مقدمة المترجم

 

 

إن موضوع هذا الكتيب الذي كتب بشكل محاورة، هو تفسير لرموز لوحة علقت على مدخل معبد، حيث الزائرون لا يفقهون معانيها.

 

 

ماذا تمثل لوحة الحياة هذه؟ لا تمثل هذه اللوحة حياة الآخرة، بل الحياة اليومية وكيف يجب أن تكون، إنها تمثل الحياة بأكملها وتصور النفس البشرية والصراع الدائم بين عناصرها الخيرة والشريرة، الصراع بين العقل والعاطفة، بين الشهوة والمثل العليا، وتصور كيف تنتصر الشهوة وتقود صاحبها إلى الشر، إلى الجحيم، ليس ذلك الجحيم الذي يقذف المرء فيه بعد الموت، إنما إلى جحيم الحاضر،جحيم الحياة،الجحيم النفسي . أما الذي يتحرر من قيود الشهوة وينقاد للعقل ويحصّل الحكمة، فيدخله سبياس إلى نعيم الخير والفضيلة، والسعادة، حياة كلها راحة واطمئنان نفسي .

 

 

هذه اللوحة هي صورة واضحة لنفس كل واحد منا ، لتلك النفس التي توجهنا في هذا الوجود والتي تجعل من حياتنا نعيما أو جحيما.

 

 

سبياس، هذا الفيلسوف اليوناني يقدم لنا في لوحته هذه سبيلا ومنهاجا ومخططا أخلاقيا يقود إلى الفضيلة والسعادة بواسطة المعرفة الصحيحة إذا اتبعها الإنسان وعمل بها. هذا المنهاج مبني على أسس الفلسفة والأفكارالأفلاطونية. والجدير بالذكر أن هذه القيم والأفكار رغم العصور الطويلة التي مرّت عليها لم تفقد شيئا من قيمتها وكأنها من حدث اليوم.

 

 

 

 

 

 

عرّب هذه الوحة ابن مسكوية في القرن الرابع الهجري عنها نقلت الى اللاتينية ومنها الى اللغات الأخرى وصيغة ابن مسكوية العربية مفقودة اليوم.

 

تمت ترجمة هذا الكتيب من الفرنسية في الخمسينات، كنت آنذاك تلميذا في الثانوية، وفي السنين الأخيرة شجعني بعض الأصدقاء على طبعها بعد قراءتها وخاصة الصديق وزميل الدراسة السيد صالح كيالي حيث راجع الترجمة من الفرنسية وقام ببعض التنقيح  للنص، لذلك أخصه بجزيل الشكر لمساعدته هذه. وكذلك أخص الدكتور عماد سمير بجزيل الشكر لمراجعته النص العربي. وفي تحقيق هذا العمل استندت أيضا على ترجمة ألمانية للمقارنة.

 

حقوق الطبع محفوظة

 

د.عيسى أطاي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Dr. med Isa Atay

MozartstraBe, 32  - D 66399 Mandelbachtal – Ormesheim , GERMANY

Fax: +49 - 6893 / 60 40 80 Tel: +49 - 6893 / 34 36

Email: isa.atay@superkabel.de

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سبياس

 

سبياس فيلسوف يوناني ولد في _(1)Thebenطيبة اليونانية في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد ،كان من روّاد مدرسة فيلولاوس(2) الفيثاغورية التي كانت آنذاك قائمة في طيبة ، أصبح تلميذا وصديقا لسقراط وأحد الذين كانوا شهودا للحظاته الأخيرة وأحاديث وداعه ، أدخله أفلاطون في عداد المتكلمين في محاورة فيدون .

ديوجانس اللايرتي (3) نسب إليه ثلاث محاورات ، هذه اللوحة هي المؤلف الوحيد الذي وصلنا لهذا الفيلسوف والمحاورتين الباقيتين مفقودتين ، وهناك بعض النقد الذي يدّعي – لا ندري إن كان حقا أم باطلا – بأن هذه اللوحة ليست من

مؤلفات سبياس الطيبي الذي قدمناه ، بل ينسبونها دون أي برهان إلى سبياس آخر ، رواقي من مدينةSicyque وكان هذا من معاصري الأمبراطور الفيلسوف مرقس أوريليوس(4) ، ربما قد تسربت بعض التحريفات إلى نص هذا الكتيب في عصور متأخرة ، ومع ذلك فمن السهل ملاحظة طريقة أفلاطون السقراطية في أسلوب المحاورة ومنهجها العام وكذلك الأفكار الأفلاطونية واضحة .

________________________________________

1 (هي مدينة طيبة اليونانية ، واقعة في منطقة Böotien في شرق يونان الوسطى بين خليج كورينث وقناة Euböa ، في الأساطير اليونانية كانت مسرحا لوقائع أسطورة أوديبوس .

2) فيلسوف وفلكي يوناني، مؤسس المدرسة الفيثاغورية قي طيبة اليونانية ،إليه تعزى نظرية فلكية تؤكد دوران الأرض وكرويتها .

(3 كاتب أغريقي من المعتقد أنه عاش في القرن الثالث ب.م. ألف كتاب سير مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم

 

 

 4)أمبرطور وفيلسوف روماني ، كتب باليونانية ، ولد في روما سنة 121 م مات سنة180م. كتابه المشهور الخواطر

أما موضوع هذه اللوحة فهو بحث فلسفي بلباس شاعري وشكل حواري ، فبعض

الشبان يزورون معبدا ويستعرضون القرابين فيه ، من بينها لوحة رمزية يقف الشبان

أمامها حائرين من أمر معناها ، فيقبل عليهم شيخ ويشرحها لهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لوحة الحياة

 

1

 

 

بينما كنا نطوف في معبد كرونوس(1) ونستعرض القرابين المختلفة فيه ، لفتت أنظارنا لوحة غريبة، علقت على مدخل المعبد، تعرض نوعا فريدا من القصص الممثلة برموز غريبة. لم نستطع إدراك معانيها ، لم تكن تمثل هذه اللوحة صورة مدينة أو معسكرا بل سورا يحيط بسورين أخريين في داخله، الأول كبير والثاني صغير، وفي السور الأول باب احتشد حوله جمع وفير من الناس ومن داخل السور كنا نرى فوجا من النساء .وعند مدخل السور الأول نشاهد شيخا واقفا يبدو كأنه يأمر الجموع التي كانت تدخل .

__________________

(1) في بعض الترجمات ساتورن

كرونوس هو عملاق في الميتولوجيا الإغريقية والابن الصغير لاورانوس وجايا ، والذي بعد

إلحاح والدته عليه خصى والده بالمنجل ثم قتله واستولى على الحكم . من أخته ريها أنجب

هستيا ، دمتر ، هيرا ، هادس ، بوزايدون وزويس . تنبأ كرونوس بأنه سيزاح أيضا من

أحد أولاده فقتلهم جميعا ما عدا زويس الذي أنقذته والدته ، زويس أزاح والده كرونوس

وألقى به في هاوية ترتاروس ( هي هاوية يرمي فيها زويس أعداءه).في الميتولوجيا الرومانية كرونوس هو ساتورن ، وفي الفينيقية بعل .

 

 

2

 

في هذه الإثناء تقدم منا رجل عجوز _ كان هناك _ بعد أن استغرقتنا الحيرة وأخذنا الارتباك من موضوع هذه اللوحة وقتا طويلا

 أنتم أيها الغرباء ، لا تستغربوا إن لم تفهموا موضوع هذه اللوحة إذ أغلب سكان هذه وقال

المدينة لا يدركونه. هذا القربان ليس من أحد سكان هذه المدينة ،بل من غريب،أتى إلى هنا قديما وكان رجلا ذا حكمة وعلم واسع ، وقد شهدت أحاديثه وأعماله بأنه كان تلميذا متحمسا لِ فيثاغوروس (1) ولِ برمنيدس (2) ، وهو الذي كرس آنذاك هذا المعبد وهذه اللوحة قربانا لِكرونوس. _فسألته: إذن قد عرفت هذا الرجل ورأيته شخصيا ؟ أجاب، نعم لقد رأيته وأعجبت به وقتا طويلا، إذ كنت شابا، أما هو فكان مسنا وحديثه مفعما بالأفكار العميقة ، وقد سمعته مرات عديدة يشرح هذه اللوحة .

فيثاغورس - حفر نحاسي - المكتبة الوطنية - باريس

_______________

ق.م-480- 570(1) فيلسوف وعالم رياضيات يوناني ، ولد في ساموس ، عاش – أنشأ المدرسة الفيثاغورية ، اتخذ العدد مبدأ كل شيء .

(2) فيلسوف يوناني ولد في إيليا ( اطاليا السفلى ) عاش من 504_450 ق.م . مؤسس المدرسة الايلية ، كان يرى التعقل والوجود شيء واحد .

 

 

3

 

 

_قلت: بحق زويس ، نرجو أن تشرحها لنا _ إن لم يمنعك شاغل ذو بال _ لأننا

في الحقيقة متلهفون جدا إلى معرفة معنى هذه الأسطورة .

_ قال ليس هناك أي مانع أيها الغرباء ، ولكن يجب أن تعلموا بأن هذا الشرح قد يعرضكم إلى بعض الأخطار .

_ قلت أية أخطار هذه ؟

_ قال إن استمعتم بانتباه وفهمتم ما سأقوله لكم ، فستصبحون عقلاء وسعداء ، وإلا ستغدون حمقى ، تعساء ، تقضون حياتكم كلها في الشقاء والجهل. إن هذا الشرح لشبيه

بلغز أبي الهول (1) الذي كان يعرضه على الناس ، فمن تدبره نجا ، ومن لم يتدبره فأبو الهول ذاته يهلكه ، هكذا هو الحال بالنسبة لهذا الشرح، لأن الجهل للإنسان هو أبو الهول.

ولكن اللغز الذي يطرحه هذا الشرح هو هذا : ما هو خير؟ ما هو شر ؟ وما ليس بخير وليس بشر في هذه الحياة ؟ فمن لا يحل اللغز ولا يستدل على الجواب ، فالجهل ذاته

يهلكه ،ولن يفعل ذلك دفعة واحدة كما كان يفعل أبو الهول مفترسا إياه ، بل يهلكه

ببطء طوال حياته ، كمن قُذف به إلى آلة التعذيب . أما إذا انتبه وفهم وعرف ، فتنقلب

الآية ، والجهل ذاته يُهْلَكُ ، أما هو فينجو ويقضي حياته كلها سعيدا مسرورا ،

إذن انتبهوا ووعوا . _____________

1.      1): في الميتولوجيا الاغريقية : أبو الهول مؤنث ،وهي ابنة تيفون والثعبان أشيدنا ، كانت تعيش على قمة جبل بالقرب من مدينة طيبة اليونانية ، أو على عامود في ساحة المدينة وتقتل كل من لا يستطيع حلّ لغزها القائل : أي مخلوق هذا الذي يمشي صباحا على أربعة ، ظهرا على اثنتين ، ومساء على ثلاثة أرجل ؟ أوديبوس حل اللغز وجوابه كان ، الإنسان . ( كطفل يزحف على يديه ورجليه الأربعة ، كشاب على رجليه ، وكشيخ يأخذ بعكازه) وعليه رمت بنفسها في الهاوية منتحرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4

 

 

وهرقل ، أنك لضاعفت شوقنا _ إن كان الأمر كما تقول _ .

_ أجاب ، إنه هكذا تماما .

إذن هلم بشرحك ، وحاشى أن نعيرك آذانا نصف صاغية ، إذ أن المكافأة والعقاب

يتناسبان والانتباه.

عند ذاك تناول الشيخ قضيبا ومده نحو اللوحة قائلا :

_ هل تشاهدون هذا السور ؟ ._ أجل إننا نراه . _ أولا يجب أن تعلموا أن هذا المكان يسمى الحياة ، وهذا الجمع المحتشد حول الباب، هم الذين وجب عليهم دخول الحياة . أما هذا الشيخ الواقف على علوٍ من الآخرين ، والذي يمسك بإحدى يديه ورقة ويشير بالأخرى ، يسمى العقل.

إنه يأمر الذين وجب عليهم دخول الحياة ، بما يجب أن يفعلوه بعد دخولها ، ويرشدهم

إلى الطريق الذي يحب أن يسلكوه ليكونوا سعداء .

 

 

 

 

 

 

 

 

5

 

_ فسألته ، إذن بأي طريق ينصحهم أن يسيروا ؟ وكيف يمكنهم أن يسلكوه ؟

_ أجاب ، هل ترى قرب الباب _ حيث تدخل الجموع _ عرشا تربعت عليه امرأة

تُبدي رقة مفرطة وتشع إغراء شديدا ، وتحمل بيدها كأسا .

_ قلت ، إني أراها ولكن من هي هذه المرأة ؟

_ أجاب ، إنها تدعى" الغواية "وهي التي تضل جميع الناس .

_ وما عساها تفعل ؟

_ تسقي الذين يدخلون الحياة من شرابها السحري .

_ وما هو هذا الشراب ؟

_ أنه يتألف من" الضلال " و " الجهل " .

_ ماذا يحدث بعد ذلك ؟

_ يشربونه ثم يدخلون الحياة .

_ وهل كلهم يشربون الضلال دون استثناء ؟.

 

 

 

 

6

 

 

_ أجاب ، كلهم يشربون منه ، بعضهم يشرب كثيرا ، والبعض قليلا . هل تشاهد وراء

الباب جمعا من النساء ، هن أشبه بالعاهرات على اختلاف أشكالهن ؟

_ إني أراهن .

_ هؤلاء النساء يسمين " الآراء " ، " الشهوات " و " اللذات " فما أن تدخل

جماعة من الناس الحياة ، حتى يقذفن بأنفسهن على كل واحد منهم ويعانقنه ثم يقتدنه .

_ والى أين يقتدنهم ؟

_ البعض إلى الأمان والبعض الأخر وهم الذين فتنتهم الغواية إلى الدمار .

_ يا للعجب ! ما هذا الشراب الغريب الذي تحدثنا عنه !

_ فأضاف،كل واحدة منهن تَعِدُ ببلوغ أسمى الأماني في حياة ملؤها السعادة والهناء ولكن

الذين شربوا الجهل والضلال من كأس الغواية لا يستطيعون إيجاد الطريق الصحيح

للسير في الحياة ، لذلك هم كما ترى ، تائهين على غير هدى ، شأنهم شأن الداخلين

ألا‘ول ، ضالين في كل صوب ، دون وعي أو تفكير .

 

 

 

 

 

7

 

 

 

 

 

_ قلت ، إني أراهم ، ولكن من هي هذه المرأة المنتصبة على كرة من الرخام ، التي تبدو

وكأنها عمياء ومجنونة ؟

_ قال ، إنها تدعى " الحظ " ، ليست عمياء ومجنونة فقط بل هي صماء أيضا .

_ فما هو عملها إذاً ؟

_ أجاب ، إنها تدور دورانا عشوائيا في كل جهة ، تسلب البعض ما عندهم لتعطيه

للأخريين وبعد قليل تأخذ من هؤلاء ما وهبتهم إياه لتقدمه لغيرهم ، دون أي تمييز وأي

ثبات لعطاياها ، لذا فشكلها يعبر بوضوح عن طبيعتها المتقلبة .

_ فسألته أي شكل تقصد ؟

_ الكرة الرخامية التي تقوم عليها .

_ وماذا تعني هذه بالضبط ؟

_ هذه تعني أن عطاياها ليست دائمة ولا مضمونة ، والإتكال عليها يعرّض لصدمات

قوية ومخيفة .

 

 

8

 

_ لكن هذا الجمع الغفير الملتف حولها ما شأنه ؟ ماذا يريد ؟ وكيف يدعى ؟

_ هؤلاء هم الطائشون ، كل منهم يتمنى ما ترميه هذه المرأة مصادفة .

_ كيف تعلل أحوالهم المتفاوتة هذه ؟ فبعضهم يبدو فرحا ، والبعض الآخر مرتابا ، رافعا

أياديه تضرعا .

_ أجاب ، فالذين يبدون فرحين باسمين ، هم الذين نالوا بعض النعم من هذه المرأة ،

فيسمونها الحظ السعيد ، أما الذين يبدون ضارعين ، رافعين الأيادي ، فهم الذين سلبتهم ما أعطتهم إياه آنفا، وهؤلاء يسمونها عكسا الحظ التعيس .

_ ما هي تلك الأشياء التي تهبهم إياها حتى يغدو البعض مغتبطا بنيلها ، والبعض الأخر

كذا حزينا لفقدانها ؟

_ أجاب ، إنما هي الأشياء التي يعتبرها عامة الناس خيرات .

_ وما هي إذاً هذه الخيرات ؟

_ المال والبنون دون أي شك،ثم الجاه والنسب والسلطة والسيطرة السياسية

وجميع الميزات المماثلة .

_ أليست هذه الهبات خيرات صحيحة ؟

_ أجاب ، إ ن هذا السؤال سيكون مجال بحثنا فيما بعد ، أما الآن دعنا نبقى مع شرح هذه اللوحة .

_ فليكن كذلك .

9

 

_ ألا تشاهد بعد اجتياز هذا الباب سورا ثانيا أعلى من الأول ، ومن خلفه رهطاً من

النساء أشبه بالعاهرات في تزينهن.

_ أجل تماما .

_ هاك أسماءهن ، هذه الإفراط ،وتلك الشبق ،والأخرى الطمع ،والرابعة التملق.

_ ولماذا يقفن هنا ؟

_ إنهن يترقبن الذين نالوا بعض الهبات من الحظ .

_ وماذا يفعلن بعدئذ ؟

_ يثبن عليهم ويأخذنهم بالعناق ، ويتملقنهم ويحرضنهم لمقاسمتهن العيش ويعدنهم بحياة

رغد لا تعرف المشقة ولا تشوبها كراهية . وإذا بلغن إغراء أحدهم بوعودهن واستسلم

هذا لشهواتهن فتظهر له هذه الحياة في بادئ الأمر لذيذة ومسكرة ، لكن نشوتها لا

تلبث أن تتبدد قريبا ، ويدرك عندها أنه لم ينل سوى مسرات باطلة ، وأنه لم يكن

سوى ضحية وأداة للسخرية . وبعد استهلاك كل ما ناله من الحظ يصبح مرغما

ليكون عبدا مطيعا لهؤلاء العاهرات ، ويتحمل منهن كل إساءة دنيئة ، ويرتكب كل

فاحشة لنيل رضائهن ،كأن يسرق مثلا ، وينهب المعابد، ويرتكب الجرائم، ويخون ،

ويقسم بالزور وبكلمة موجزة ، لن يتراجع عن أي إثم مهما عظم . وأخيرا ، عندما يفقد هذا التعيس كل شيء ، يقع فريسة للعذاب .

 

10

 

 

_ وما هو هذا العذاب ؟

_ أجاب ، ألا ترى خلف هذه النسوة ، بابا صغيرا وزنزانة ضيقة مظلمة ؟

_ أجل .

_ وهل ترى فيها نساء قبيحات ، قذرات يرتدين أسمالاً بالية ؟

_ نعم .

_ قال ، التي تحمل سوطا تسمى العذاب والتي رأسها منكب فوق ركبتيها هي الحزن

وهذه الأخيرة التي تشد شعرها هي الألم .

_ ومن هو هذا الرجل القبيح ، الهزيل ، العاري ، الواقف إزاءهن مع امرأة قبيحة ضامرة

مثله ؟

_ هذا الرجل يدعى النحيب وبجانبه أخته اليأس ، فإلى هذه يُدفع به ليقضي معها

حياته بالهم والغم ، بعد ذلك يُقذف به في زنزانة أخرى ، في دار التعاسة ، فيها يقضي بقية أيامه الحزينة مثقلا بأنواع الشقاء ، إلا إذا انتابه الندم عن طريق الصدفة السعيدة .

 

 

 

 

11

 

 

_ وماذا يحدث إذا أتت الندامة لنجدته ؟

_ إنها تنتشله من بؤسه ، وتزوده برأي آخر وإرادة طيبة يرافقانه ويرشدانه إلى المعرفة

الصحيحة ، ولكن مما تمنحه إياه بنفس الوقت ، ما قد يقوده الى تلك التي يسمونها

المعرفة الباطلة .

_ وماذا يحدث بعد ذاك ؟

_ أجاب ، إذا اتفق وتقبل الرأي الذي يستطيع قيادته إلى المعرفة الصحيحة ، هكذا يتطهر

بفعلها ويبلغ الشفاء من أوهامه ومن ضلاله ، ويقضي ما تبقى من حياته في طمأنينة

وسعادة ، فإن لم يحدث له ذلك فالمعرفة الباطلة تعيده إلى ضلاله ثانية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12

 

 

_ صحت ، وهرقل ! يا له من خطر جديد مروع ، لكن ما عسى أن تكون هذه المعرفة

الباطلة ؟

_ أعاد الشيخ ، ألا ترى هناك سورا ثانيا ؟

_ أجبت ، أني أراه بكل وضوح .

_ قال ، أليست هناك خارج السور وقرب المدخل ، امرأة واقفة تبدو في مظهرها محتشمة

وجميلة جدا ؟

_ حقا .

_ أجاب ، أن عامة الناس والغير العقلاء يسمونها المعرفة ولكنها ليست هي هذه ، إنما

هي المعرفة الباطلة ،مع ذلك فالذين نجوا، إذا رغبوا في الحصول على المعرفة الصحيحة ،

يحطون رحالهم في أول الأمر بالقرب منها بعض الوقت .

_ إذاً ، ليس هناك طريق آخر يؤدي إلى المعرفة الصحيحة ؟

_ قال ، بلى ، هناك واحد .

 

 

 

 

13

 

لكن من هم أولئك الناس الذين يسعون ذهابا وإيابا داخل السور ؟

_ قال ، هم عشاق المعرفة الباطلة المخدوعون ، لأنهم يعتقدون بأنفسهم ، أنهم أصحاب

المعرفة الصحيحة .

_ ومن يكونون ؟

_ هم الشعراء ، والخطباء ، وأهل الجدل (1) ، والموسيقيون ، وأهل الحساب ، وأهل

1.      المساحة وأهل الفلك والنقاد وأهل اللذة (2) والفلاسفة المشّاؤون (3)وسائر

الناس المشابهون لهم .

_____________________________

(1)أصحاب مبدأ الجدل والسفسطة ، أو السفسطائيون من اليونانية تعني الحكماء معلمو الحكمة،في القرن الخامس قبل الميلاد ، جماعة اتخذت تعليم الجدل لقاء أجر تكسباً للمال ، كانوا يدرسون الثقافة العامة ، الجدل ، الخطابة ، والبلاغة ، حاربهم سقراط وأدخلهم أفلاطون في بعض محاوراته مثل محاورة جورجياس وبروتاغوراس . من أعلامهم بروتاغوراس وجورجياس الذين قالوا بنسبية الأشياء ، فالشيء الواحد نسبي يمكنه أن يكون خيراً وفي حالة أخرى شراً .

(2)أصحاب مبدأ اللذة ، Hedone اللذة في اليونانية ، مذهب فلسفي من مؤسسيه أريسطيبوس Aristippos و أبيقور Epikur ، يرى أصحابه أن اللذة هي الغاية التي تحدد سلوك الإنسان وتصرفه في الحياة، وأن واجب كل عاقل ينحصر في السعي للحصول على اللذة من غير أن تستحكم اللذة فيه وتستبد به. وأن القوة التي تمكن الإنسان من التحرر من أواصر اللذة الجامحة وتجعله سيدا لها لا عبدا إنما تُنال عن طريق المعرفة.

3.      ) 3) هم أتباع أرسطو ، وسموا بالمشائين لأنهم كانوا يعلمون وهم يمشون ، ودار التعليم المنسوبة للفلاسفة المشائين في اليونانية Peripatos .المدرسة الارسطوطالية .أرسطو فيلسوف يوناني ولد في أسطاغيرا ( 384- 322) ، كان تلميذاً لأفلاطون ،واصبح مؤدباً وأستاذاً لإسكندر المقدوني ( ذو القرنين ). لقّب بالمعلم الأول .

 

 

 

 ارسطو 384 - 322 ق.م.

من المرمر - متحف الفن التاريخي - فيينا

  

يرى البعض أن ذكر المشائين في هذا المجال هو البرهان القاطع بأن سبياس تلميذ سقراط لا يمكن أن يكون مؤلف هذا الكتيب لأنه من المحال عليه أن يكون قد عرف المشّائين أتباع أرسطو وكذلك الأمر بالنسبة للهيدونيين أتباع أريسطيبوس ، فهذه الأدلة تبعث الشك في صحة انتماء الكتاب لسبياس السقراطي ، ولكن الأخذ بأن هاتين الكلمتين أدخلتا على النص في زمان لاحق يبدد هذا الشك .

 سقراط 470 - 399 ق.م.

تمثال نصفي من المرمر

متحف الآثار في نابولي - إيطاليا

 

14

 

_ ومن هن هؤلاء النساء اللواتي يركضن هنا وهناك ، ما أشبههن باللواتي حدثتنا عنهن

آنفا ، وصنفت الإفراط في عدادهن ؟

_ أجاب ، إن أولئك نفس هؤلاء .

_ هل يجتزن هذا السور الثاني أيضا ؟

_ أجل ، أجاب الشيخ لكن بطريقة تختلف عن السور الأول .

_ سألته ، وهل الآراء معهن أيضا ؟

_ قال ، دون أي شك ، هؤلاء الرجال الذين تراهم لا زالوا تحت تأثير الشراب الذي

سقتهم إياه الغواية ، لا زال الجهل وأحيانا الحمق أيضا متسلطان عليهم ولا يستطيعون التحرر منهما ولا من ضلالهما ولا من كل بقية عيوبهم ، إلا إذا تخلوا عن المعرفة الباطلة وسلكوا سبيل المعرفة الصحيحة ، حيث يشربون الترياق المضاد، عندها يتحررون من الجهل ومن الآراء الباطلة ومن الرذائل الأخرى التي أفسدتهم . لكن ما داموا

مقيمين هنا بالقرب من المعرفة الباطلة فلا أمل لهم بالنجاة ولن يتمتعوا أبداً بحرية كاملة ،

ولن يستطيعوا تجنب أية رذيلة من جراء التعاليم الفاسدة التي تلقوها .

 

 

 

رواق المشّائين - بني 159 - 132 ق.م.

أعيد بناءه 1952 - 1956 أثينا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

15

 

 

_ سألته ، إذن أي طريق هذا الذي يؤدي إلى المعرفة الصحيحة ؟

_ أجاب ، هل ترى ذلك المكان العالي المهجور ، الذي يبدو مقفرا ؟

_ إني أراه .

_ وهل ترى أيضا باباً صغيراً ، أمامه درب غير مألوف ، قليلون الذين يسلكونه لأنه يبدو شاقاً ، وعراً وصخرياً .

_ قلت ، إني أراه بكل وضوح .

_ هناك هضبة شامخة صعبة الإرتقاء ، دروبها ضيقة ومحاطة بمهاوٍ سحيقة ؟

_ إني أراها .

_ قال ، هذا هو الطريق الذي يؤدي الى المعرفة الصحيحة .

_ هذا الطريق يبدو شاقاً جدا .

_ وعلى قمة الهضبة ، ألا ترى معي صخرة كبيرة عالية ذات انحدار شديد من جميع

أطرافها ؟

_ قلت له ، إني أراها .

 

 

 

 

16

 

 

_ ألا ترى معي أيضا ، امرأتين تشعان قوة ووقاراً ، منتصبتين على الصخرة ؟ يقال انهما

تمدان أيديهما تعبيراً عن الفرح .

_ أجل إني أراهما ، لكن كيف تدعيان ؟

_ الأولى تدعى ضبط النفس والثانية المثابرة ، انهما شقيقتان .

_ لماذا هذا الترحيب الذي تعبران عنه بأياديهما الممدودة ؟

_ أنهما ترشدان القادمين إلى هنا،على تسلق الصخرة بمثابرة وبلا خوف ، وتشفعان ذلك

بالقول: هلموا فلن يطول عذابكم ، سوف نرشدكم إلى الطريق الصحيح .

_ عندما يصلون إلى قدم هذه الصخرة فكيف يرتقونها ؟ فإني لا أرى أي درب يؤدي إلى

هاتين المرأتين .

_ عندئذ تنزلان من القمة التي تقيمان عليها وتجلبانهم إليهما ، ثم تتركانهم بعض الوقت

ليستريحوا ، وبعد قليل تعطيانهم قوة وثقة ووعداً لأخذهم إلى المعرفة الصحيحة . وكذلك تطلعانهم إلى الطريق ، كم هو جميل ، ممهد ، سهل المرور وخالي من الأخطار ! مثلما تراه .

_ هذا صحيح وحق زويس .

 

 

 

 

17

 

 

 

 

_ ثم أردف قائلا ، هل ترى هذه الأجمة وأمامها ذلك المرج المنبسط بمنظره الخلاب ؟

تزينه الأعشاب والأزهار، انه مرج سابح في النور .

_ أراه بكل وضوح .

_ هل ترى في وسط هذا المرج سوراً ثالثاً وباباً ثالثاً ؟

_ نعم ، لكن ماذا يسمى هذا المكان ؟

_ هذا مثوى السعداء ، أجاب الشيخ ، وهنا مقام كل الفضائل و السعادة.

_ يالها من إقامة رغد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رسم لسقراط مع تلاميذه للفنان بينيلي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

18

 

_ ثم أردف قائلاً ، ألا ترى قرب الباب امرأة واقفة ، في كمال سنها، تشع جمالاً ساطعاً

ونبلاً ، لباسها بسيط لا تبرج فيه ولا زينة، ليست منتصبة فوق كرة مرمرية بل على حجرة مربعة الشكل ثابتة ، وبجانبها امرأتان شابتان هما دون أي شك ابنتاها .

_ نعم الظاهر كذلك .

_ المرأة التي في الوسط هي المعرفة الصحيحة وهذه الحقيقة والتي بالجانب الأخر هي

الإقناع .

_ قلت، لكن لما هي واقفة على حجرة مربعة الشكل ؟

_ أجاب،هذا رمز للدلالة بأن الطريق الذي يسلكه القادمون إليها محقق راسخ وآمن، لا يُخشى الإنحراف عنه، وان العطايا التي تهبها لا تخيب ظن مكتسبيها وانها دائمة .

_ وما هي هذه العطايا ؟

_ أجاب الشيخ ، انها الثقة والشجاعة .

_ وما حصيلة هذه العطايا ؟

_ ضمان عدم التأذي أبدا عند مواجهة المحن الوخيمة التي تقع في مَر الحياة .

 

 

 

 

 

 

مدرسة أرسطو - لوحة جدارية لكوستاف ادولف شبنجنبرج

جامعة هالة - ألمانيا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

19

 

 

_ فقلت له ، وهرقل ، يا لها من هدايا مشوّقة ، ولكن لماذا هي واقفة خارج السور ؟

_ لتكون مستعدة للعناية بالقادمين إليها ولشفائهم بعقاراتها المطهرة ، ثم بعد تقويتهم

تقودهم الى الفضائل .

_ سألت كيف يتم ذلك ؟ إني لم أفهم ما تقصده ؟

_ أجاب سوف تفهم ذلك ، ماذا يفعل الإنسان إذا أصيب بمرض ما ؟فهو بلا شك يسعى إلى طبيب ، فالطبيب يبدأ بتطهير جسمه من العوامل المسببة للمرض حتى يشفيه ويعيد إليه صحته، وإذا حدث ولم يعمل المريض بنصائح الطبيب ، فإنه سيقاسي كثيرا من جرّاء امتناعه هذا ، ويقع فريسة لمرضه .

_ قلت ، هذا مفهوم .

_ ثم تابع قائلاً ، وهكذا تفعل أيضا المعرفة الصحيحة ، فعندما يصل المرء إليها تأخذه بعنايتها،وتسقيه من أدويتها، لتعتقه من سابق عاداته وتخلصه من سائر العيوب التي أحضرها معه .

_ وما هي هذه العيوب ؟

_ الجهل والضلال اللذين شربهما من كأس الغواية،ثم هناك التكبر والشهوة والإفراط و الغضب و البخل ، وكل العيوب الأخرى التي تلبّسها داخل السور الأول .

 

 

 

20

 

 

_ وإذا تم تطهيره إلى أين ترسله ؟

_ تدخله مقام المعرفة و الفضائل الأخرى .

_ وما هي هذه الفضائل ؟

_ ألا ترى من خلال الباب جمعاً من النساء ؟ تأمّل جمالهن الأخاذ، واحتشامهن ولباسهن

المتواضع البسيط ، ليس للتبهرج والمبالغة أي أثر في مظهرهن، كما هو الحال لدى سائر

النساء .

_ نعم إني أراهن ، لكن كيف يسمّين ؟

_ قال ، أما الأولى فتدعى المعرفة ، والباقيات أخواتها هن الشجاعة ، والعدالة ،

و الصدق ، و الاعتدال ، والتواضع ، والحرية ، وضبط النفس ،

والوداعة .

_ أيها الشيخ العزيز ، لقد كشفت لنا أمالا جميلة !

_ هذا صحيح ، فيما لو فهمتم جيدا وعملتم بمقتضى ما تسمعون .

_ قلت ، هذا ما سنبذل جهدنا لتحقيقه .

_ أجاب ، فسلامتكم إذن محققة .

 

21

 

_ سألته ، وإذا صار أحد في عُهدتهن فإلى أين يقتدنه ؟

_ أجاب ، الى أمهن .

_ ومن هي أمهن ؟

_ إنها السعادة .

_ أية سعادة هذه ؟

_ هل ترى هذا الطريق الذي يؤدي إلى قمة تلك الهضبة ، في أوجها قلعة لكل هذه

الأسوار ؟

_ نعم .

_ تحت رواق هذه القلعة ، ألا ترى امرأة رائعة الجمال تشع جلالاً ، جالسة على عرش

مرتفع ، زينتها بسيطة خالية من الأبهة ، مكللة بزهور تزيدها جمالاً ؟

_ إنها ظاهرة لي .

_ قال ، هذه المرأة هي السعادة .

 

 

 

 

 

 

 

أفلاطون 427 - 347 ق.م.

تمثال نصفي من المرمر

متحف اللوفر - باريس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

22

 

_ إذا تسنّى لأحدهم بلوغ هذا المكان ، ماذا تفعل بعدئذ ؟

_ أن السعادة وكل الفضائل الأخرى يمنحونه إكليلاً ، هي مكافأة محفوظة للذين أحرزوا

النصر في أكبر المعارك .

_ قلت ، وفي أية معارك حاز النصر ؟

_ أجاب ، في أقسى المعارك ، ضد أفظع الشريرين ، ضد هؤلاء الأشرار الذين كانوا

يضنونه في بادئ الأمر ، ويعذبونه ويجعلون منه عبداً لهم ، ولكنه قهرهم جميعاً وطوح

بهم بعيداً عنه ،وعاد سيد نفسه،كما أرغمهم ليكونوا عبيداً له كما كان هو في السابق

عبداً لهم .

 ابيقور 342 - 271 ق.م.

تمثال نصفي

متحف اللوفر - باريس

23

 

_ عن أي أشرار تتحدث ؟ إني لفي شوق لمعرفتهم .

_ أجاب، أولا عن الجهل وعن الضلال ، ألا ترى معي بأن هذين هما من الشرور ؟

_ رددت ، أنها شرور ، بل شرور ضارة أيضا .

_ وكذلك الحزن والألم والبخل والإفراط وكل بقية الرذائل ، الآن هو الذي يتحكم بها كلها ،كما كانت تتحكم به سابقا .

_ فصحت ، آه يالها من أعمال عظيمة ، وياله من نصر مجيد . ولكن قل لي ، ما مزايا

هذا الإكليل الذي سيتوّج به كما تقول ؟ .

_ أيها الشاب ! هذا الإكليل هو ضمان السعادة ، فالذي يناله يقضي حياته في السعادة

والهناء ، ولا يضع آمال سعادته في الآخرين بل في ذات نفسه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

24

 

 

_ يا له من نصر عظيم ! لكن بعد تتويجه بالإكليل ، ماذا يفعل ؟ والى أين يذهب ؟

_ تأخذه الفضائل وتذهب به إلى المكان الذي كان فيه سابقا ، وتريه الذين يقيمون

فيه ، يجترون حياة حزينة ، تعيسة ، معرضين للغرق والهلاك في كل لحظة ، تائهين هنا

وهناك على غير هدى ،كالأسرى المغلوبين،يقودهم أعداءهم، فبعضهم تقوده الإفراط،

والبعض الأخر التكبر ، والبعض البخل أو الغرور ، وغيرها من أنواع الرذائل التي لا

يستطيعون التخلص منها، فهم مكبلون بقيود لا يمكنهم التحرر منها والوصول إلى

هنا . هكذا يقضون حياتهم كلها في قلق دائم لأنه ليس في مقدورهم إيجاد السبيل الذي

يؤدي إلى المعرفة الصحيحة ،كما أنهم قد نسوا النصائح التي أسداها إليهم العقل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

25

 

 

 

_ أجبته ، إن أقوالك تبدو لي معقولة جدا ، ولكنني ما زلت في حيرة ، لذلك أريد أن

أعرف لماذا تريه الفضائل المكان الذي كان فيه سابقا ؟

_ لأنه لم يدرك إدراكا واضحا ما كان يحدث هناك على حقيقته ، فكان يعيش في شك

وارتياب بسبب تأثير الجهل والضلال اللذين شربهما من كأس الغواية ، وكان يخلط

الخير بالشر فاقدا قدرة التمييز السديد ، لذلك كانت حياته تعيسة كحياة الذين ما

زالوا مقيمين في ذلك المكان. أما الآن فقد أصبح كامل المعرفة مدركا مصالحه الحقيقية،

وحياته غدت فاضلة ، وبتأمله للآخرين يستطيع أن يقدر مبلغ ألآمهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

26

 

 

 

_ ماذا سيفعل بعد أن تسنّى له تأمل كل شيء ، والى أين ينتهي به المطاف ؟

_ أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء ، ويذهب حيث يرغب ، فهو بمأمن في كل مكان ، كما

في مغارة كوريكوس (1) ، وحيثما حلّ فسيغدو سعيدا جدا ويقضي حياته بأمان تام ،

وحيثما ذهب سوف يستقبل بنفس الحفاوة التي يستقبل المرضى بها الطبيب .

_ أليس عليه أن يحذر بعد الآن ، هؤلاء النساء اللواتي دعوتهن قبل برهة بالأشرار ؟ ألا

يخشى شرهن ؟

_ أجاب ، كلا وحق زويس ، لا الألم ولا الحزن ولا الإفراط ولا البخل ولا البؤس

ولا أي شر آخر بقادر على إزعاجه بعد الآن. لقد أصبح عالما وغدا فوق أذيّات

كل الذين كانوا يستطيعون أن ينالوه بمكروه فيما سبق . مثله مثل صيادي الأفاعي

انهم لا يهابون عضة الأفاعي التي هي قتالة للجميع ، فلا تستطيع بهؤلاء أي ضرر ،

لأنهم يملكون ترياقا ، وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان الذي أحدثك عنه ، ليس له أن

يخشى شيئا ، لأنه يحمل في ذاته مناعة ضد كل الشرور .

 

_______________________________________

1.      كوريكوس : في الأساطير اليونانية مغارة واسعة منيرة غنية بالماء مكرسة ل Pan إله الرعاة وباخوس إله الخمر وإلهة المياه وملجأ لسكان المنطقة في حالات الحرب .

 

 

27

 

 

_ إن شروحك تبدو لي صائبة ، لكن قل لي أيضا ، من هم هؤلاء الناس المنحدرون من

أعلى الهضبة ، بعضهم متوج بأكاليل من الزهر تبدو عليه علائم السرور ، وبعضهم

الآخر دون أكاليل أضناهم الحزن وقهرهم اليأس وأثار التعب بادية على رؤوسهم وفي

أرجلهم ، وهناك بعض النسوة اللواتي تساندهم (1)

_ أن ذوي الأكاليل هم الذين أدركوا المعرفة الصحيحة وسلموا،وهذا ما يسبب فرحهم ،

أما الذين لا أكاليل لهم،فهم الذين ردتهم المعرفة الصحيحة ولذلك أدبروا يلسعهم الألم،

تعساء ، لأنهم فقدوا الشجاعة ولم يتمسكوا بالمثابرة ، لذا تراهم يعودون أدراجهم

ضالين هنا وهناك دون اهتداء إلى الطريق الذي يجب أن يسلكوه .

_ لكن من هن أولئك النسوة اللواتي تصحبهم كالحارسات ؟

_ إنهن الأحزان ، والآلام ، واليأس ، والعار ، والجهل .

 

 

____________________________________________

(1) اخترنا كلمة تساندهم كما في النص الألماني ، أما النص الفرنسي فقد جاء بكلمة تعذبهم . المترجم

 

 

 

 

28

 

 

 

 

_ وصفك هذا يعني أن الشرور كلها في صحبتهم .

_ أجل ،وحق زويس كلها تصحبهم، لكن عندما يعود هؤلاء أدراجهم إلى السور الأول

لدى الشهوة والإفراط فانهم ، عجباً لا يلومون أنفسهم لتعاستهم بل يشتمون المعرفة

الصحيحة وكل الذين ينشدونها وينظرون إليهم كأنهم بائسين تعساء ، حرموا أنفسهم

خبرات جسيمة وامتنعوا عن الحياة اللذيذة التي هم يمتعون أنفسهم بها .

_ وما هي هذه الخيرات التي يقصدونها ؟

_ أنهم يقصدون الشبق والإفراط ، إذ هي أفضل ملذاتهم ، وبكلمة موجزة أن يعيشوا في

هذه الدنيا من الأكل والشرب والملذات الحسية كالبهائم، إذ يرون فيها أفضل الخيرات.

 

 

 

 

 

 

 

29

 

 

 

_ وهؤلاء النساء القادمات من هناك ويشعّن بشاشة وحبورا ،كيف يسمين ؟

_ إنها الآراء ، بعد أن قادت الذين يقيمون الآن مع الفضائل ، إلى المعرفة الصحيحة ،

تعود لتأخذ غيرهم وتخبرهم بأن الذين قادتهم سابقا ، هم في أتم السعادة .

_ سألت ، وهل تدخل الآراء أيضا مقام الفضائل ؟

_ فأجاب نافيا ، غير مسموح للرأي بتاتا أن يدخل إلى المعرفة ، فالآراء تضع الذين

تقودهم بين يدي المعرفة الصحيحة فقط ، وعندما ‎تستلمهم هذه الأخيرة ، تعود

أدراجها لتأتي بغيرهم ثانية ، فهي كالسفن التي بعد فراغ حمولتها تعود لتشحن غيرها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

30

 

 

 

_ قلت له ، إن شروحك كاملة ، ولكنك لم تحدثنا بعد عما يوصي به العقل

الذين يدخلون الحياة .

_ يوصيهم أن يتذرعوا بالشجاعة ، وهكذا أنتم أيضا تشجعوا لأنني سأشرح لكم

كثيرا دون إهمال أي شيء .

_ قلت له ، هذا كلام بديع .

_ فمدّ يده نحو اللوحة وقال : هل ترون هذه المرأة العمياء المنتصبة على كرة من

المرمر ؟ لقد سميتها لكم سابقا الحظ ، أتذكرون ؟

_ إننا نراها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

31

 

 

 

_ إن العقل يأمرنا بعدم الركون إليها، وأن لا نعتقد أبداً بأن عطاياها ثابتة ودائمة،وأن لا

نعتبر هذه العطايا ملكاً خاصا لنا،لأنه ما من شيء يمنعها أن تسلبنا ما وهبتنا إياه لتعطيه لغيرنا،وهذا ما تفعله غالبا،لذا ينبهنا العقل دائما،بأن لا نغتر بهداياها،وأن لا يغمرنا الفرح

عندما تهبنا شيئا ، وأن لا نحزن عندما تسترده ثانية ، وأن لا نوجه إليها أي عتاب ولا أي ثناء لأنها لا تعمل بالعقل بل جميع أعمالها مبنية على الصدفة وعلى نزواتها ،كما ذكرت لكم قبل قليل . ومن نصائح العقل أيضا أن لا نستغرب أعمالها وأن لا نتصرف كالمحاسبين ذوي النية السيئة الذين يستلمون ببشاشة الدراهم ليستودعوها عندهم ،

فيعتبرونها ملكهم ، ولكنهم يسخطون ويغتمون متى يُطالبون بها، ناسيين أن ما استلموه

ليس إلا وديعة ، وأن المودع ذو حق باسترداد ماله متى شاء . بهذا ينصح العقل مواجهة

عطايا إلهة الحظ ، كما ينصحنا أن نتذكر ، أن من طبيعتها استلاب ما وهبت لتضيف

عليه في الحال وتعطيه للغير، وقد لا تسلب هباتها فقط بل تتعداها إلى غيرها من الأملاك

والأموال القديمة أيضا.إذاً فهو ينصحنا بقبول ما تهديه لنا ولكن أن نحرص بجانب ذلك

على اكتساب العطايا الثابتة والدائمة التي لا يمكن استلابها .

 

 

 

 

 

32

 

 

_ سألته ، وما هي هذه العطايا ؟

_ هي العطايا التي ننالها من المعرفة الصحيحة إن استطعنا اللجوء إليها .

_ وما هي إذأّ هذه المعرفة الصحيحة ؟

_ هي المعرفة التي تمنحنا الإدراك الصحيح لمنافعنا ، وعطاياها لا خطر فيها ، دائمة، ولا

تسبب لنا ندما،والعقل يأمرنا باللجوء إليها دون أي إبطاء ،وبالابتعاد بأسرع ما يمكن

عن تلك النساء اللواتي حدثتكم عنهن ، الإفراط والشهوة ، وإن حدث من سوء الحظ واقتربنا منهن ، فعلينا أن لا نركن أبدا إلى وعودهن الخلابة ، حتى نبلغ على الأقل مقام المعرفة الباطلة حيث يأمرنا العقل بالتلبّث بعض الوقت للحصول على ما نرغب منها قدر الحاجة فلا ينبغي إطالة التوقف هاهنا ، إنما كعابر السبيل أوكمن يقصد التزود لحاجة الطريق ،لكي لا نتلكأ في اللجوء إلى المعرفة الصحيحة .هذه هي وصايا العقل ، فمن لا يبالي بها ولا يفهمها يصبح تعيسا وتسوء عاقبته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

33

 

 

_ هو ذا أيها الغرباء تفسير الرمز الذي تمثله هذه اللوحة . إن رغبتم بمزيد من التفاصيل

فأنا على استعداد لأقدم لكم كل ما في وسعي .

_ قلت له ، هذا واضح جدا ، لكن ماذا يتوقع العقل أن ننال من المعرفة الباطلة .

_ أشياء تبدو نافعة .

_ وما هي هذه الأشياء ؟

_ علوم اللغات وعلوم أخرى هي في اعتبار أفلاطون (1) صالحة لردع الشباب عن

ألإنهلاك على الملاهي الباطلة .

_ وهل اكتساب هذه العلوم شيء ضروري للوصول إلى المعرفة الصحيحة ؟

_ لا أبدا ، إنها تسهل الوصول فقط ، ولكنها غير ناجحة في إسداء الصلاح .

_ كيف ذلك ، أتزعم أن هذه العلوم غير مجدية لصلاح الناس ؟

_ أجل ، بإمكان الناس أن يصبحوا فاضلين دون هذه العلوم ، ولكنها تعينهم بعض

الشيء . هاك تشبيهاً ، إننا نستطيع دائما أن نتحادث بلغة أجنبية بواسطة مترجم ،لكن إتقان تلك اللغة أنفع لنا في هذه الحال لتمكننا من فهم معنى الجمل بصورة أفضل. كذلك دون معونة هذه العلوم ، ما من شيء يمنعنا أن نصبح فضلاء على الوجه الأكمل ..(2)…

__ ___________________________________________

1( أفلاطون : فيلسوف يوناني ولد عام 427ق.م.من اسرة أرستقراطية أثينية،إهتم أول شبابه بالفنون والشعر

تحول إلى الفلسفة في العشرين من عمره وأصبح تلميذاً لسقراط ، أسس مدرسته التي عرفت باسم الأكاديمية

تخرج منها فلاسفة كثيرون منهم أرسطو الملقب بالمعلم الاول . دوّن أفلاطون أفكار وفلسفة أستاذه سقراط

الذي لم يكتب شيئاً بشكل محاورات منها الجمهورية موضوعها العدالة وتنظيم الدولة المثالية ، ومحاورة فيدون

عن خلود النفس وموت سقراط ، والمأدبة التي تتحدث عن الحب والجمال ، بلغ أفلاطون من العمر ثمانين

عاماً ، مات عام 347 ق.م.

(2) يبدو أن النص هنا متلف بعض الشيء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

34

_ أولئك الناس الذين درسوا العلوم ، هل كانت ظروفهم أفضل من ظروف الآخرين

ليصبحوا أصحاب فضيلة ؟

_ كيف يمكن أن تواتيهم ظروف أفضل من الآخرين، إذ أنهم مثلهم يحملون أفكارا خاطئة

عن الخير والشر ، ومثلهم مقيدون بكل أنواع الرذائل ؟ إذ ما من شيء بمنع من التعمق

في العلوم واستحواذ كل المعارف مع الجنوح إلى الإفراط وإدمان الخمر وكذلك كأن

يكون الإنسان بخيلاً ، ظالماً ، خائناً وفي آخر الأمر عابثاً .

_ هذا صحيح ، والناس من هذه القبيل كثيرون .

_ إذاً كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يكونوا أصلح من الآخرين ؟ هل بسبب تلك العلوم

التي اكتسبوها ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  مدرسة أثينا لرفائيل - المتحف الفاتيكاني في روما

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

35

 

_ لقد برهنت لنا بأنه غير ممكن ، ولكن لماذا يقيمون داخل السور الثاني كأنهم يتقربون

من المعرفة الصحيحة ؟

_ أجاب الشيخ ، وماذا ينفعهم هذا التقرب ؟ كثيرا ما نشاهد أناسا يخرجون من السور

الأول حيث كانوا مع الإفراط والرذائل الأخرى ، ثم يجتازون دفعة واحدة إلى السور

الثالث قاصدين المعرفة الصحيحة مخلفين وراءهم هؤلاء العلماء ومحرزين عليهم سبقا

كبيرا . ما هي إذن ميزة هؤلاء العلماء على الآخرين ؟ فإنك حيثما لقيتهم تراهم أكثر

بلادة وأدنى طاعة .

_ فسألته ، كيف ذلك ؟

_ ……….(1) إن أهل السور الثاني مخطئون باعتقادهم معرفة ما يجهلون ، فهذا الزعم

الباطل يجعلهم أكثر بلادة ويمنعهم من الوثوب بنشاط إلى الطريق الذي يؤدي إلى المعرفة الصحيحة . ثم ألم تلاحظ أن الآراء تجتاز السور الأول متوجهة صوبهم ؟ وهكذا فهم ليسوا أكثر صلاحا من الآخرين إن لم يأت الندم لنجدتهم وإزالة ضلالهم وليعلِمُهم بأنهم لا يملكون شيْا من المعرفة الصحيحة ، بل إنهم مخدوعون بالمعرفة الباطلة فقط. وبالتالي فهم إن بقوا على حالتهم الراهنة فلن يجدوا النجاة ولن يسعدوا . ثم ناشدنا بقوله: أنتم أيضا أيها الغرباء ! أنصحكم أن تتفكروا بهذا الكلام وتأخذوه بعين الاعتبار إلى أن تدركوه تماماً ويرسخ في أذهانكم ،لذا اذكروه دائما دون إعياء ، وضعوه نصب أعينكم، واعتبروا كل ما تبقى عديم المنفعة ،وبدون هذا ،كل ما سمعتم لا ينفعكم ولا جدوى منه .

_____________________________________________

(1) يبدو أن النص هنا متلف بعض الشيء .

 

36

 

_ سنتبع نصائحك ، لكن أخبرنا ، لماذا لا تصنف ما تمنحه إلهة الحظ للناس كالحياة مثلا

والصحة والمجد والمال والبنون والنصر وكل الأشياء المماثلة في زمرة الخير وأضدادها في

في زمرة الشر ؟ أن أقوالك حول هذه النقطة تبدو لنا غريبة ومخالفة للرأي المعهود ولا

يمكن تصديقها .

_ قال حسنا ، حاول أن تجيب بدقة على الأسئلة التي سأوجهها إليك .

_ سأحاول .

_ هل تعتقد أن الحياة تكون خيرا لمن يعيش حياة رذيلة ؟

_ كلا ، إني أعتبرها في هذه الحالة شرا حقيقيا .

_ كيف يمكن للحياة أن تكون بحد ذاتها خيرا ، إذا كانت شرا لهذا الإنسان ؟

_ إني أعتقد أنه إذا كانت الحياة شرا للذين يسيئون تدبر حياتهم ، فهي خير للذين

يجيدون تدبيرها

_ إذاّ ، فأنت تؤكد بأن الحياة جملةً خير وشر ؟

_ أجل .

 

 

 

 

37

 

 

_ انتبه لكي لا تأتي بمزاعم غير معقولة ! لا يمكن للشيء الواحد أن يكون

خيرا وشرا ، لأنه سيكون نافعا وضارا ، محبوبا ومكروها في آن واحد .

_ هذا يتناقض ، ولكن كيف يسوغ لك أن تنفي بأن الحياة شر لمن ساء عيشه ؟ فإذا

كانت الحياة شراً لهذا الإنسان ، وبالتالي فهي بحد ذاتها شر .

_ أجاب الشيخ : لكن الحياة والحياة الشقية هما شيئان مختلفان جداً في حقيقة الأمر ،

ألا ترى ذلك ؟

_ في الحق انهما شيئان مختلفان .

_ إذن الحياة الشقية شر ، لكن الحياة ليست شرا ، فإن كانت الحياة شرا ، فتكون شرا

حتى للذين استقاموا في حياتهم .

_ أظنك تقول الحق .

 

 

 

 

 

 

 

 

38

 

 

_ بما أن ذوي الاستقامة والأشرار يشاركون بالتساوي في هذه الحياة ، يجب أن نستنتج

بأنها في حد ذاتها ليست خيرا ولا شرا ، ولكنها أشبه بالعمليات الجراحية : فالتشريط

والكي اللذان هما شافيان للمرضى ، فهما ضاران لمن هم في صحة جيدة ، وعلى هذا

ليس من الشر أن نحيا لكن أن نحيا أشقياء هو الشر .

_ هذا صحيح .

_ إن صحت هذه الحجة ،قل لي أيهما تفضل ؟ الحياة مع العار ؟ أم الموت بعزة وبطولة ؟

_ دون تردد ! الموت بعزة .

_ إذن فالموت ليس شرا ، لأنه غالبا ما يكون الموت أنفع من الحياة.

_ هذا أوافق عليه .

_ كذلك أمر الصحة والمرض ، هناك آونة يكون فيها فرط الصحة آفة على صاحبها .

_ هذا صحيح .

 

 

 

 

 

 

39

 

_ لنطبق هذه التأملات على الغنى ، ألا نشاهد دوما أناسا أغنياء يفيضون بالنعم ويعيشون

حياة كئيبة ومزرية ؟

_ وحق جوبيتر ، إننا لنرى الكثير منهم .

_ إذن ، فالغنى لا يساعدهم ليعيشوا حياة أسعد (1)

_ كلا بلا شك ، لأنهم بذاتهم منغمسين في الرذائل .

_ إذن فليس هو الغنى ، إنما المعرفة الصحيحة هي التي تكفل الفضيلة والسعادة .

_ هذا صحيح على ما أعتقد .

_ ومنه نصل إلى النتيجة ، أن الغنى ليس خيرا ، لأنه لا يمكن أن يكون وسيلة لجعل

أصحابه أفضل وأسعد .

_ هذه نتيجة مقنعة .

_ إذن ، فليس من صالح بعض الناس أن يكونوا أغنياء لأنهم لا يحسنون التصرف بغناهم.

_ هكذا يبدو لي .

_ وبالتالي ، كيف يمكنك أن تعتبر شيئا ما ،خيرا حقيقيا في حين انه مضر بصاحبه قي

أغلب الأحيان .

_ هذا مستحيل .

_ إذن ، فالذي يعرف (2) ويحسن التصرف بغناه مع الحفاظ على شرفه ، يعش سعيدا

والذي يجهل ذلك يصبح تعيسا .

_ هذه النتيجة تبدو لي عين الصواب .

____________________________________________

1) في الترجمة الألمانية ( فاضلة ) عند أفلاطون الفضيلة هي المعرفة ، والمعرفة هي ال

ترشدنا إلى السعادة . تي

2) هنا أيضا تظهر المعادلة الأفلاطونية بوضوح ،وهي أن المعرفة هي التي تقود إلى السعادة. المترجم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

40

 

 

_ إن سبب الالتباس والبلبلة في شعور الناس هو تباين آرائهم في هذه الأمور وأشباهها،

فبعضهم يعتبرونها خيرا ، لذا يسعون إليها ، وبعضهم يعتبرونها شرا فيحتقرونها .

فالذين يخالونها خيرا ، يتصورون أنفسهم سعداء جدا بامتلاكها وبالتالي يخضعون

لكل شيء في سبيل نيلها، ولا يتراجعون أمام أي عمل شنيع أو رذيل ، والذي

يضللهم هو جهلهم بالخير الحقيقي . انهم يجهلون بأن الشر لا يمكن أبدا أن يكون

أساساً للخير ، وعلى هذا ، فعدد الناس الذين يحصّلون ثروات طائلة من جرّاء

أعمال إجرامية ومخجلة ، كالخيانة واللصوصية والقتل والوشاية والسرقة والرذائل

الأخرى هو كثير .

_ هذا هو الواقع . (1)

 

 

____________________________________________

(1) أن المقطع التالي في الترجمة الفرنسية هو تكملة للمقطع 40 ومنه يكون هذا المقطع

بالنسبة للمقاطع السابقة طويلا نسبيا ، بينما فصلت الترجمة الألمانية هذا المقطع الى

مقطعين ورقمت المقطع التالي تحت رقم 41 . فضلنا الترقيم الألماني لتكون جميع

المقاطع متساوية الطول نسبيا . ( المترجم )

41

_ إذا كان حقا ، أن الشر لا يمكن أن يكون أساساً للخير _ وهذه حقيقة لا ريب فيها _

وان الغنى يمكن أن يكون ثمرة الأعمال الشريرة ، لذا يجب أن نستنتج بالضرورة بأن الغنى ليس خيرا بذاته .

_ برهانك هذا لا يرد .

_ لا يمكننا اكتساب الحكمة والعدالة (1) مع القيام بأعمال شريرة ،كما لا يمكن أن نغدو أشرارا وغير عادلين إذا لم نقم إلا بأعمال حميدة وفاضلة، لكن الذي يمكن أن نراه ، أن أشرارا يجمعون ثروات طائلة ، ويكتسبون شهرة واسعة ،ويحققون انتصارات ، وبكلمة

واحدة ينعمون بكل ملاذ الحياة ، وهذا لا يوجب مطلقاً الاستنتاج بجواز تصنيف كل

هذه الأشياء في زمرة الخير الحقيقي ، لأنها بحد ذاتها ليست صالحة ولا طالحة ، الخير

الحقيقي الوحيد هو التحلي بالحكمة ، والشر الحقيقي الوحيد هو فقدانه .

_ هذه كما يبدو لي نتيجة عادلة كافية .

____________________________________________

1)في الترجمة الألمانية - الصلاح - .

 

 

 

{هنا ينقطع النص اليوناني ويمكن اعتبار المحاورة بين سبياس والشيخ منتهية ، حيث تبدو كأنها بلغت النتيجة النهائية . غير أن هناك نسخة عربية للوحة سبياس نقلت إلى اللاتينية بترجمة سيئة بما في ذلك الفصلين الأخيرين الذين اشتملت عليهما أغلب الطبعات . والفصلان المذكوران لا يحتويان على غير الأفكار المعروضة سابقا ويعطيان الانطباع بأنهما من قبيل الحشو الزائد . ما عدا الجملة الأخيرة على الأقل ، التي تبدو طبيعية دون تصنع ، فمن المستحب معرفة الصيغة التي يودع بها الشيخ سامعيه .}

 

42

 

_ إذن فالاعتقاد بأن الأعمال السيئة يمكن أن تُنتج خيرات حقيقية هو رأي باطل .

 

43

 

_ بالتأكيد ، أجاب الشيخ وتابع قائلا : وكما قلنا سابقا فإن كل هذه الخيرات المزعومة

ليست في حد ذاتها خيرا ولا شرا . ومع ذلك فإن هي حصلت نتيجة أعمال سيئة فلا

يمكن أن تؤذن إلا بالشرّ . لكن جميعها يمكن أن تنشأ عن أعمال صالحة أو قبيحة على

السواء ، فالنعس أو الأرق مثلاً ، التنزه أو الاستراحة هما أمران في حدّ ذاتهما سيّان

تماماّ ، ويصح هذا الاعتبار لكل ما يقع لأي فرد من الناس دون فرق للعالم كما

للجاهل .فما ينال العالم منه فهو خير وما ينال الجاهل فهو شرّ . والعدالة لا تُرجى إلا

عند الأشخاص المتزنين في سلوكهم والمتحلين بالعقل ؛ والطغيان لا يقبله سوى ذوي

العقول القاصرة والمضطربة . فمن المستحيل أن تتواجد الأضداد في شيء واحد في

الوقت نفسه ، كما لا يمكن للإنسان أن يكون نائماً ومستيقظاً الوقت عينه ، وكذلك

لا يمكن أن يكون عالماً وجاهلاً معاً ، ولا غير ذلك من الصفات المضادة بعضها لبعض

كما ذكرت سابقاً .

_ أجل ، قلت له : هذه النقطة متفقين عليها وأعتقد أنها تبرز عن كل محاورتنا .

 

 

44

 

 

_ أجاب ، وإذاً فكل هذا يستند على مبدأ الهي حق .

_ ما هو هذا المبدأ الذي تُلمح إليه ؟

_ الحياة والموت ، الصحة والمرض ، الغنى والفقر وجميع الأعراض التي اعتبرتها بنفس

الوقت خيراً وشراً إنما هي مقدّرة على عامة البشر دون تمييز .

_ نعم لقد توصلنا إلى النتيجة ،بأن أموراً كهذه متساوية في الاعتبار فهي ليست على وجه

الدقة خيراَ ولا شراً ، لكني أجد صعوبة في التسليم بهذا المبدأ .

_ أجاب : لقد صعُب عليك التسليم به لأنك لم تُعود نفسك التعمق بهذه الأفكار

واستخلاص النتائج التي تلزم عن المبادئ . وهكذا أنصحكم أن لا تحولوا أنظاركم

طوال حياتكم عن الحقائق التي بيّنتها لكم ، بل عليكم أن تنقشوها في أذهانكم

وتتخذوها عادة مألوفة . وإن انتابكم الشك في شيء ما ، فبإمكانكم العودة إلى هنا

لإستشارتي وأنا كفيل بتبديد شكوككم .

 

 

 

انتهى