المدرس / لمياء صاحب
المادة / علوم القران
المحاضرة - الاولى
تمهيد علوم القرآن وتأريخ التأليف فيها
المحاضرة الاولى
ونشأت من ذلك المباحث المتعلقة بكتابته ورسمه، ومن بيانه صلى الله عليه وسلم لمعنى عدد من الآيات والكلمات القرآنية حين أشكل فهمها على بعض الصحابة نشأت المباحث المتعلقة بفهم القرآن وتفسيره.
وتجمعت تلك الملاحظات لدى علماء الصحابة، واختزنتها ذاكرتهم، ونقلوها إلى تلامذتهم من التابعين، لكنهم لم يدوّنوها تدوينا منظما، لأن العلوم لم تكن قد دوّنت في عصرهم، وكان القرآن الكريم أول كتاب مدوّن عرفته الأمة، وحرصوا في الجيل الأول ألّا يظهر بجانبه كتاب آخر، لكن الضرورة أملت على علماء الأمة من التابعين وتابعيهم تدوين العلوم، وكان نصيب علوم القرآن من جهودهم كبيرا.
[المرحلة الثانية: علوم القرآن في عصر التدوين]
يمكن القول إن تدوين علوم اللغة العربية وعلوم القرآن وغيرها قد بدأ في أواخر القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني، وأن القرن الثاني لم ينقض إلا ومعظم العلوم قد دوّنت وظهرت فيها المؤلفات، ومن أوائل الكتب المؤلفة في علوم القرآن كتاب «التفسير» لعبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) الذي رواه تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤ هـ) (١)، ومنها كتاب في هجاء (رسم) المصاحف لعبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقي (ت ١١٨ هـ) (٢). وكتاب قراءة أبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) (٣)، ثم تتابع التأليف وكثر في علوم القرآن.
ويقدّم ابن النديم صورة واضحة في كتابه «الفهرست» عن حركة التأليف في علوم القرآن، حتى سنة ٣٧٧ هـ وهي سنة تأليفه الكتاب، حيث ذكر أكثر من ٢٥٠ كتابا في موضوعات متعددة من علوم القرآن، نشير إلى أهمها (٤):
(١) ابن النديم: الفهرست ص ٣٦.
(٢) المصدر نفسه ص ٣٩.
وتتميز هذه المرحلة بأن لكل علم من علوم القرآن كتبا خاصة به، فالكتاب الواحد لا يتناول إلا مباحث علم واحد، فلم تكن المؤلفات الجامعة قد ظهرت بعد.
[المرحلة الثالثة: مرحلة المؤلفات الجامعة]
خصص ابن النديم الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه الفهرست، لعلوم القرآن، وقال في مطلعه: «الفن الثالث: في نعت الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القراء وأسماء رواتهم» (١). وما فعله ابن النديم هنا يمثل بداية اتجاه جديد للتأليف في علوم القرآن يتمثل بجمع خلاصة لعلوم القرآن كافة في مكان واحد، بعد أن كانت كتب علوم القرآن يختص كل كتاب منها بمباحث علم واحد. وأشهر الكتب التي اتبعت هذا المنهج:[
المرحلة الرابعة: علوم القرآن في العصر الحديث]
عاد العلماء إلى التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث، وتنوعت اتجاهات التأليف عندهم:
ومنهم من ألّف في علم واحد من علوم القرآن أو قضية من قضايا تأريخ القرآن، مثل كتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، وكتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب «النسخ في القرآن» للدكتور مصطفى زيد، وكتاب «الإعجاز البياني للقرآن» للدكتورة عائشة عبد الرحمن، وكتاب «التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن» للأستاذ حنفي أحمد، وغيرها كثير أيضا.
وكان للمستشرقين دور في الدراسات الحديثة عن القرآن وعلومه، لكن أكثر تلك الدراسات كانت تنطلق من نظرة يشوبها التعصب (١)، وأشهر ما كتبوه كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، الذي صدرت طبعته الأولى سنة ١٨٦٠ م، والذي قال عنه المستشرق آثر جفري: «وهو الآن أساس كل بحث في علوم القرآن في أوربا» (٢)، وكتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» للمستشرق المجري الأصل جولد تسهير (ت ١٩٢٠ م) (٣)، وكتاب «القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره» للمستشرق الفرنسي بلاشير (٤).
ومن الكتب التي كتبها باحث غربي واتسمت بالموضوعية إلى حد كبير،
كتاب «التوراة والإنجيل والقرآن والعلم» للكاتب الفرنسي موريس بوكاي (١)، الذي أراد في هذا الكتاب (اختبار الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية الحديثة) (٢)، والذي ختمه بقوله: «وبالنظر إلى حال المعارف في عصر محمد، لا نستطيع أن نفهم بأن كثيرا من الأخبار القرآنية التي لها سمة علمية يمكن أن تكون عمل إنسان، ولذلك فإن المشروع ليس بأن يعتبر القرآن تعبيرا لوحي فقط، بل بأن يعطى مركزا ممتازا لما يتمتع به من الأصالة الفريدة ولوجود أخبار علمية لديه ظهرت كتحد للتفسير الإنساني» (٣).
إن التأليف في علوم القرآن في اتجاهيه العام والخاص لم ينقطع منذ بدئه إلى زماننا، وهو يعكس مقدار عناية الأمة بالقرآن الكريم، والحاجة الدائمة إلى مؤلفات توضح تأريخ النص القرآني، وتكشف عن وجوه إعجازه، وتبين ما يتضمنه من الحكمة ومعالم الهداية التي تتطلع إليها البشرية أفرادا وجماعات في جميع العصور.
فعلووم القرآن هي العلوم التي تبحث فيما يتعلق بالقرآن من علم تجويد وقراءات، وعلم رسم، وعلم إعجاز، وعلم مشكل القرآن، وعلم الناسخ والمنسوخ، وأصول التفسير، وغير ذلك من علوم القرآن الكثيرة، والتي أوصلها الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن إلى سبعة وأربعين نوعاً ثم قال: واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لا ستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره. انتهى
وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن إلى ثمانين نوعاً ثم قال: فهذه ثمانون نوعاً على سبيل الإدماج ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة، وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة وقفت على كثير منها. انتهى
ونشأت هذه العلوم من حيث وجودها في زمن النبوة والصحابة، وأما من حيث تدوينها فيختلف باختلاف كل نوع منها -حسب علمنا-، وأما من حيث تدوين كتاب يجمع مجمل علوم القرآن في كتاب فأول ما دون فيه حسب علمنا هو كتاب الزركشي البرهان في علوم القرآن، ولمزيد الفائدة يراجع هذا الكتاب، وكتاب السيوطي المذكور ففيهما غنية عن غيرهما.
والله أعلم.
ومن أشهر المباحث والعلوم المنبثقة من علوم القرآن:
علم نزول القرآن
علم القراءات، وما يرجع إلى كيفية أدائه، وآداب تلاوته وأحكامها
علم جمع القرآن وتدوينه
علم الرسم والضبط
علم عد الآيات
علم فضائل القرآن
علم خصائص القرآن
علم مبهمات القرآن
ومن المؤلفات المعاصرة في مباحث علوم القرآن:
التبيان في علوم القرآن، لطاهر الجزائري.
منهج الفرقان في علوم القرآن، لمحمد علي سلامة.
مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني.
مباحث في علوم القرآن، لصبحي الصالح.
مباحث في علوم القرآن، لمناع بن خليل القطان.
إتقان البرهان في علوم القرآن، لفضل حسن عباس.
تعريف القرآن:
"قرأ": تأتي بمعنى الجمع والضم، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والقرآن في الأصل كالقراءة: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا. قال تعالى: {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقَرُآنَهُ, فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [1]. أي قراءته، فهو مصدر على وزن "فُعلان" بالضم: