فلنشكر الرب
التواضع في حياة الآباء الأوائل
عظه للقديس الآنبا أنطونيوس
من رسائل القديس أنطونيوس
1- وكان لإبراهيم الاستطاعة أن يبني القصور في كل مكان،
إذ كان قد صار له من الغنى الكثير من الذهب والفضة
والعبيد والإماء والمواشي. ولكنه إذ كان يعلم أن قلبه
إذ داوم تذكار المسكنة، فلن ينسى كثرة الخيرات التي
صنعها الله معه، فلم يفعل ذلك (أي لم يسكن القصور)
بل سكن المظال. ولأجل ذلك ظهر الله له ومعه ملاكان
وهو جالس عند شجرة ممرا. واهتم بربنا وملائكته
فلم يأمر أحداً من عبيده أن يصنع ما أهتم هو بعمله،
لئلا ينسى النعمة التي أعطاها له بعد تواضعه ومسكنته،
بل هو بنفسه، بشيخوخته الحسنة التي كانت تناهز
المائة سنة، مضى إلى قطعانه، وأتى بعجل جيد وذبحه.
وأمر سارة زوجته نفسها أن تعجن، ثلاثة أكيال سميذاً، وكان
كل عبيدهما وإمائهما قياماً حولهما. ولما قدَّم لهم
إبراهيم ليأكلوا كان واقفاً بين أياديهم كالمسكين الذي ليس له
عبيد. ولأجل هذه المسكنة التي أظهرها أمام الرب، أظهر
الرب له نفسه، وكمَّل له كل إرادته، وقال له في ذلك اليوم:
«إنه في مثل هذا اليوم من العام المقبل سيكون لسارة ولد»
(تك 18 : 10) وكان كذلك ورزقا إسحق.
إختيار المسكنة
خدمة العبيد
2- وإسحق هذا كان غنياَ جداً ولكنه تمسكن بقلبه،
حتى أن الفلسطنيين كانوا يظلمونه كواحد مسكين.
أما هو فلم يكن ينتقم منهم (تك 26 : 22 ، 23)
فكان غناه يزداد أكثر منهم.
إحتمال الظلم
التسامح والمسكنة
3- وهكذا يعقوب، لما أراد أن يذهب إلى بين النهرين، قبل نياحة
أبيه إسحق وبعد أن أخذ بركته، وترك عنه كثرة الغنى وكان
يمشي بمسكنة، وليس معه سوى عصاه وزاد لكفافه في
الطريق؛ وكان إذا رقد يضع تحت رأسه حجراً. ولأجل هذا
استغنى بالأكثر في بيت خاله لابان. ولما أراد أن
يرجع إلى بيت أبيه، لم ينسَ المسكنة بسبب ما صار له
من كثرة الغنى، لأنه كان دائماً يسير بالمسكنة. بل إنه أظهرهما
أمام الرب قائلاً: «إنني عبرت الأردن بعصاي، والآن صرت
جيشين» (تك 32 : 10). وانظروا أيضاً كيف أنه لم ينسَ
المسكنة حتى وقت نياحته؛ فلما سجد على طرف عصاه،
وكان أولاده حوله،
أوصاهم قائلاً: «لا تنسوا مسكنتكم الأولى، يا أولادي،
بسبب ما صار لكم من هذا الغنى» وكانت عصاه بيده
دائماً، في كل وقت حتى لا يتكبر قلبه بكثرة غناه عندما
ينظر إليها، ويذكر العبودية التي أكملها في بيت
خاله لابان. لأنها كانت بيده عندما كان يرعى قطعان غنمه.
العصا والكفاف
لم ينسى المسكنة
عصاه بيده دائماً
4- وهكذا يوسف لما ملك على مصر، لم ينسَ مذلته ولم يخز
ان يُظهر ذلك لفرعون، بقوله لإخوته: «إذا تقصى منكم فرعون،
فقولوا له: إن عبيدك رعاة غنم» (تك 46 : 33 ، 34).
وقد فعل ذلك حتى لا يكون له فخر عند فرعون.
فانظروا كيف أن مُلكه وغناه لم يُنسياه مذلته ومسكنته.
الإعتراف بالمسكنة
الهروب من الإفتخار
5- وهكذا موسى، كبير الأنبياء، لما صار ابنا لابنة فرعون وملك
على خزائن مصر جميعها (عب 11 : 26) ذكر إخوته المولودين
من إبراهيم الذي رفعه الله من تواضعه ومسكنته، فطلب حياتهم.
وهرب من مصر صار غريباً في أرض مديان أربعين سنة،
وكان خبزه وماؤه على كتفه وهو يرعى الغنم. فلما نظر الله
إلى كثرة تواضعه، خاطبه قائلاً: «ارجع إلى مصر وكن رئيساً
على شعب الله» (خر 3 : 10). فقال موسى للرب: « أنظر لك
آخر غيري يصلح لهذا الأمر لأني لا أصلح له» (خر 4 : 10)
فأغضب الرب بهذا القول؛ وقد كان قوله هذا بالطبع احتقاراً
لذاته لأنه لم يتكبر قط. ولأجل كثرة تواضعه عظّمه الله وأعطاه
علامة في عصاه، لكي لا ينسى المسكنة بل يشكر لنعمتها.
وأمره أن يصنع الآيات والعجائب بالعصا التي بيده.
وكل الآيات والعجائب التي أجراها الرب معه كانت بواسطة
عصاه، ليكون تذكار مسكنته معه ولا ينساه، بسبب تلك العصا
التي هي دائماً بيده، وبها شق البحر وبها صنع عجائب في مصر.
ذكر إخوته المساكين
الغربة والمذلة
العصا وتذكار المسكنة
6- وقد قيل أيضاً عن دبورة إنها لما نالت من الله تلك الرفعة
العظيمة، التي هي تدبير الشعب كله، لم يرتفع قلبها؛ بل كانت
تذكر طقس النساء وتعتبر أن الرجل هو رأسها (1كو 11 : 3).
ولهذا فهي عندما أرادت أن تحارب سيسرا الملك، أرسلت خلفه
باراق وأعطته السلطة لكي يمضي ويحارب سيسرا.
أما باراق البار، فلم تُضلّه هذه الكرامة العظيمة ولا نسي
تدابير الله، بل قال لها: «إن كنتِ تنطلقين معي فأنا أنطلق»
(قض 4 : 8) لأنه كان يعلم أن الله معها وقد ولاها التدبير،
حتى أن دبورة قالت له: «إنني إذا خرجت معك لا تكون لك
كرامة؛ بل يقال إن سيسرا سلم بيد امرأة» (قض 4 : 9)
تعتبر الرجل رأسها
باراق لم تضله الكرامة
7- وهكذا حنة أم صموئيل النبي، كانت تصنع له جُبَّة صغيرة
(1صم 2: 9) في كل سنة، مما يخصها. ومعلوم أن هيكل الرب
لم يكن محتاجاً حتى تأتي أم النبي بملابسه من عندها.
لكن أمه فعلت ذلك لأنه دخل الهيكل صغيراً، لئلا يقول:
إني ملاك أو أحد القوات، وقد رأيت إعلانات في الهيكل.
وكانت تفعل ذلك كل سنه حتى يعرف ويتحقق ابن من هو،
ويتذكر تواضعه وجنسه. ولأجل هذا كان ينمو بزيادة
مرضياً لله. وحنة امه أيضاً كانت متضعة وديعة.
يتذكر تواضعه وجنسه
وحنة كانت متضعة وديعة
8- كما أنه لما دُهن داود وصار ملكاً قال:
«إنني لم أنسَ مسكنتي وتواضعي ولم أرتفع بقلبي»،
وقال من أجل ذلك صراحة: «يا رب لم يتعظم قلبي ولم تستعل
عيناي، ولم أسلك في عظائم ولا عجائب أكثر مني، وإن كنت
لم أتضع لكن رفعت صوتي مثل الفطيم من لبن أمه، مثل
المجازاة على نفسي» (مز 131 : 1 ، 2). وهذه المزامير
لم يقلها داود إلا وهو ملك، ولم ينسَ مسكنته الأولى بل قال:
«صغيراً كنت في إخواتي وشاباً في بيت أبي، كنت أرعى
غنم أبي» (مز 151: 1). وهذه الأقوال قالها لكي يعرفها
جميع العالم ويتعلموا الإتضاع والمسكنة.
لم ينسى مسكنته الأولى
9- وهكذا الآباء الرسل، لما ابتدأوا يتبعون ربنا يسوع المسيح
كانوا يتذكرون مسكنتهم الأولى دائماً، حتى أن ربنا قال لبطرس
رأس الرسل، في كفر ناحوم، عندما طولب بدفع الجزية: «امض
إلى البحر وألق صنارتك، وأول سمكة تطلع، افتح فاها فتجد
إستاتيراً، فخذها واعط عني وعنك» (مت 17 : 27)
فانظروا، يا أولادي، كيف أن بطرس لم يترك عنه صنارته،
لئلا ينسى تواضعه ومسكنته. واعلموا أن ربنا اظهر لنا هذه
الأمثلة التي تقدم ذكرها، لكي نتضع نحن في ذواتنا
ولكي يفتضح الشيطان ويخزى وتنطفئ سهامه النارية
المتوقدة (أف 6 : 16).
لم يترك عنه صنارته
لكي يفتضح الشيطان
10- وإذا نلتم الخلاص من خطاياكم، فلا تغفروا أنتم وحدكم
لأنفسكم؛ لئلا تكون ثمار توبتكم عاجزة؛ بل تشبهوا بمعلم
المسكونة، بولس الرسول، الذي بعد أن غفر له الرب بظهوره له
وكلامه معه، لم يغفر هو لذاته وحده، ولم ينسَ عدم معرفته
الأولى التي قد نسيها الرب برحمته؛ بل قال: «إني كنت
مضطهِداً لكنيسة الله» (1كو 15 : 9 ، غل 1 : 13)
وأمثال ذلك. وربنا يسوع المسيح يحفظكم في طاعته إلى الآبد؛
الذي ينبغي له التقديس والتسبيح مع أبيه وروح قدسه
الآن وكل آوان. آمين