1 of 17

النقد الأدبي في صدر الإسلام

  • أولا: أثر الإسلام في حياة العرب وأدبهم:
  • إذا كان الأدب هو مادة النقد الأدبي، فإن النقد الأدبي لا بد أن يتأثر بهذه العوامل الجديدة تبعًا لتأثر الأدب بها.
  • لما ظهر الإسلام غيّر حياة العرب وأوجد فيها قيمًا جديدة لم تكن موجودة من قبل، فقد بدل الإسلام حياة العرب وغيّرها.
  • تغيرت عقيدة الإنسان، وتغيرت أهدافه وغاياته، وتغيرت أخلاقه وعاداته، وتبعًا لتغير الحياة في العقائد والقيم والغايات والنظم والأخلاق والعادات تغيرت الأفكار، وتغيرت المواقف، وتغيرت الأحداث، وتغيرت العواطف.
  • ولا بد أن تظهر هذه التغييرات على الأدب الذي يعبر به أصحابه عن عواطفهم وأفكارهم ومشاعرهم ومواقفهم وأحداثهم، ونظرتهم إلى الحياة وإلى الكون وإلى الكائنات، فالأدب هو مرآة الحياة.

2 of 17

  • أهم المؤثرات التي أثرت في الأدب، وأثرت في النقد الأدبي كذلك القرآن الكريم.
  • أثّر القرآن الكريم في أدب العرب بلغته وطرائق تعبيره ووسائل بيانه، فأثر فيه من جهة المعاني والأفكار والمواقف والعقائد، ومن جهة الأساليب والألفاظ والجمل والتعبيرات.
  • أصبح القرآن الكريم بأسلوبه ومعانيه، وأصبحت هذه القيم الجديدة -القيم المعنوية والقيم التعبيرية- واضحة الأثر في أدب العرب.
  • واتخذ المسلمون في ظل الإسلام قيمًا جديدة في نقدهم لأدبهم يتحاكمون إليها، مهتدين في ذلك بهدي القرآن الكريم.

3 of 17

  • والمؤثر الثاني الذي أثر بشكلٍ واضحٍ في أدب العرب وفي نقدهم: الرسول (ﷺ).
  • وكان (ﷺ) كما أخبر عن نفسه أفصح العرب، وعلاوة على ذلك آتاه الله جوامع الكلم، فكان (ﷺ) يعبر عن المعاني العظيمة والكثيرة بألفاظ قليلة.
  • كان الرسول (ﷺ) أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم والناس أجمعين، وهذا الحب العظيم دفعهم إلى تطييب أدبهم بمديحه والإشادة بمآثره، ووصف شمائله. كما دفعهم ذلك أيضًا إلى الرد على المشركين.
  • وكانت الأحداث التي حفلت به حياته جهادًا وغزوة ودعوة وسفرًا وإقامة مادة وموضوعات جديدة للأدب وأمدّت الشعراء والخطباء بزاد متجدد من العواطف والأفكار والمواقف والصور.
  • كان الشعراء والأدباء يستجيبون لتوجيهاته في مجال النقد الأدبي؛ لأنه (ﷺ) كان ذا ذائقة متميزة لطعوم الكلام، ومعرفة واعية بمراميه وأسراره، وكان (ﷺ) يستجيد بعض الأشعار، ويطلب من أصحابه أن ينشدوه إياها.
  • كما كان لبلاغته (ﷺ) في أحاديثه الكريمة أثر طيب في إثراء الأدب العربي بزاد جديد من البلاغة العالية.

4 of 17

  • ذهب بعض النقاد إلى أن الإسلام ربما يكون أثّر على مسيرة الأدب والشعر، وأن الأدب العربي تأثر تأثرًا سلبيًّا بظهور الإسلام. وأنه لم يكن بالقوة التي كان عليها في العصر الجاهلي.
  • وقد توهم بعضهم أن القرآن الكريم غضّ من شأن الشعر بما ورد في قول الله: {والشعراء يتّبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون* وأنّهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ....} [الشعراء: 224-226].
  • وظنوا أن القرآن يغض من شأن الشعر أيضًا ومن شأن الأدب؛ بسبب قول الله تعالى في حديثه عن الرسول (ﷺ): {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69].
  • والحقيقة أن هذا التوهم باطل؛ لأن الإسلام لم يغض من شأن الشعر، ولم يهوّن من شأنه، ولم يكن الإسلام سببًا في ضعف الشعر أو الأدب، بل العكس هو الصحيح، فعرف الإسلام للأدب قيمته وخطورته، وعرف للكلمة تأثيرها.

5 of 17

  • وما يذهب إليه هؤلاء من فهمهم لآية الشعراء استنتاج خاطئ؛ فنزول سورة باسم الشعراء دليل على أن الإسلام يعرف للشعر أثره وخطره، وعندما ذمّ القرآن صنفًا من الشعراء لم يذم الشعراء جميعًا، فالذم متبوع باستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227].
  • وقول القرآن الكريم عن الرسول (ﷺ): {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} إنما هو ردّ على الكفار الذين أخذوا ببلاغة القرآن، فقالوا: الرسول شاعر، والقرآن شعر، وعندما رجعوا إلى أنفسهم أيقنوا أن القرآن ليس بشعر.
  • إذًا هذا التوهم باطل من جهة الاستدلال بالقرآن الكريم، كما يتوهم البعض من أن القرآن يغض من شأن الأدب أو يحرّم الشعر أو شيئًا من هذا القبيل، ولو كان كلامهم صحيحًا لخمل ذكر الأدب والشعر في أيام الدعوة الإسلامية.
  • واستخدم الإسلام الشعر سلاحًا في الدعوة الإسلامية؛ إذ كان للرسول (ﷺ) كوكبة من الشعراء يحيطون به ويدافعون عنه، ويردون على المشركين وعلى شعراء المشركين.

6 of 17

  • الذي حدث في ظل الإسلام أن الإسلام وجّه الأدب؛ لم يضعفه، لم يضيق عليه، لم يحرّمه، وإنما وجهه ليكون الأديب صاحب رسالة، وليكون للأديب غاية.
  • فالذي تغير في ظل الإسلام هو وجهة الأدب، من غير أن يكون هناك تحريم للأدب أو غض من شأنه، أو أن يكون هناك تحريم للشعر أو غض من شأنه.
  • ولقد كتب الإمام عبد القاهر الجرجاني في مقدمة كتابه (دلائل الإعجاز) كلامًا طيبًا وذكر حجج هؤلاء الذين يزهدون في الشعر، ومن ذلك قولهم أيضًا: إن الرسول (ص) قال: ((لئن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يُرِيَهُ، خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا)). والامتلاء هنا أن يستحوذ الشعر على الإنسان ويمنعه من أداء شعائر الله، أو أن يستغل الشعر في أمور خارجة عن الدين والأخلاق.
  • ويذكر أن الرسول (ﷺ) قال أيضًا: ((إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا))، ويقول مخاطبًا من يزهد في الشعر ويعيبه: وكيف نسيت أمره (ص) بقول الشعر، ووعده عليه الجنة، وقوله لحسان: ((قل، وروح القدس معك)) وسماعه له واستنشاده إياه، وعلمه به، واستحسانه له، وارتياحه لسماعه؟

7 of 17

  • أما أمر الرسول (ص) بقول الشعر فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه، فقد كان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم ويصغي إليهم، ويأمرهم بالرد على المشركين، فيقولون في ذلك ويعرضون عليه.
  • لكن الذي نلاحظه أن الشعر الذي يشجعه الرسول (ص)، ويسمعه ويثني عليه، يسير في النور الجديد، يسير تحت راية الإسلام، لا يناقض القيم، يستخدم للإشادة بمكارم الأخلاق. وهذا سموّ بالأدب، وسمو برسالته.
  • وهذا الأثر في الأدب انتقل إلى النقد، فكانت عملية النقد في صميمها انتقاء.
  • أصبحت الغاية الخُلُقية تظهر بوضوح في الأدب الإسلامي، ووجدنا القيمة الخلقية تظهر بأهمية كبيرة في مجال النقد الأدبي، وأصبحت هذه القيمة ذات أثر فعّال في تقويم الأدب.

8 of 17

أولا: النقد الأدبي في عصر النبوة:

  • كان عصر البعثة المحمدية حافلًا بالشعر فياضًا به، وإن ضعف في بعض نواحيه، فالخصومة بين النبي (ص) وأصحابه من ناحية، وبين قريش والعرب من ناحية أخرى، كانت عنيفة حادة.
  • كان شعراء قريش ومن والاهم يهجون النبي وأصحابه، وكان شعراء الأنصار يناقضون هذا الهجاء، ولعل ذلك أول عهد حقيقي للنقائض في الشعر العربي، ولعل تلك الروح هي التي أنهضت هذا الفن في القول؛ فازدهر في العصر الأموي ازدهارًا تامًّا.
  • وكان العرب يقدرون هذا التهاجي، ويؤمنون بما فيه من قوة، ويفصحون عما فيه من لذع وإيلام، فكانت قريش تجزع كل الجزع من هجاء حسان، ولا تبالي بشعر ابن رواحة، وكان ذلك قبل أن تسلم، فلما أسلمت رأت في الشعرين رأيًا آخر.
  • وغني عن البيان أن الرسول (ص) كان له علم بالشعر، وكانت له ذائقة عالية تمكنه من تذوقه، والتمييز بين جيد الكلام ورديئه.

9 of 17

  • بل إن الروايات تذكر أن الرسول (ﷺ) كان يلفت أنظار أصحابه إلى ما يُستجاد من الشعر، وما يمكن أن تتضمنه الأشعار من الجودة الفنية؛ فعنما أنشده كعب بن زهير قصيدته المعروفة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

إلى أن قال في مديح الرسول (ﷺ):

إن الرسول لسيف يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول

  • فأشار رسول الله (ﷺ) إلى من حوله: ((اسمعوا)). وتذكر بعض الروايات أن الرسول (ﷺ) لما قال كعب: "إن الرسول لسيف" قال: ((بل، قل: نور))، أي: إن الرسول لنور يستضاء به، وتذكر الروايات أيضًا أن كعبًا لمّا قال: "مهند من سيوف الهند" فعدلها الرسول (ﷺ) وأمره أن يقول: "مهند من سيوف الله".
  • وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يحفظ الشعر، وكان عالمًا بالأنساب.
  • ولما استدعى الرسول (ص) حسان بن ثابت، وأمره بهجاء الكفار، وهجاء قريش الذين كانوا يناصبون الرسول ودعوته العداء، أمر (ص) حسان أن يذهب إلى أبي بكر ليسأله عن أنساب القوم.

10 of 17

نقل الرواة أن نابغة بني جعدة قدم المدينة مع وفد من وجهاء قومه للقاء الرسول ﷺ، فأنشده قوله:

 أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا

 إلى أن قال:

 بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

 وقد أحس الرسول ﷺ بعد سماعه هذا البيت أن النابغة يفتخر فخر الجاهليين، فسأله: "إلى أين يا أبا ليلى؟" فأجاب: إلى الجنة يا رسول الله، فاستبشر الرسول ﷺ بجوابه، وقال له: "نعم إلى الجنة إن شاء الله"، فلما وصل إلى قوله:

 ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوة أن يكدرا

 ازداد إعجاب الرسول ﷺ به، ودعا له بقوله: "لا يفضض الله فاك”

11 of 17

  • وسمع الرسول ﷺ قول طرفة بن العبد:

 ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود

فاستحسن شعره، وقال ﷺ: "هذا من كلام النبوة".

  •  فالرسول ﷺ في هذه المواقف وغيرها. نراه يستمع إلى الشعر، ويعجب به، ويتجه بالنقد اتجاها جديدا قوامه التأثر بالمثل العليا التي جاء بها الإسلام، والابتعاد عما كان في الجاهلية.
  • وميزان الشعر عنده يتمثل في مدى مطابقته لتلك المثل من عدمها، و
  • قد نقل عنه قوله: "إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه". وقوله "الشعر كلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه".

12 of 17

  • وقد ظلت وفود العرب تختلف إلى المدينة في عهد الخلفاء الراشدين وتجمعهم أنديتها، فيخوضون في رجالات الجاهلية من شعراء وأبطال وأجواد، وقد يخوض الخليفة في بعض ما يخوضون، وقد يتحدث مع الوفد القادم عن شاعر له مؤانسة وتكريمًا، وأخص الخلفاء الذين عُرِف عنهم ذلك عمر بن الخطاب.
  • كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عالمًا بالشعر، ذا بصر فيه، تحدث مرة مع وفد غطفان فقال: أي شعرائكم الذي يقول:

أتيتك عاريًا خلقًا ثيابي على خوف تظن به الظنونا؟

  • قالوا: النابغة. قال: فأيّ شعرائكم الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب؟

  • قالوا: النابغة. قال: فأيّ شعرائكم الذي يقول:

فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع؟

  • قالوا: النابغة. قال: هذا أشعر شعرائكم.

13 of 17

  • ولكن شيء آخر يروى عن عمر، ولا يتماشى مع ما سبق، يقول ابن عباس: "قال لي عمر ليلة مسيره إلى الجابية في أول غزوة غزاها: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول:

ولو أن حمدًا يخلد الناس أخلدوا ولكن حمد الناس ليس بمخلد

  • قلت: ذلك زهير، قال: فذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه". وهنا نلحظ ظاهرة جديدة في نقد عمر، فهو حين قدم زهيرا على الشعراء شرح وبين سبب تفضيله له، فشعر زهير في نظره: سهل العبارة، لا تعقيد فيه، بعيد عن المغالاة والتكلف، خالٍ من الزيف والنفاق.
  • والظاهر أن هناك تعارضًا في الحكمين، فالنابغة أشعر غطفان أو أشعر العرب عند عمر، وزهير شاعر الشعراء عنده كذلك، إن النصوص التي لدينا ترجّح أن عمر قدم النابغة على غطفان وحدها.
  • وهذا يدل على أن ابن عباس أيضًا كان له علم بالشعر، وواضح في تفسير ابن عباس للقرآن الكريم، وكان عندما تغمُض عليه كلمة في تفسير القرآن يستعين على معرفتها بالشعر.

14 of 17

  • والرواة يذكرون أن الحطيئة هجا الزبرقان بن بدر بقصيدته، التي جاء فيها:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد؛ فإنك أنت الطاعم الكاسي

  • وأن الزبرقان استعدى عليه عمر بن الخطاب، وأن عمر جعل يهوّن البيت على الزبرقان، ويحمله على أنه معاتبة لا هجاء؛ كراهة أن يتعرض لشأن الحطيئة، ولكن الزبرقان عز وأنكر ألا تبلغ به مروءته وهمته إلا أن يأكل ويلبس، وبعث عمر -رضي الله عنه- في طلب حسان، بعث في طلب شاعر كالحطيئة يعرف من أمر الشعر، فسأله فقال: لم يهجُه، ولكن سَلَحَ عليه، وكان هذا قضاء من حسان على أن البيت مؤلم، وكان حاملًا للخليفة على حبس الحطيئة.
  • فهذه الرواية إذًا تبين لنا أن عمر -رضي الله عنه- حكم بحبس الحطيئة من واقع مسئوليته كأمير للمؤمنين، وعندما سأل عمر حسانًا عن رأيه في البيت كان يعلم ما فيه، ولكنه أراد الحجة على الحطيئة بشهادة شاعر مثله.
  • فألقى عمر الحطيئة في حفرة اتخذها محبسًا، فأنشد الحطيئة أبياتًا يستشفع فيها عمر، ومنها:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ زُغْبُ الحواصلِ، لا ماءٌ ولا شجرُ؟

ألقيت كاسبَهم في قعرِ مظلمةٍ فاغفــــــــرْ، عليكَ سلامُ اللهِ يا عمرُ

  • وقد رقّ عمر لهذه الأبيات التي استعطفه بها الحطيئة، فعفا عنه.

15 of 17

  • ونمضي مع الروايات التي تتحدث عن عمر بن الخطاب وبصره بالشعر، وتوجيهه لحركة النقد، فنذكر هذه الرواية حين هجا الشاعر النجاشي بني عجلان، فاستعدوا عليه عمر؛ لأنهم عُيِّروا بجدهم بسبب هذا الهجاء، وقد كان العجلان من دواعي فخرهم قبل هذا لتعجيله القِرَى للضيفان، فقال عمر: وما قال فيكم؟ فأنشدوه:

إذا اللهُ عادى أهلَ لؤمٍ ورِقَّةٍ * فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل

  • فقال عمر: إنما دعا عليكم، ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال -أي الحطيئة- في هجائهم:

قبيلةٌ لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

  • فقال عمر: ليت آل الخطاب كذلك، قالوا: فإنه قال:

ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الرواد عن كل منهل

  • فقال عمر: فذلك أقل للسكاك عن الزحام، قالوا: فإنه قال:
  • تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
  • فقال عمر: كفى ضياعًا من تأكل الكلاب لحمه، قالوا: فإنه قال:

وما سمي العجلان إلا لقولهم: خذ القعب واحلب، أيها العبد واعجل

16 of 17

  • فقال عمر: كلنا عبيد الله، وخير القوم خادمهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا! فقال: ما أسمع ذلك، فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت، فسأله فقال: ما هجاهم، ولكن سلح عليهم، أي: هجاهم هجاء مريرًا.
  • وعمر بن الخطاب في هذه الرواية يحاول أن يؤوِّل الكلام، وأن يصرفه عن وجهه الحقيقي؛ لكي يهدئ من ثائرة القوم.
  • وأما عمر بن الخطاب، فلا يكاد يعرض له أمر إلا أن أنشد فيه بيتَ شعرٍ.
  • يعتبر مذهب ابن الخطاب في نقد الشعر الجاهلي طرازًا جديدًا يظهر لأول مرة في النقد العربي؛ لأنه قرر مبدأين مهمين في صناعة الشعر:
  • الأول: الحذق في الصناعة الشعرية، وذلك يتناول الشكل.
  • الثاني: الصدق في الوصف بحيث لا يجانب المنطق، وهذا يتعلق بالمضمون.

17 of 17

سمات النقد وملامحه في العصر الإسلامي

1- كان أكثر النقد منصباً على المعنى وقربه أو بعده من الدين والأخلاق ولم يكن منصبا على الصياغة واللغة.

2- وبتأثير الدين الجديد كان يرضي النقاد من معاني الشعر ما اتسق مع تعاليم الدين الجديد ومكارم الأخلاق والسلوك القويم والحكمة الإنسانية.

3- اعتمد مقياس الصدق والكذب مقياسا مهما يحكم من خلاله على جودة الشعر أو رداءته.

4- مثّل المضمون الشعري أساسا في معظم الملحوظات النقدية التي وصلتنا عن عصر النبوة وصدر الإسلام.

5- ظل الذوق عاملا أساسيا في عمليات الحكم على الشعر والشعراء، مع ملاحظة أن الذوق الجديد تأثر بالمنظومة الأخلاقية والدينية التي جاء بها الإسلام.

6- وبقيت الأحكام النقدية أحكاما جزئية تتناول البيت والبيتين في معظمها.