المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
يتناول هذا العرض مفهوم المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، وهو من المواضيع المهمة في علوم القرآن. سنتعرف على تعريف كل منهما، وأنواع المتشابه، والحكمة من وجوده، وموقف العلماء منه، وإمكانية العلم به.
يعتبر فهم المحكم والمتشابه أساسياً لكل من يريد التعمق في فهم كتاب الله عز وجل، حيث يساعدنا على التعامل مع النصوص القرآنية بشكل صحيح ودقيق، ويفتح آفاقاً جديدة للتدبر والتفكر.
ma
إعداد: أ.م.د. مها طالب الجبوري
تعريف المحكم لغةً واصطلاحاً
المحكم لغةً
الإحكام بمعنى المنع، فيقال: أحكم الأمر؛ أي: أتقنه ومنعه من الفساد.
المحكم اصطلاحاً
هو الذي يدل على معناه بوضوح لا خفاء فيه، وهو ما كانت دلالته راجحة وهو النص الظاهر.
تعريف السيد محمد باقر الحكيم
المحكم هو ما يدل على مفهوم معين، لا نجد صعوبة أو تردداً في تجسيد صورته أو تشخيصه في مصداق معين.
من أمثلة المحكم في القرآن الكريم قوله تعالى: "أحل الله البيع وحرم الربا"، فلفظ "أحل" و"حرم" تدلان بوضوح على أن البيع حلال وأن الربا حرام دون الحاجة إلى قرينة خارجية. هذا النوع من الآيات يفهمه القارئ مباشرة دون غموض أو التباس.
تعريف المتشابه لغةً واصطلاحاً
المتشابه لغةً
المشابهة هي المشاركة أو المماثلة المؤدية إلى الالتباس.
وهي تعني أن الشيء يشبه غيره بحيث يصعب التمييز بينهما.
المتشابه اصطلاحاً
هو اللفظ الذي خفيت دلالته على معناه ولا توجد قرينة تدل عليه، وهو ما كانت دلالته غير راجحة.
وقال الحكيم: "المتشابه هو ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقه الخارجي".
من أمثلة المتشابه قوله تعالى: "فراغ عليهم ضرباً باليمين"، فالتشابه في هذه الآية جاء من ناحية لفظ "اليمين" الذي يحتمل عدة معانٍ: استعمال اليد اليمنى، أو أن الضرب كان بقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين، أو أن الضرب كان بسبب اليمين التي حلفها سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: "وتالله لأكيدن أصنامكم".
أنواع المتشابه في القرآن الكريم
ما لا يستطيع البشر جميعاً معرفته
كالعلم بذات الله تعالى وحقائق صفاته
ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم
المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء
ما يستطيع كل إنسان معرفته
عن طريق البحث والدرس
تتنوع آيات المتشابه في القرآن الكريم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تختلف في إمكانية إدراكها والوصول إلى معانيها. النوع الأول يتعلق بالغيبيات التي استأثر الله بعلمها، مثل حقيقة ذات الله وصفاته ووقت قيام الساعة.
أما النوع الثاني فهو ما يمكن للعلماء المتخصصين فهمه دون عامة الناس، وهي المعاني العميقة التي تتكشف لأهل العلم والاجتهاد. والنوع الثالث هو ما يمكن لكل إنسان أن يصل إليه من خلال البحث والدراسة المتأنية.
الحكمة من وجود المتشابه
رحمة الله بالإنسان
إخفاء بعض المعلومات كوقت الساعة رحمة بالإنسان كي لا يتكاسل
الابتلاء والاختبار
اختبار إيمان الإنسان بالغيب ثقة بصدق الله تعالى
إظهار عجز الإنسان
إفادة الدليل على محدودية علم الإنسان مهما عظم استعداده وغزر علمه
دافع للبحث العلمي
دفع الإنسان لتحصيل العلوم المتنوعة للوصول إلى معاني المتشابه
وجود المتشابه في القرآن الكريم ليس عبثاً، بل له حكم عظيمة تتجلى في جوانب متعددة. فهو من جهة رحمة من الله بالإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء، ومن جهة أخرى اختبار للإيمان بالغيب.
كما أن المتشابه يذكر الإنسان بمحدودية علمه مهما بلغ، ويدفعه للبحث والتعلم المستمر. وكما قال الحكيم: "نحن في هذا العصر نعيش التطور المدني في المجالات العلمية، ندرك قيمة بعض الآيات القرآنية التي بينت بعض الحقائق العلمية ووضعتها تحت تصرف الإنسان لينطلق منها في بحثه وتحقيقه."
موقف العلماء من المتشابه
التوقف
التوقف في معناه من غير ميل إلى التأويل وهو مذهب السلف
التأويل
تأويل بعض آيات القرآن الكريم تأويلاً يتفق ولسان العرب مع تنزيه الله من الجسمية والجهة
التشبيه
الوقوع بالتشبيه، إذ فسروا آيات الصفات تفسيراً حرفياً
اختلفت مواقف العلماء في التعامل مع آيات المتشابه في القرآن الكريم، وانقسمت إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية. الاتجاه الأول يمثله السلف الذين فضلوا التوقف عن الخوض في معاني المتشابه مع الإيمان به كما ورد.
أما الاتجاه الثاني فيرى ضرورة تأويل المتشابه بما يتفق مع لغة العرب وينزه الله عن الجسمية والجهة، مع الالتزام بقواعد التأويل الصحيحة. والاتجاه الثالث وقع في التشبيه من خلال تفسير آيات الصفات تفسيراً حرفياً، وهو ما يتعارض مع تنزيه الله سبحانه وتعالى.
العلم بالمتشابه: هل هو ممكن؟
الرأي الأول
يمكن العلم بالمتشابه
الرأي الثاني
لا يمكن العلم بالمتشابه
منشأ الخلاف
الواو في قوله تعالى: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"
اختلف العلماء في إمكانية العلم بالمتشابه على رأيين متقابلين. الرأي الأول يرى أنه يمكن العلم بالمتشابه، بينما يرى الرأي الثاني أنه لا يمكن العلم به إلا لله سبحانه وتعالى.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة هو "الواو" في قوله تعالى: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم". فمن قال إن "الواو" عاطفة فيكون المعنى: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله. ومن قال إن "الواو" استئنافية فيكون المعنى أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، بل يؤمنون به فقط.
أهمية دراسة المحكم والمتشابه
حماية النص القرآني
فهم المحكم والمتشابه يحمي من التأويلات الخاطئة
فهم أعمق للقرآن
يساعد على استنباط المعاني الدقيقة من النص
منهجية التفسير
يؤسس لمنهج علمي في التعامل مع النصوص
تعد دراسة المحكم والمتشابه من أهم المباحث في علوم القرآن، لما لها من أثر كبير في فهم النص القرآني وتفسيره بشكل صحيح. فهي تحمي النص من التأويلات الخاطئة التي قد تنحرف بمعانيه عن مقاصده الحقيقية.
كما أنها تساعد الباحث على الغوص في أعماق النص القرآني واستخراج كنوزه ومعانيه الدقيقة. وتؤسس لمنهجية علمية رصينة في التعامل مع النصوص الشرعية بشكل عام، تقوم على التمييز بين الواضح والخفي، وبين القطعي والظني، مما يثري الفكر الإسلامي ويحميه من الانحراف.
تطبيقات معاصرة لفهم المحكم والمتشابه
الدراسات القرآنية الحديثة
استخدام التقنيات الحديثة في تحليل النصوص القرآنية وتصنيفها إلى محكم ومتشابه، مما يساعد الباحثين على فهم أعمق للنص القرآني.
الإعجاز العلمي
فهم بعض آيات المتشابه في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة، مما يكشف عن وجوه جديدة من الإعجاز القرآني في مجالات الطب والفلك وغيرها.
الحوار بين الأديان
توظيف فهم المحكم والمتشابه في الحوار مع أتباع الديانات الأخرى، من خلال التركيز على المحكمات المشتركة وتجنب الجدل في المتشابهات.
في العصر الحديث، تتعدد تطبيقات فهم المحكم والمتشابه لتشمل مجالات متنوعة. فقد أسهمت التقنيات الحديثة في تطوير الدراسات القرآنية من خلال برامج التحليل النصي التي تساعد على تصنيف الآيات وفهم دلالاتها.
كما أن الاكتشافات العلمية الحديثة قد ألقت الضوء على معاني بعض آيات المتشابه، مما كشف عن وجوه جديدة من الإعجاز القرآني. وفي مجال الحوار بين الأديان، يساعد فهم المحكم والمتشابه على بناء أرضية مشتركة للحوار البناء.
خلاصة وتوصيات
2
نوعا النصوص القرآنية
المحكم والمتشابه يمثلان نوعين أساسيين من النصوص القرآنية
3
أنواع المتشابه
تصنف آيات المتشابه إلى ثلاثة أنواع رئيسية تختلف في إمكانية إدراكها
5
حِكَم وجود المتشابه
للمتشابه حِكَم متعددة منها الرحمة والابتلاء وإظهار العجز ودفع البحث العلمي
في ختام هذا العرض، يتبين لنا أهمية فهم المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، وكيف أن هذا الفهم يساعدنا على التعامل مع النص القرآني بشكل صحيح. فالمحكم هو الواضح الدلالة، بينما المتشابه هو ما خفيت دلالته وتعددت احتمالاته.
نوصي بمزيد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال، وتدريب طلاب العلم على التمييز بين المحكم والمتشابه، والتعامل مع كل نوع بما يناسبه. كما نوصي بالاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير الدراسات القرآنية، وربط فهم المتشابه بالاكتشافات العلمية المعاصرة بما يكشف عن وجوه جديدة من الإعجاز القرآني.