق الله على عبادة وما حق العباد على الله )) ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم قال : (( فان حق الله على العباد ان يعبدوه , ولايشركوا به شيئا , وحق العباد على الله تعالى الا يعذب من لايشضرك به شيئا )) ؛ فقلت يارسول الله : افلا ابشر به الناس ؟ قال : (( لاتبشرهم , فيتكلوا )) (2) .
وجدير بالذكر ان مراتب العبادة في الاسلام تضم الى جانب هذا الاصل العظيم ( المحبة ) اصلين اخرين هما : الحوف , الرجاء (3) .
فالخوف من الله تعالى ملازم للرجاء كـ( جناحي الطائر ) اذا استويا استطاع ان يتحرك ويطير , واذا اختل احدهما حيل بينه وبين ذلك , وهو ما عبر عنه سبحانه بالقول : ( اولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ) (4) , اذا اشتملت الاية على درجات الايمان الثلاث التي لايقوم بناؤه الا عليها , الا وهي : ( الحب , والخوف , والرجاء ) , فابتغاء
________________
(1) سورة النحل / الاية 36
(2) الجامع الصحيح , للبخاري : (ح- 2856 )
(3) فلسفة العبادة في الاسلام , السيد احمد عزمي طه , مقال في مجلة التسامح – لبنان , العدد 30 ,لسنة 2010 م . (4) سورة الاسراء / الاية 57 .
الوسيلة اليه يعني : طلب القرب منه سبحانه بالطاعه والعبادة , وذلك لان من لم يعتقد ذلك اعتقادا جازما واحتمل عنده أن يكون سدى مهملا لا يطالب بالعبادة , ولا يؤاخذ بها من جهة رب مريد مختار , ولا تقع عبادته , وان باشرها بجوارحه بموقع من قلبه , ولاتفتح بابا بينه وبين ربه , وكانت عادة كسائر عاداته .
ثانيا : فلسفة العبادة :
مما تقدم فان تقدم المدلولات اللغوية والمفاهيم الروحية تدور كلها في فلك المعنى الاسملا للعبادة التي تؤول الى النظر في فلسفتها واستخراج القيم الروحية فان البحث في فلسفة العبادة ماهي الا محاولة لبيان مفهوم العبادة وروحها , والاسس التي تقوم عليها , والمبادئ التي تنطلق منها , والغاية التي تؤدي اليها , والثمرات التي تنتج عن ممارستها , وعلاقتها بالغيب والتاريخ الذي يؤمن به الانسان , وكل ذلك بطريقة عقلية ووجدانية , الأمر الذي يزيد حقيقة العبادة التي تجعل الانسان يعيش في حالة من الالتزام بقضايا المجتمع ووعية بحركة التاريخ , والعبادات في الاسلام ليست حالة انفعالية ؛ بل هي حضور الانسان كله جسما وعقلا وعاطفة مؤطرة بالاحكام الشرعية وما تقتضيه العبادات من نظرة الى الكون والحياة ؛ فالفلسفة المستنبطة من العبادات في فلسفة منقطعة النظير ؛ فمفاهيم الفلسفة الغربية لاتطيقان تشكلقالبا لما تزخر به العبادات من عواطف وقيم وعقلانية صارمة ووعي بحركة التاريخ (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر نظام العبادات في الاسلام , للشهيد الصدر : ص 145.
ان عدم طرح العبادات وكل ما يتعلق بعالم الغيب ( كذات الله سبحانة وتعالى وصفاته ) للاجتهاد يعني , من وجهة نظر الشريعة , ان الاحكام في هذا المجال هي احكام توقيفية , ولا يسوغ الحديث فيها الا على وفق ماقرره الشارع العليم الحكيم , وعرض القران الكريم القضايا العملية للاجتهاد , اي سمح بتدخل العقل بحسب متطلبات الشرع ومقتضيات الواقع ؛ فالاحكام المرتبطة بالمعاملات هي احكام توقيفية صاغ الشرع حدودها ومبادئها ؛ اما في مجال العبادات ومجال الغيبيات ؛ فلم يكتف القران الكريم باعطاء المبادئ العامة ؛ بل انه قدمها في صورتها النهائية التي لاتقبل أي تجاوز ؛ فتفسير العبادات ميتافيزيقيا خارج عن طاقة الانسان , ولا كلام لبشر بعد كلام الله في هذا المجال ؛ لان كل محاولة لعقلنة العبادات تخرج بالانسان عن حدود المعقولية .
يقول الشهيد محمد باقر الصدر : << نئام العبادات في الشريعة الاسلامية يمثل احد اوجهها الثابتة , التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة , وظروف التطور المدني في حياة الانسان الا بقدر يسير , خلافا لجوانب تشريعية اخرى مرنة ومتحركة , يتأثر أسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطور المدني في حياة الانسان كنظام المعاملات .
والعقود , وهذا يعني ان الشريعة لم تعط الصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من عبادات الاسلام كوصفة موقوتة وصيغة تشريعية محدودة بالظروف , التي عاشتها في مستقبل تاريخها ؛ بل فرضت تلك العبادات على الانسان , وهو بزاول عملية تحريك الالة بقوة الذرة , كما فرضتىها على الانسان الذي كان يحرث الارض بمحراثة اليدوي ؛ فلا تغيير فيها بتغير الزمان والمكان (1) .
فالمثالية والعبودية مفهومان مترابطان في الفكر الاسلامي كما بينه الشهيد محمد باقر الصدر , اذ ان الانسان لايحقق خلافته لله في الارض الا بارتباطه بالله تعالى .
فالعبادات تتميز بالشمولية التي تجعل الانسان يؤسس أعماله ونشاطاته على الايمان بالله تعالى . ومعنى هذا ان الانسان في الاسلام لايعيش تناقضا داخليا بين روحه وجسده بين القيم الدينية ومتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
__________________
الفتاوي الواضحة , للسيد محمد باقر الصدر : ص45 .