كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بأسيوط                                              خدمة بنات ثانوي يوم الجمعة

لغة الله

   " عقل المرء ومشاعره

سوف يلمسا النَفَس الإلهيdivine breath

 وسوف يدرك أن الكلمات التي يُطالعها

 ليست منطوقات الإنسان بل لغة الله "

(أوريجانوس , المبادئ)

البسطاء واللاهوتيون

      وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ:أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.

( يو 17:3)

فَابْتِغَاءُ الْحِكْمَةِ يُبَلِّغُ إِلَى الْمَلَكُوتِ.

(حكمة6: 21)

تجاهل الآب هو موت ومعرفته هي الحياة الأبدية ،

 من خلال المشاركة في قوة الوحيد عديم الفساد

 ... ولكن الثورة ضد معرفة الله تجلب الفساد .

 (اكليمنضس السكندري, المتفرقات)

...ومن يحب التعلم لابد أن يحبه الحق.

(ثيوفيلوس الأنطاكي، إلى اوتليكوس)

  • اللاهوتي, من هو؟

حين تسمع كلمة (اللاهوتي ) ما هو أول مشهد يستعرضه  ذهنك؟

لعل يا صديقي أول مشهد يستدعيه ذهنك هو مشهد لعالم جليل يرتدي نظارات دائرية صغيرة الحجم يقف في منتصف قاعة ضخمة في مناظرة أحد الهراطقة,  يفند بكل تمكن البدع والهرطقات, لديه حس عال جداً للأخطاء اللاهوتيه فيستطيع أن ينتقيها بكل تمكن من بين الجمل العادية , ينظّربإستمرار في القضايا اللاهوتية الشائكة, شخص يمتلك كل مقومات المحامي المدافع تارة والمهاجم تارة ليحفظ الحق حقاً قويماً حتي الدم

ولكن علي من نطلق كلمة اللاهوتي؟

اللاهوتي ببساطة هو الشخص المصلي, الشخص بكل ماتعنيه الشخصانية التي عرفناها من أقانيم الثالوث من إتجاه نحو آخر وهنا الآخر هو الله , هو الشخص الذي يعرف الله لا عن مجرد قراءات أو معارف نظرية لكن هو ذاك الذي يختبر روعة  شركة الثالوث, هو الشخص الذي يخوض خبرة التطهر ثم الإستنارة من ثم يعاين اللاهوتيات (الثيؤريا ) , الذي يأخذ الروح بيده شيئاً فشيئاً ليقربه من النور الغير مُدني منه فينير, هو الشخص الذي يستطيع أن ينظر مجد الله بوجه مكشوف , كما في مرآة , فيتغير إلي تلك الصورة عينها, من مجد إلي مجد, كما من الرب الروح .

وشدد القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس علي أهمية نقاوة القلب والسيرة التقية  كصفة أصيلة في اللاهوتي, فنجده يقول في هذا الصدد في عظته السابعة والعشرين[1]:

" ليس لكل إنسان من الناس ، ليس لكل إنسان أن يتفلسف عن معرفة الله ، ليس ذلك أمراً زهيد الثمن ، ولا هو من شان الزاحفين في التراب . كما أنه ليس واجباً في كل حين ، ولا أمام الجميع ولا في كل شيء . ليس ذلك من شأن كل الناس ، بل من شأن الذين تمَّرسوا على التأمل وارتقوا فيه ، وقبل ذلك ، من شأن الذين طهروا النفس والجسد أو الذين هم ، على الأقل ، في طريق ذلك التطهير ، لأنه من الخطر أن يمس غير الطاهر شيئاً طاهراً ، كما هي حال العيون الضعيفة أمام أشعة الشمس"

  • ماهي البساطة الروحية  إذن؟

سأتركك يا صديقي مع هذه الفقرة للمطران المفكر جورج خضر لتتبين منها مفهوم البساطة الروحية: [2]

 " تلك هي البساطة , إنها مزية غاية في الغنى وصعبة المنال؛ لأنها تفترض اجتماع فضائل مختلفة من أهمها الشجاعة والتواضع ، فإن خفت أو تعاظمت فلا بد من قيام هوة بينك وبين الآخرين ومن تعقد التعامل . وأنت تتشجع بالقوة التي يسكبها الله فيك ولا تهاب ذوي البأس اذ ليس أمامك بأس . انه انهار امام سلامة داخلك وتلاشى القوم كلهم أمام عظمة الله التي انت مشاهدها . النفس غير المثقلة ، غير المنشغلة بذاتها ، غير المبصرة لقوتها هي النفس البسيطة الذي تذهب توا الى الناس . هي تطلع من طفولتها البكر ولا تبغي الكلام ، الا رمزا اليها . الكلام ليس عندها مملكة ، تهرب اليها النفس القلقة أو المستكبرة . الكلام الذي لا يصدر عن النفس المطمئنة الصادقة لا يحمي من شيء . الانسان البسيط  يظهر في عرائه ، كما صنعته جسارته على دنياه . انه مُدرك ان احداً لا يستطيع النيل منه . انه على هذه الطراوة الغريبة التي تذهل كل الناس . إنهم يعاملون طفولة أي انهم امام الغرائبي ، مع نوع كيان تتهاوى أمامه كل القصور التي اقامها ذكاء البشر ، هذه البساطة لا تحتاج الى اية مرتبة من مراتب الثقافة ولكنها كثيرا ما تمازجها لان السذاجة ليست مرادفة للبساطة . فالساذج اذا اقنعوه بدونيته كثيرا ما يحزن وينكفيء لأنه يظن انه ليس على مستوى الفاهمين . ليس في السذاجة فهم بل في التواضع . ولذلك يعبر الانسان صحارى كثيرة ليبلغ شرف البساطة وذروتها . يجب ان يمر بالفقر اولا الذي هو تسمية من تسميات التواضع بالفقر نتخلى عن نسبة التماعاتنا الينا وعن شعورنا بملكية المال او المخزون الثقافي . ومن بعد التخلي نكسر كل نتو فينا من اجل نعومة الملمس . فالانسان اللميس القلب يعرف انه به قادر على ان يكسر النتؤ عند الآخرين او اقله انه لا يرضه بنتوء آخر . ليس ان البسيط لا يفهم قواعد الارتباك والانتفاخ وشرك اللياقات الكاذبة ليس انه لا يقرأ الاعيب الناس ويعرف كيف تتموج نفوسهم او تتخبط ولكنه موقن أن الرداءة اعترتهم وانهم اشقى المخلوقات . انه يتحرك بينهم كطائر حر لا يستطيعون قنصه . انه الانسان الوحيد الذي هو سيد طريقه . يلتصق حيث يشاء لانه دائما حر في مملكة الفرح ."

فمن هو البسيط إلا ذاك الذي تحرر بإستنارة معرفة والدخول في شركة الثالوث المحيي, من هو البسيط إلا ذاك الذي غاص في لجة نهر المحبة الذي لا يُعبرالدائم الجريان بين ألآ ب والإبن والروح القدس فصار محمولاً بتيارات وأمواج هذه المحبة , حراً منطلقاً , لا يكبِّله الخوف من الآخر, فلا يزيف ذاته ولا تقيده بغضة أو مرارة.

فتكمن البساطة في التحرر الداخلي من الآلام والإنفعالات التي تمرض النفس, واستعلان فيض محبة الثالوث داخل القلب, فيشع البسيط بنعمته في الطبيعة الإنسانية فيؤلهها نائلة نعمة البساطة.

  • بساطة أم جهل وسذاجة وكسل؟

" بينما يتباحث اللاهوتيون يتسلل البسطاء إلي الملكوت"

لطالما قرأنا هذه الجملة  تتردد علي صفحات مواقع التواصل الإجتماعي, وهي مجهولة المصدر , فالبعض ينسبها للمطوب أغسطينوس,  و الحقيقة إنها إنتشرت كالورم في الجسم,  لا نستطيع أخذها ببساطة, لأن ما بين طياتها يوجد تشجيع ضمني علي الكسل , الجهل, السذاجة تحت مسمي البساطة, وياليتها تلك هي الأزمة, فالجملة تختذلل اللاهوتي في فعل ( الجدل) , وكأن اللاهوتي لا يفعل شيئاٌ إلا الجدل, كما أن هذه الجملة تحُّط من شأن الاهوتي فلما لا نقول ( يتحاور اللاهوتيون) بل ( يتجادل) , والجملة كما تشوه من معايني الله, تشوه أيضاً إلههم هذا الذي - أتجاسر وأقول -  يغافله البسطاء فيتسللون إلي الملكوت , إله غريب تنافسي ,قسًّم معبوديه إلي طوائف, يُشيئ الإنسان ويختذله, ولا يريد إلا وأن يكون منفرداً في ملكوت فسيح, فقط من يتسلل هو من يقدر أن يدخل ويضع الله أمام الأمر الواقع.

فهذا أبعد مايكون عن ثالوث الحب الذي يريد أن الجميع يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون, هذا الذي قال بكلمات مفعمة بالرقة مخاطباً أبيه في ليلة صليبه :

" أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ."  

(يو 17: 3)

تخيل صديقي العزيز أن لك صديقان أحدهما يهتم بمعرفتك, يسألك باستمرار عن ما تريد , دائماٌ ينخلع من ذاته ويخرج ليلقاك ويعرفك من ذاتك و شخصك, يهتم أن تنمو علاقتكما, وعلي النقيض صديقك الآخر, يتعامل معك بسطحية شديدة, لا يخرج من ذاته إليك ليعرف أكثر عنك, يصر أن يحتفظ بأفكاره الخاصة عنك المحدودة للغاية, المشوهة لحقيقتك الغير مفحوصة الجمال, وياليت الأمر يتوقف هنا, فصديقك الأول حين إبتدأ يتعرف علي ذاتك البهية لم يفتر من وقتها أن يتحدث عن روعتك مع باقي معارفه, أما صديقك الثاني فإن تحدث عنك – وياليته لا يتحدث – سينفر جميع سامعيه منك لجهله الشديد بحقيقتك وسطحية معارفه عنك وعلاقته بك.

فهل الله لا يفضل أولئك الشغوفين بمعرفته , الذين يفتشون الكتب ليجدوا فيها الحياة, بل يجدوه هو بذاته فيها؟

نستطيع أن نجد الرد علي هذا السؤال في الآيات التالية من سفر الحكمة:

"الحكمة تَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَتُجَدِّدُ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي ذَاتِهَا. وَفِي كُلِّ جِيلٍ تَحِلُّ فِي النُّفُوسِ الْقِدِّيسَةِ؛ فَتُنْشِئْ أَحِبَّاءَ للهِ وَأَنْبِيَاءَ. لأَنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ أَحَدًا؛ إِلاَّ مَنْ يُسَاكِنُ الْحِكْمَةَ."

(حكمة 7 : 27 -28)

إذن نستطيع أن نستنبط أن معرفة الله هي الحياة الدائمة المتجددة التي لا تستهلك, هي الملكوت الذي نستطيع أن نوقظه في داخلنا بإستمرار, هي الفرح الذي لا ينقطع, معرفة الله هي سر الحياة. هذا ما قاله ربنا يسوع أن الحياة الأبدية هي معرفة الآب والإبن والروح القدس , معرفة مفرحة مبهجة لا نهائية مُشبعة لا تستنفذ, ومياه لا تعُبر, كما يقول الحكيم:

فَإِنَّ مَعْرِفَتَكَ هِيَ الْبِرُّ الْكَامِلُ، وَالْعِلْمَ بِقُدْرَتِكَ هُوَ أَصْلُ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ.(حكمة 15: 3)

ويقول القديس كيرلس السكندري في هذا الصدد:

" نبع الحياة الحقيقي هو المعرفة التي بلا لوم عن الله"[3]

ويقول أحد الأباء في رسالته إلي ديوجنيتوس:

" عندما تقرأ وتسمع بعناية هذه الأمور ، سوف تعرف ما الذي أغدق الله به على الذين يحبونه بحق ، إذ جعلهم فردوسا للفرح ( مثلكم ) ، إذ أنه أنشأ في داخلكم شجرة تثمر كل أنواع الثمر الجيد ومزينة بالفواكه المتنوعة ، وفي هذا الفردوس وضع شجرة المعرفة وشجرة الحياة ، ولكن ليست شجرة المعرفة التي تهلك - فالعصيان هو الذي يؤدي إلى الهلاك .

 والكلمات المكتوبة ليست عديمة الأهمية ، كيف أن الله منذ البداية وضع شجرة الحياة في وسط الفردوس ، كاشفا لنا من خلال المعرفة ، الطريق إلى الحياة . وحينما لم يستخدم أبوانا الأولان ( آدم وحواء ) هذه المعرفة بطريقة سليمة ، فإنهما بغواية الحية تعريا . لأن الحياة لا يمكن أن توجد بدون معرفة ، وكذلك المعرفة لا تكون في أمان بدون حياة . ولذلك غرس الاثنان ( أي الشجرتان ) بجوار بعضهما .

وقد أدرك الرسول قوة هذا الارتباط بين المعرفة والحياة ، ووجه اللوم على المعرفة التي بدون تعليم صحيح وكيف أنها تؤثر على الحياة وذلك بقوله : « العلم ينفخ لكن المحبة تبنى » ( رسالة معلمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ۸ : ۱ ) .

 لهذا فالذي يظن أنه يعرف أي شئ بدون معرفة حقيقية أي بدون أن تشهد حياته لكلامه ، فهو لا يعرف شيئا ، بل هو مخدوع من الحية وليس محباً للحياة . ولكن الذي يجمع بين المعرفة والمخافة ويبحث عن الحياة فهو يزرع على الرجاء منتظرا الثمر .

 اجعل قلبك يحكمك ، واجعل حياتك تكون معرفة حقيقية تمتلئ بها في داخلك . فإذ تحمل هذه الشجرة وتظهر ثمرها فإنك سوف تحصل على الأشياء التي يحبها الله ، والتي لا تستطيع الحية أن تصل إليها ، ولا الخداع أن يقترب منها ؛ وعندئذ فإن حواء لن تفسد ، بل ستكون موضع ثقة كعذراء ؛ وعندئذ يظهر الخلاص ، ويمتلئ الرسل بالمعرفة ، وفصح الرب سيتقدم ، وخوارس الخدام والشعب تجتمع معا ، بترتیب لائق ، والكلمة يفرح بتعليم القديسين ، الذي به يتمجد الآب : له المجد إلى الأبد . آمین "[4]

"وَالَّذِينَ أَهْمَلُوا الْحِكْمَةَ، لَمْ يَنْحَصِرْ ظُلْمُهُمْ لأَنْفُسِهِمْ بِجَهْلِهِمِ الصَّلاَحَ، وَلكِنَّهُمْ خَلَّفُوا لِلنَّاسِ ذِكْرَ حَمَاقَتِهِمْ، بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمَانَ مَا زَلُّوا فِيهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ خَدَمُوا الْحِكْمَةَ؛ فَأَنْقَذَتْهُمْ مِنْ كُلِّ نَصَبٍ." (حكمة 10: 8-9)

فإهمال المعرفة هو الذي ينشئ الحزن والخسارة والإظلمام.

ويقول القديس أثناسيوس أن معرفة الإلهيات هي سر فرح الإنسان" إذا ما عرفوا خالقهم عاشوا الحياة الحقيقية السعيدة المباركة "[5]

قد عاني أوريجانوس  السكندري من ما يسمون أنفسهم بالبسطاء, وهم أولئك الذين يأخذون النص بحرفيته ولا يلتفتون إلي اللؤلؤة المخباة فيه التي يكشفها الروح للذين تنقوا وتطهروا , فنجده بصدد هذا الأمر يقول:

[6]" أيُّها الإخوة، احترسوا بشدَّةٍ مِنْ أنْ يوجَدَ مِنْكم ليسَ فقط مَنْ لا ينطق بالحكمة أو يُظهرها، بل مَنْ يُعارِض ويحتقر هؤلاء الذين يسعونَ وراء دراسة الحكمة.

فالجُهَّال، مِنْ بين العديد مِنْ العادات السيئة، يقترفون العادة الأسوأ على الإطلاق، إذْ أنَّهم ينظرون لهؤلاء الذين كرَّسوا أنْفُسَهم للكلمة والتعليم كأناسٍ تافهين وعديمي الفائدة!

فهم يُفضِّلون جهلهم الذي يدعونهُ بساطةً روحيَّة على الدراسة ومشقَّة الجهاد في التعلِّم."

إذن البساطة هي صفة مهمة فاللاهوتي, وليست البساطة بمعني الكسل وعدم بذل الجهد في البحث والتنقيب, ولكن البساطة في استقبال حقائق لاهوتية لا يصدقها عقل وإعلانات الله التي يعجز العقل عن استيعابها, فهو يؤمن أنه مسكن للروح القدس ويؤمن أنه في شركة مع الثالوث, ويؤمن أنه أخذ الذي للمسيح ويؤمن أنه ابن الله بالتبني وأخاً للابن المتجسد .


الثيؤلوجيا والإيكونوميا

.. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لكِنِ الآنَ لاَ نَعْرِفُهُ بَعْدُ.

(2 كو 5: 16).

حين نتحدث عن الله ( علم اللاهوت ) يجب علينا أن نميز بين فرعيه الثيؤلوجيا والإيكونوميا

  • الثيؤلوجيا : هي معرفة الله في طبيعته في ذاته, وحين نتحدث عن الله في ذاته نتحدث مستخدمين اللاهوت التنزيهي  (Apophatic), أي نقول :غير المفحوص, غير المُدرك وهكذا...

الإيكونوميا : هي معرفة الله من خلال التدبير الذي يصل إلي قمته بتجسد الكلمة و في الأسرار, وحين نتحدث عن الله في تدبيره نستخدم اللاهوت التأكيدي (cataphatic) , أي نقول أن الله محب للبشر, رءوف و متعطف, وهكذا...

وبالطبع لا يمكن التعامل مع هذين الفرعين كفرعين منفصلين علي الإطلاق, فكلاهما يؤدي إلي الآخر.

فحين تبدأ في التعرف علي الله , تبدأ أن تتعرف عليه من خلال تدبيره في التجسد( إيكونوميا), وهنا يأتي الإستعلان فتدخل إلي أعماق الثالوث بمعرفة التجسد ويُعلَن لك سر المسيح شيئاً فشيئاً ( ثيؤلوجيا).

ولكن معرفة الله في ذاته في جوهره شيء مستحيل , فمهما اتسعت معارف الانسان المحدود سيظل الله غير المحدود بالنسبة له سر لا يستطيع أن يدركه بعقله, فكما يقول الحكيم:

"إِنَّ أَفْكَارَ الْبَشَرِ ذَاتُ إِحْجَامٍ، وَبَصَائِرَنَا غَيْرُ رَاسِخَةٍ،إِذِ الْجَسَدُ الْفَاسِدُ يُثَقِّلُ النَّفْسَ، وَالْمَسْكِنُ الأَرْضِيُّ يَخْفِضُ الْعَقْلَ الْكَثِيرَ الْهُمُومِ. وَنَحْنُ بِالْجَهْدِ نَتَمَثَّلُ مَا عَلَى الأَرْضِ، وَبِالْكَدِّ نُدْرِكُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا، فَمَا فِي السَّمَوَاتِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ. وَمَنْ عَلِمَ مَشُورَتَكَ لَوْ لَمْ تُؤْتِ الْحِكْمَةَ، وَتَبْعَثْ رُوحَكَ الْقُدُّوسَ مِنَ الأَعَالِي؟ "[7]

, وهنا تظهر أهمية علم الثيؤلوجيا بلاهوتها التنزيهي, فبها نطهر عقولنا من أي معرفة لاتليق بالله, بها نكسر الأوثان العقلية التي تمنع الإنسان من إستقبال الإعلان الإلهي في حقيقته وتجريده, وما هو الوثن إلا إله خلقه الإنسان وعبده, فهناك من خلق وثن الإله الغاضب الساخط  دائماً وها هو يقدم له القرابين والتقدمات ليل نهار المالية وغيرها لعله يرضي, فمع الألم الشديد هو هنا لا يعبد الله, بل يعبد الوثن المخلوق عقلياً, إنما إلهنا فهو غير مخلوق لا يحده مكان أو زمان, فبالإيكونوميا نعرف أن الله مُحب للبشرحتي إخلاء التجسد وموت الصليب  , وبالثيؤلوجيا نعرف أنه كما قال القديس غريغوريوس: (ليس شيء من النطق يستطيع أن يحد لجة محبتك للبشر) وكما نقول في ثيؤطوكية الخميس: ( أي قول وأي فعل يقدر أن يحد اللجة التي لمحبتك للبشر يا الله), بالإيكونوميا نعرف أن الإبن الكلمة هو حكمة الله, وبالثيؤلوجيا نعرف أنه (غير موصوفة هي قوة حكمته) كما قال القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس.

, وذلك لأن ما يعرفه الإنسان عن الله لا يقاس بل هو قليل جداً ويحتاج دائماً للمراجعة , وذلك لأن الله هو غير المدرك, أي فوق الإدراك, وغير المفحوص, أي فوق الفحص , لذا يحتاج الإنسان بصفة مستمرة أن يحرر ذهنه من الإسقاطات والصور والتخيلات والتشبيهات المتراكمة فيه عن الله, وينخلع عن جميع هذه الأوثان , ويترك المجال لروح الله الساكن فيه ليعلمه أسرار الثالوث فيختطفه إلي فردوس المعرفه, ويسمِّعه كلمات لا يُنطَق بها, ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها[8],  فيضيء عليه نور المعرفة الحقيقية  فيضيء بالشكل المحيي للإبن[9] , فيصير متعلماً من الله[10] ,ويولد من رحم الألوهة إبناً للآب                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأخاً للمسيح وهيكلاً للروح. هذا هو اللاهوتي يا إخوة. فيقول القديس غريغوريوس النزينزي في هذا الصدد:

" غير المُدرَك يُثير إعجابنا ودهشتنا, وهذه الدهشة تخلق فينا شوقاً أكثر, وهذا الشوق يُنقينا ويُطهرنا, والتنقية تجعلنا مثل الله, وعندما نصير مثله, فإني أتجاسر أن أقول أنه يتحدث إلينا كآلهة بإتحاده بنا"[11]

فاللاهوت السلبي هو النور الذي يهيئ الذهن لإستقبال سر الله, فيستضيء الذهن وينفتح الفم وتنحل عقدة اللسان لكيما يُفصِح باللاهوت الإيجابي. "لأنَّ الْحِكْمَةَ فَتَحَتْ أَفْوَاهَ الْبُكْمِ، وَجَعَلَتْ أَلْسِنَةَ الأَطْفَالِ تُفْصِحُ."[12]

وكما يقول ماريعقوب السروجي:

  "...انا قيثارة عشارية الاوتار التي ركّبتها، اعزف فيّ لارتل لاجلك كما لو كان لتسبيحك، مدّ اصبعك وحرك اوتاري الصامتة، الوتر لا يعطي اللحن بدون عازف، وليس للفم كلمة بدون موهبتك، القيثارة لا تقدر ان تزمر من ذاتها لو لم يضرب عليها حاملها، العازف بالقيثارة يحرك اصبعه بمهارته، ويوقظ اللحن في الوتر الصامت، ربوني، زمر فيّ لانك تمسكني فانتظرك لتحرك فيّ التسبيح الكثير لتجليك، ليس لانك محتاج الى تسبيح الارضيين لكن ليعظم بك ايها الغني الجنس المحتاج."[13]


الله ليس مثل البشر

                              " ليس الله إنساناً ليُخدع , ولا ابن إنسان لُيهدد" عدد23 :19

                                             " حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه" تث 1: 31

 إن المرء ليلحظ التناقض الواضح بين هاتين الآيتين المعروضتين في مستهل حديثنا في هذا العنوان, فمن أحدهما نفهم أن الله ليس إنساناً, ومن الأخري نجد أن الله يشبه في تعامله معنا بالإنسان, فما هو حل هذه الإشكالية يا تري؟

لقد تمكننا في الفصل السابق من التمييز بين فرعي علم اللاهوت المتضافرين في معرفة الله , الثيؤلوجيا والإيكونوميا , ولعل أول من ميز بينهما هو أوريجينوس السكندري ومن بعده مؤرخ الكنيسة الأول , يوسابيوس , وهذا التمييز هام جداً ونحن بصدد التحدث عن لغة الله في الكتاب المقدس, ففي الآية الأولي الكاتب ينكر علي الله الإسقاط البشري فهو ليس مثل الإنسان , فهذه الآية تتحدث عن الله في ذاته ثيؤلوجياً باسلوب اللاهوت التنزيهي (Apophatic) , بينما في الآية الثانية تصورعناية الله بالإنسان في تدبيره بالأب الذي يحمل ابنه, فمن هذا الطرح نستطيع أن نصل إلي عدة حقائق أهمها:

حين يتحدث الوحي عن الله في ذاته في طبيعته يستخدم اللاهوت التنزيهي, فينكر إسقاط الصورة البشرية علي الله, وحين يتحدث عن الله في عمله مع الإنسان قد يستخدم تعبيرات بشرية ليقرب للبشري المحدود الإلهيات.


                              تنازل وإخلاء كلمة الله

   فَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْرِفُ قُوَّةَ اللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيًّا، وَالْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيًّا عِنْدِي.

 (1 كو 14: 11)

إن كنت أباً أو أماً أو أخا أو أختاً لطفل صغير أظنك علي دراية جيدة بأن للأطفال لغتهم الخاصة, بل لكل طفل لغته الخاصة التي لا يفهمها إلا متولي رعايته, فقد يطلب منك أحد الأطفال طلباً بلغته الحصرية وأنت لا تستوعبه لأنك لست من القريبين منه, وتظل تسأل والديه متحيراً عن معني الكلمات التي ينطق بها, والمضحك أن والديه يجيبونك بكل سلاسة عن معني هذه الكلمات وعن القصد من هذه الطلاسم والتعويذات السحرية التي ينطق بها فم هذا الطفل, بل والمثير للدهشة أن والديه يتنازلان عن لغتهم المعروفة ويتكيفان مع هذه اللغة الأجنبية ويتعلمان مفرداتها ويتحدثوا بها مع طفلهم لخلق أرض مشتركة بينهم , وليضمنوا تواصلهم معه بإستمرار وتلبية إحتياجاته وإشعاره بالحب والقبول والأمان أنه مفهوم عن طريق التواصل الإيجابي معه بلغته.

بما لا يقاس هذا ما فعله الله معنا حين أراد أن يتواصل معنا, حدثنا بلغتنا, صاغ إعلانه الإلهي الغير المدرك , الذي لا يحده أي قالب لغوي , ولا تؤطره ألفاظ أو جمل في لغة بشرية محدودة, في تكملة لسلسلة إخلائاته في التعامل مع الجنس البشري- الطفولي الإدراك -  مع الله الغير معبر عنه.

يعبر عن هذا التنازل الإلهي القديس أوريجانوس في تفسيره للآيات: "... حَيْثُ رَأَيْتَ كَيْفَ حَمَلَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ كَمَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ ابْنَهُ ..." (تث 1: 31):

" كلما إشتملت الخطة الإلهية علي عناصر إنسانية , فهذا يحمل عقلية وأخلاق وطريقة حديث إنسانية, مثلنا أيضاً, إذا كنا نتحدث مع طفل يبلغ من العمر عامين , نتحدث بشك لمسترسل لكونه طفلاً- لأنه أمر مستحيل, إذا لاحظنا ما هو مناسب لسن إنسان كامل النمو , وعندما نتحدث مع الأطفال لفهم الأطفال دون التنازل لمستوي حديثهم- يبدو لي أيضاً أن الوضع مُشابه فيما يخص الله عندما يتعلق الأمر بالبشروخاصة أولئك الذين لايزالون أطفال"[14] ( 1كو 3:1).

وفي شرحه لٌآية ندم الله يقول:

" نظراً لأننا نندم حقاً , عندما يتحدث معنا , نحن من يندم, يقول الله: " أندم", وعندما يحذرنا, لا يتظاهر بأنه عارف بما هو آت, لكنه يحذرنا بصفته شخصاً يتحدث إلي أطفال. إنه لا يتظاهربأنه عالم مسبقاً بكل شئ قبل جيله, ولكن بصفته الشخص الذي يلعب دور الطفل,  إذا جاز التعبير , فإنه يتظاهر بعدم معرفة المستقبل. "[15]

" تحدث إلي بني إسرائيل لعلهم يسمعون ويتوبون"( ار33: 2-3). ويشرح أن الله قد قال: لعلهم يسمعون ليس كمن يشك, بل " يتظاهرحينئذ بأنه لا يري مستقبلك حتي يحافظ علي قدرتك علي تقرير مصيرك من خلال عدم التنبؤ بأنك ستتوب أم لا "[16] 

ويقول ذهبي الفم تعليقه علي مزمور يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بغيظك:

"عندما تسمعون أي أمر عن الغضب والسخط من قبل الله ، لا تأتيكم فكرة تتعلق بأي شيء يماثل البشر ؛ فالكلمات ، كما ترون ، تأتي من مراعاة . فالطبيعة الإلهية ، على كل حال ، خالية من كل هذه المشاعر ، على العكس من ذلك ، فهو يتحدث بهذه الطريقة لإحداث انطباع على عقول الناس الماديين بشدة . لأنه في حالتنا أيضاً ، عندما نتحدث مع الأجانب ، نستخدم لغتهم ؛ وإذا الأطفال ، نتحدث بطريقة بسيطة معهم ، وحتى إذا کنا موهوبين للغاية ، فإننا نظهر مراعاة لحالتهم غير المتطورة . ما الذي يثير الدهشة في قيامنا بذلك عندما تفعله أيضا في عادتنا ، مثل عض أظافرك وتظاهر نا بالغضب ، كل ذلك من أجل تعليم الأطفال ؟ وبالمثل ، فإن الله ، الذي أراد أن يترك انطباعاً لدى الناس الماديين ، استخدم مثل هذه الكلمات . لأنه في هذه الحالة ، كما ترى ، لم يكن اهتمامه بمجده بل بصالح مستمعيه . "[17]

انطلاقاً من هذه الفكرة , وهي أن الله مثل الأب يتخذ وضع الإبن , أي يتكيف مع المنظور الإنساني المحدود, لذا ابتكر اوريجينوس نظرية عامة لشرح ومعادلة جميع النصوص الكتابية التي لا تتفق مع الطبيعة الحقيقية لله. قد يتم شرحها بحكم التنازل الإلهي (Synkatabasis) أو التكيف (Tropophorein).

فالقاعدة النهائية التي يتوصل إليها أوريجانوس هي:

" كل مايتم تسجيله عن الله, حتي إن كان غير مناسب من النظرة الأولي , يجب فهمه علي إنه جدير بإله صالح"

فنستطيع أن نستنبط أنه هناك هوة بين اللغة المكتوبة والمنطوقة والحق الإلهي[18], لذا يقتضي علينا أن نفهم كل شئ بما يليق بالله.

فاللغة هي سهم يشير إلي المعني وليست بوتقة تحوي المعني, وإن كان المعني مرتبط بإله غير محدود....فكل محاولة أمينة وكل إجتهاد في فهم النص والسياق هو بمثابة ضبط الأسهم علي الإحداثيات الأدق حتي تكون المسيرة مستقيمة ومباشرة ولا تتحول إلي تيه[19]

فكما يقول وليم شكسبير في روايته: تاجر البندقية:

" إن الشيطان يمكنه أن يقتبس من الكتاب لخدمة غرضه الخاص"

لذا يجب علينا أن ننتبه دائماً للمعني الكامن في القالب اللغوي.


بدعة ماركيون

لقد شعر ماركيون- من وجهة نظره – بالفرق الشاسع بين إله يسوع المسيح وإله العهد القديم. فتوصل إلي هرطقته بأن إله العهد الجديد هو الإله العظيم السامي يختلف عن إله العهد القديم وهو إله اليهود القاسي سريع الغضب وهو الذي أثار شعبه علي المسيا فقتلوه, وعليه رفض ماركيون العهد القديم كله, وأيضاً حذف معظم العهد الجديد مثل بشارتي مرقس ويوحنا, وأودع كل إعتراضاته علي العهد القديم في كتاب يدعي " المتناقضات".[20]

فما الخطأ الذي إنزلق فيه ماركيون من وجهة نظرك؟


تطور مفهوم الأنسنة (Anthropomorphism)  والآباثي  (Apathia) والرمزية (Allegory)عن الله عبر العصور

إنه تعلیم بالإجماع لجميع الفلاسفة أن الله لم يكن غاضبا أبدا ،

 كما أنه لا يضر أي شخص ،

 شيشرون ( Do officiis )

الأنسنة (anthropomorphism) : هو يعني أن نسبغ صفات بشرية علي الإله الذي نعبده , أي نقول أن له أيدي و يتذكر, يندم وهكذا .

الأباثي (Apathy) : هو أن نقول أن الله في جوهره خالي من الإنفعالات المريضة التي تمرض النفس, كالغضب والثورة, وهي ذات دلالة سلبية حصرية, بخلاف المشاعر, فهو غير المتغير البسيط, وضدها (Anthropathos): أي خاضع للإنفعالات البشرية.

التفسير الرمزي (allegory): أن وراء النص الحرفي معني أعمق وهو المراد من النص الحرفي

الحقب التي تطورت خلالها هذه المفاهيم هي:

عصر الفلاسفة اليونان

الحقبة الهلنستية

أباء مدرسة الإسكندرية وأنطاكية والأباء اللاتين مفسري الكتاب

أولاً: نقد الفلاسفة للأساطير اليونانية

كانت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية منارة التعليم اللاهوتي تدرس الفلسفة كجزء من أجزاء تعليم للذين يقصدونها من طلبة العلم ,

فكانت تدرس في ذلك ملحمتي الشاعر الإغريقي هوميروس ( الإلياذة والأوديسا ), والذي شعر بعدها الكثير من الفلاسفة بالخزي لوجود مثل هذه الأوصاف التي تصف الآلهة بأنها تقتل وتحب وتكره وتتزاوج, فطوروا طريقة لتفسيرها تسمي بالطريقة الرمزية  (Allegory), الفكرة من هذه الطريقة التفسيرية أن النص يقول شيئاً في حين أن المعني الحقيقي شيئاً آخرخفي وراء المعني الظاهر.

فيقول الفيلسوف كزينوفانيس:

" إله واحد هو الأعلي بين الآلهة والبشر , لا في شكله ولا في فكره يشبه البشر" [21]

كما يقول في شذرة آخري:

" يقول هوميروس وهيسودوس إن الآلهة تفعل كل أنواع الأمور التي قد يعتبرها البشر مشينة : كالزني والسرقة وخداع بعضهم البعض"[22]

كما يقول أيضاً أن الإنسان يميل إلي أن يخلق في تصوره إلهاً يشبهه (تجسيم) :

" آلهة الأثيوبيين سوداء ذات أنف أفطس, في حين أن آلهة التراقيون شقراء بعيون زرقاء وشعر أحمر,... فإذا كانت الماشية والخيول لها أيدي , وكانت قادرة علي الرسم بأيديها, وتكوين مثل هذه الصور كما يفعل البشر, فستصنع الخيول أشكال آلهة علي شكل الخيول , والأبقار علي شكل الماشية, وتمنحهم أشكال مثل تلك التي يجدونها في أنفسهم بالضبط"[23]

كما عارض بشدة أيضاً فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو أن تؤخذ هذه الأساطير بمفهومها الحرفي المخزي الذي لا يليق بالله فهي تنادي بتعليم غير أخلاقي عن الآلهة مما يؤدي إلي إفساد الشباب والأطفال الذين يستمعون إليها بإعتبارها حقائق عن الآلهة.

ويندد خطاب أحد الفلاسفة في كتاب شيشرون بالأسطورة الهومرية قائلاً:

" نحن نعرف كيف تبدو الآلهة وكم عمرهم وألقابهم ... وكل شئ عنهم مشوه في شكل يشبه هشاشة الإنسان . يتم تمثيلهم في الواقع علي إنهم عرضة للمشاعر والعواطف- نسمع عن أنهم يشعرون بالحزن والحب والغضب....هذه القصص وهذه المعتقدات حمقاء تماماً, فهي ملآنة من الهراء والسخافة علي جميع النواحي...لكن الجهل غريب علي الطبيعة الإلهية , والضعف , وما يترتب عليه من عدم القدرة علي أداء المهام, لا يتناسب مع الجلالة الإلهية بأي شكل من الأشكال"[24]

  • حتي أتي أحد الفلاسفة المدافعين بشدة عن أساطير هوميروس , يسمي بهيرقلطيس المنحول الذي أكد بوجود معني خفي في الرمز الهومري لا يتكشف إلا إلي الحكماء .,لذا فالمعني الرمزي المخفي وراء المعني الحرفي هو المعني الحقيقي لتلك الأساطير.

ويوضح أيضاً بلوتارخ المنحول الغرض من وراء إستخدام هوميروس لغة ملغزة وأسطورية فيقول :

" لقد فعلوا هذا حتي يتمكن عشاق التعليم , الذين يسعدون بأناقة معينة, من البحث عن الحقيقة بسهولة أكبروالعثور عليها, في حين أن الجاهل لا يسخر مما لا يمكنه فهمه, لأن ما يُشار إليه من خلال المعاني الخفية يكون جذاب, إنما ما يُقال بشكل صريح فهو ذو قيمة أقل"[25]

غضب الله و الأباثيا عند الفلاسفة الإغريق واللاتين:

قد أكد شيشرون في كتابه  ( Do officiis )علي أن الله خالي من الإنفعالات المريضة فقال:

" تعليم بالإجماع لجميع الفلاسفة أن الله لم يكن غاضباً ابداً, كما أنه لا يضر أي شخص"

فيقول أن مشاعر الغضب إنما هي مرضاً بشرياً وقصوراً لا يليق بأن تنسب للألوهية موضحاً:

"ولكن هناك بعض العوامل التي لا تستطيع إلحاق الأذي بنا وليس لديها قوة غير مفيدة ونافعة مثل الآلهة الخالدة, الذين لا يرغبون ولا يستطيعون الأذي, لأنهم بطبيعتهم متسامحون ولطفاء, غير قادرين علي إصابة الآخرين بأذي. بالتالي, أولئك غير العقلاء والجهلاء بالحقيقة يتهمون الآلهة بعنف البحر والأمطار الغزيرة وعناد الشتاء..."[26]

التفسير الهلنستي اليهودي

أي عيب أعظم من أن نفترض أن غير المتغير يتغير؟

(فيلو السكندري, الله غير قابل للتغيير)

أولاً: التفسير الرمزي:

يؤكد فيلو[27] بصدد حديثه عن ناموس موسي أن الناموس لا يهتم إلا بنا نحن وكُتب لفائدتنا, وعليه يجب تفسيره رمزياًعلي هذا الأساس فيقول:

"لا تأخذ وجهة النظر المهينة التي مفادها أن موسي سن هذا الناموس بسبب الإنشغال المفرط بالفئران والأعراس أو المخلوقات المشابهة. الحقيقى هي أن كل شئ قد تم تعيينه من أجل تحقيق لا تشوبه شائبة وتعديل الحياة من أجل البر "[28]

فالطيور المحرمة والتي تسمي بالنجسة هي طيور جارحة تتغذي علي الطيور المستأنسة بشكل غير عادل, ففي تحريمها درس أخلاقي:

" من خلال وصفهم بالنجاسة, قد أوضح أنه الواجب الملزم الرسمي لأولئك الذين وُضعت النواميس من أجلهم لممارسة البر وعدم إجبارهم علي الإعتماد علي قوتهم, وليس حرمانهم من أي شئ , ولكن كي يحكموا حياتهم ببر, بطريقة المخلوقات اللطيفة بين الطيور المذكورة آنفاً والتي تتغذي علي تلك النباتات التي تنمو علي الأرض ولا تمارس هيمنة تؤدي إلي تدمير زملائها من المخلوقات"[29]

فالله – القوة العليا الوحيدة – لا يشغله الفئران والأعراس , هي فقط ترمز للتعليم الأخلاقي التي تهتم به القوة العليا, فهي رموز للتعليم الأخلاقي الحقيقي والأعمق لناموس.

وهكذا يعطي الإذن بتناول الحيوانات المشقوقة الظلف التي تجتر لأنها ترمز إلي" الذكر المستمر لله العلي حامل الكل"

فالقاعدة الرئيسية التي يتبعها فيلو هنا أن : "مفهوم الله" هو ما يحكم شروحاته ,لذا ينبغي أن تفسير الناموس أن يكون يليق بالله.

ثانياً : الأنسنة (Anthropomorphism) :

أوضح أرسطوبولوس  للدفاع عن موسي من تهمة إعطاء تفسيرات لا معني لها أو غير معقولة  " لماذا يتم إعطاء إشارات لليدين والذراعين والوجه والقدمين والسير في كل ناموسنا فيما يتعلق بالقوة الإلهية" ، ويذكر :

 " أتمنى أن نحثكم على تلقي التفسيرات وفقاً لنواميس الطبيعة وفهم المفهوم المناسب لله وعدم الوقوع في الطريقة الأسطورية والإنسانية التفكير بالله ."[30]

وها نحن نري أن الموقف الهلنستي ممن يأخذ النص حرفياً هو ذاته الموقف الأوريجاني تجاه الجهلاء الذين كان يُطلق عليهم البسطاء , فيستطرد أرسطوبولوس:

" لأن مُشرعنا موسي يعلن عن ترتيبات الطبيعة والاستعدادات للأحداث العظيمة من خلال التعبير عن ما يرغب في قوله بعدة طرق ، وذلك باستخدام الكلمات التي تشير إلى أمور معنی أخرى ( أعني الأمور المتعلقة بالمظاهر الخارجية ) .. لكن بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم نصيب من القوة والفهم ، لكنهم مخلصون للحرف وحده ، لا يبدو أنه يفسر أي شيء رفيع "[31]

-        الرد علي أنسنة أن لله أيدي:

" من الواضح الآن أن " الأيدي " يتم التفكير بها حتى في زماننا بطريقة أكثر عمومية . لأنه عندما تكون ملگا ، ترسل قوات ، وترغب في إنجاز شيء ما ، فنقول : " للملك يد قوية ، ويتم إحالة المستمعين إلى القوة التي تملكها . الآن يشير موسى إلى هذا في ناموسنا عندما يتكلم هكذا : ” بید قوية أخرجك الرب من مصر " ، ومرة أخرى يقول إن الله قال له : " سأرسل يدي وسأضرب المصريين لأنه من الممكن للأشخاص الذين يتكلمون مجازا أن يفكروا في أن قوة البشر بأكملها وقدراتهم النشطة تكون في أيديهم . لذلك فإن المشرع قد استخدم مجاڑا جيدا الغرض قول شيء سامي ، عندما يقول إن إنجازات الله هي يديه ."

-        الرد علي أنسنة أن الله يتحرك حركة جسدية:

" يقال أيضا في كتاب الناموس أنه كان هناك نزول الله على الجبل ، في الوقت الذي كان يعطي فيه الناموس ، لكي يرى الجميع عمل الله ... لذا فإن النزول لم يكن محلياً لأن الله موجود في كل مكان .[32]

  • الرد علي أنسنة أن لله أعضاء تنفس أو خياشيم:

" وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً." (تك 2: 7(

" حاشا لله أننا يجب أن نصاب بمثل هذه الحماقة الوحشية (atopia ) من الاعتقاد بأن الله يستخدم أعضاء للتنفس مثل الفم أو الخياشيم ، لأن الله ليس في صورة إنسان فقط ، بل لا ينتمي إلى فئة أو نوع “ . ثم يوضح أن تعبير " النفخ  يجب فهمه على أنه يعني أن الله أرسل روحه إلى العقل البشري حتى تتمكن البشرية من معرفة الله . للتعبير أيضا معنى أخلاقي ، لأنه مثلما يكون الوجه هو الجزء المسيطر في الجسد ، كذلك يكون العقل هو الجزء المهيمن في النفس والله يعطي روحه لهذا الجزء"[33]

-        الرد علي أنسنة أن الله لم يستطع معرفة مكان آدم بسؤاله: فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». (تكوين 3: 9)

كتب فيلو : " لو لم يُفسر هذا الأمر بطريقة رمزية ، لكان من المستحيل قبول هذا ، لأن الله يملأ ويتغلغل في كل شيء ، ولا يخلو منه موضع أو يغيب حضوره عن مكان ما" [34]

-        الرد علي أنسنة أن الله يقسم : وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، اُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ،وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي». ( تك 22: 16- 18)

يعلق فيلو : " لكن عندما يخبرنا أن الله أقسم باليمين ، يجب علينا أن نفكر فيما إذا كان سيعلن أن مثل هذا الشيء يمكن أن ينسب إلى الله ، لأنه يبدو لآلاف الأشخاص أنه أمر غير جدير [ anoikeion ] به " ، ويشرح أن مفهومنا لليمين هو أنه نداء إلى الله على بعض الأمور المتنازع عليها . لكن لا يوجد أمر متنازع عليه مع الله . فهو لا يحتاج إلى شاهد آخر ، لأنه لا إله آخر نظيره . ولا يوجد شيء أفضل من العلة ، تماماً مثل " عدم وجود شيء مساو له ، أو حتى أقل منه بقليل ".. الفرق بين الله والبشر هو من جهة النوع والطبيعة . " كما يرى فيلو ،" يلجأ البشر إلى اليمين لكسب التصديق ، عندما يرى آخرون أنهم غير جديرين بالثقة . لكن الله جدير بالثقة في كلامه كما في أي أمر آخر ، بحيث لا تكون كلماته في اليقين والتأكيد مختلفة عن القسم . وهذا يعني أنه في الوقت الذي يمنح فيه القسم ضمانات  لإخلاصنا ، فإنه في حد ذاته مضمون من جهة الله . لأن القسم لا يجعل الله جدير بالثقة ، بل الله هو الذي يجعل القسم مؤكداً"[35]

فالله حين يقسم بذاته هو يقصد طمأنة الإنسان الذي يقسم له وذلك نظراً لضعفه البشري وإحتياجه إلي توكيد خاص علي المواعيد بلغته, وتتلخص منهجية تفكير فيلو في التعامل مع جميع النصوص التي فيها تجسيم أو أنسنة, أو تشير إلي إنفعالات إنسانية  كالغضب في النص التالي:

"لا يمكن أن نبقي في نفوسنا باستمرار الفكر الذي يلخص طبيعة العلة بجدارة ، حيث إن " ليس الله إنسانا " ( عد 23 : 19 ) ، وبالتالي يتفوق على جميع المفاهيم الإنسانية له ، الفناء هو العنصر الرئيسي فينا . لا يمكننا الخروج عن حدود أنفسنا في تشكيل أفكارنا,  لا يمكننا الهروب من نقائصنا الفطرية . نحن نتسلل من خلال تغطيتنا للفناء ، مثل القواقع في أصدافها ، أو مثل القنفذ نلف أنفسنا كالكرة ، ونفكر في البركة والخلود من حيث طبيعتنا . في الواقع ، نهرب من وحشية قولنا إن الله له شكل إنساني ، لكننا في الواقع نقبل الفكرة غير النقية بأن له أهواء إنسانية [ anthropopathos ] . وبالتالي ، فإننا نخترع له يدين وقدمين ، ودخولا وخروجا ۔ والعداوات ، والنفور ، والقطيعة ، والغضب ، في الواقع مشاعر وأهواء مثل هذه لا يمكن أن تنتمي anoikeia }}  أبداً إلى العلة . وبالمثل هذا اليمين - يعد مجرد عكاز لضعفنا . "

ويواصل شرحه:

"حسنا ، لقد أكد الوعد بالقسم ، وفعل ذلك بحلف يمين الله [ theoprepei ] ؛ أنت تشير إلى أن الله لا يحلف بشيء آخر ، لأنه ليس هناك ما هو أعلى منه ، ولكن يقسم بذاته ، من هو الأفضل في كل شيء ، ...إنهم يقولون حقا أن القسم هو دعوة لله للشهادة على أمر متنازع عليه ؛ لذلك إذا كان الله هو الذي أقسم ، فهو يشهد على ذاته ، وهو بالتالي أمر سخيف ، لأنه من يشهد يجب أن يكون شخصا آخر عنه وهو من يتحمل الأمر نيابة عنه ؟ ومع ذلك أولا ، لا يوجد شيء خاطئ في أن الله يشهد على ذاته . فمن سيكون قادرا على الشهادة له ؟ ثانیا ، هو ذاته يعد بالنسبة لذاته كل ما هو ثمین ، وقريب ، وصديق ، وفضيلة ، وسعادة ، ونعمة ، ومعرفة ، وفهم ، وبداية ، ونهاية ، وكل شيء ، وعدل ، وأمر ، وحماية ، وقانون ، وفعل ، وسيادة "

ثالثاً : مفهوم الأباثي وغضب الله:

في تفسير فيلو لنص (تكوين 6: 7) "فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ»." يوضح:

" يلاحظ أن بعض الناس الذين يسمعون هذه الكلمات يعتقدون أن الله يشعر بالغضب ، على الرغم من أنه ليس عرضة لأي عواطف . فيقول : لأن الانزعاج أمر خاص بالضعف الإنساني ، لكن لا توجد أي علاقة بالله فيما يخص المشاعر غير المعقولة للنفس ، ولا لأجزاء وأعضاء الجسم عموماً ، ولكن يبقى السؤال ؟ لماذا استخدم موسی مثل هذه التعبيرات ؟ الجواب : إنه فعل ذلك لأسباب تربوية . لقد استخدمهم لتعليم ونصح أولئك الذين لم يتمكنوا من فهم طرق التفكير الأكثر تجريدية  وليس لأن طبيعة الله كذلك ....أن هناك نوعان من الناس ، عشاق النفس وعشاق الجسد ." الأول له مفهوم سام عن ” الكائن “ ولا يمكن مقارنته بأي شكل من الأشكال المخلوقة : " لقد فصلوه عن كل فئة أو نوع ، لأن هذا أحد الحقائق التي تجعل من بركته وسموه أن يتم فهمه على أنه كائن بسيط وليس مركباً ، دون أي صفة مميزة أخرى ؛ وبالتالي فهم لا يصورونه بشكل ، لكنهم يعترفون فقط في عقولهم بمفهوم الكائن بذاته فقط . الآخرون ، عشاق الجسد ، فكروا في علة الكل بنفس المصطلحات المنطبقة عليهم ، ولم يفكروا في أن الكائن الذي يتم تشكيله من خلال اتحاد العديد من القدرات يحتاج إلى عدة أمور ليخدم حاجات كل منهما ، وحيث إن الله غير مخلوق وإنه ناظم خلقة الآخرين ، فهو لا يحتاج إلى أي من الخصائص التي تنتمي إلى المخلوقات التي خلقها "

 تم استنكار هذه الكلمات بعبارات قوية باعتبارها " خیالات أسطورية لغير المتدينين ، الذين يمثلون الإله في شكل إنساني ، وفي الواقع الأمر يمثلونه على أنه يمتلك عواطف إنسانية"[36]

فها هو يدين بشدة أولئك الذين يأخذون النص بحرفيته ولا يفهمون المعني الحقيقي لتباسط وتكيف وتنازل الله ليتواصل معنا بلغتنا المحدودة لكيما نستنبط ظل الإلهيات.

 ويواصل حديثه عن هذين النوعين من البشر و أثر طريقة فهمهم لكلمة الله مستطرداً:

" أولئك الذين يمتلكون " موهبة طبيعية سخية وتدريب مستمر بلا لوم يسترشدون في قراءتهم للكتاب المقدس بمبدأ " ليس الله إنساناً" ( عد 23 : 19 ) . أما هؤلاء ، الذين ليس لديهم قدرة على الرؤية بوضوح وهم " غير منضبطين وحمقى ، يحصلون على نصيب من سيد يخيفهم ، لأنهم يخشون تهديداته ووعيده ، وبالتالي يتعلمون بالخوف بشكل غير إرادي "

 يقول فیلو إن موسی تمنى القضاء على الشر من خلال تمثيل العلة العليا باعتباره متوعداً وفي كثير من الأحيان يظهر سخطاً وغضباً عنيداً ، أو مرة أخرى باستخدام أسلحة الحرب في هجماته على غير الأبرار . هذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها تقويم الأحمق . ثم يكمل حديثه لربط مبدأي " گما يؤدب الإنسان ابنه قد أدبك الرب إلهك" و"ليس الله إنسانا " ، بالخوف والمحبة . كما يرى فيلو ، تشير جميع التعاليم والنصائح في الناموس إلى حب الله أو الخوف منه . يرتبط الاختلاف بينهما ارتباطا مباشرا بوجود المفهوم الصحيح عن الله :

" إن محبته هي الأنسب لأولئك الذين لا يدخل في مفهومهم عن الكائن الأعظم أمور أو مشاعر بشرية ، الذين يقدمون له كرامة تليق بالله [ theoprepes ] من أجله فقط . فالخشية هي الأمر الأنسب للآخرين"[37]

ويقول فيلو عن طبيعة الله البسيطة غير المتغيرة الآتي:

"الوجود الذي يحرك ويُسيِّر كل شيء آخر هو ذاته معفي من الحركة والتغير... أنه يجعل الإنسان المستحق أن يشترك معه في طبيعته الخاصة وهي : السكون ", لأن النفس غير المتغيرة بالحقيقة هي فقط التي يمكنها الوصول إلي الله غير المتغير, والنفس التي تكون في مثل هذا التصرف, تقف في فعل قوي جداً بالقرب من القوة الإلهية"[38]

 كما يقول علي من يأخذوا النصوص بحرفية:

" الذين يتسم ذكاؤهم الطبيعي ببلاهة وثقل, أو الذين أُسيء التعامل مع تدريباتهم المبكّرةو بما أنهم يفتقرون لقوة رؤية واضحة, يحتاجون إلي أطباء في شكل مدبرين لهم"[39]

وكما يقول الراهب مارك شريدن معلقاً:

"بالنسبة لفيلو , فإن الوعي الصحيح بالله ليس مجرد مسألة فكرية , ولكن في المقام الأول سؤال أخلاقي. إن التفكر في اللله حسب الصفات الإنسانية ليس خطئاً فكرياً فحسب , بل هو سؤال يستحق الإدانة أيضاً "[40]

الأنسنة والأباثيا من وجهة نظر أبائية:

يحسم القديس كيرلس الخامس هذه القضية بقوله هذا ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية:

"حين يذكر الكتاب المقدس أن لله أيدي ، وأرجل ، وأعين ، ينبغي علينا حينئذ أن ندرك تماما أن الله ليس مثل البشر له عضو جسدي ، لأنه هو غير جسدي . الذين يتمتعون بعقل سلیم ، ويتناولون الأقوال الخاصة بأسرار الألوهية التي لا توصف ، يرون أنها لا علاقة لها بالمخلوق ، بل تسمو أيضا فوق أي ذهن يقظ ، وهي أسمى من أي تخيلات جسدية ، كما يقول بولس کلي الحكمة : ’ ’ ساكنا في تور لا يدي منه . فإذا كان النور الذي يحيط بالألوهية لا يدن منه ، فكيف يمكن الأحد أن يصف هذه الألوهية ؟ فنحن نرى في مرآة ، في لغز لكن حينئذ وجها لوجه ( ۱ کو ۱۲:۱۳ ) . بالتالي ، العنصر الإلهي ليس جسدية حتى يمكن وصفه ، فلا كم له ولا حجم ولا شكل يمكن لأحد أن يصفه . إذن ، فالإلهي الذي يدرك هكذا - من طبيعته كما شرحنا- كيف نقول عنه إنه يتكون من أجزاء وأعضاء ؟ لأنه لو كان أحد يعتقد عن حق- أن الألوهية تتكون من أجزاء ، عندئذ لا يستطيع بعد أن يعتبرها غير جسدية . بالتالي ، كل شيء له شكل ، له أيضا كم ، ويوجد في مكان . وذاك الذي يوجد في مكان ما ، يمكن بالطبع أن يوصف . لكن هذه هي خواص الأجساد ، وهي غريبة تماما عن الطبيعة غير الجسدية.. بناء على ذلك ، لا الأعين ، ولا الأذن ، ولا طبعة الأيدي والأرجل ينبغي أن فنسبها لله ، بل ولا حتى الأجنحة التي ربما لا يمكن للمرء أن يتخيلها في الأجساد المادية والسميكة  ، وإن كان يقبلها في الأجساد الرقيقة وغير المادية مثل طبيعة الله . لأنه من الغباء أن يفكر أحد مثل هذا التفكير . لأن الله هو روح ( أنظر يو 4 :۲۶ ) ، وطالما هو روح ، فهو يعرف كل شيء ، ويشرف على كل شيء ، ويعتني بكل شيء ، لأنه لا شيء من كل الموجودات التي توجد غير معروف لديه . لكن ، حين يتحدث الكتاب المقدس عن أعضاء أو جزيئات في نصوص تحدثنا عن الله ، يجب أن ندرك أنه يحدثنا مستخدماً تلك الأقوال التي يحتويها ذهننا و بالأشياء التي تكون بها جسدنا أثناء الخلق . لأنه لم يكن من الممكن بطريقة أخرى ( غير بشرية ) أن ندرك الألوهية . بناء على ذلك ، فالعلة والسبب الحقيقي الذي جعل الكتاب المقدس يحدثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية ، هو ضعف عقلنا ولغتنا . بدون شك الأمور المتعلقة بالله هي أبعد من أن توصف . وبالتأكيد لا يمكننا أن ندرك الأمور الهامة عن الله ، نحن الذين نحيا في أجساد مادية و سميكة ، إلا فقط ، إذا قبلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا . بمثل هذه الطريقة فقط ، يكون لدينا المقدرة أن ترتفع نحو مفاهیم سامية عن الله "[41]

يقول القديس ديديموس السكندري عن " الله ندم" :

"فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ." و "لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ». ( تك 6 : 6 ، ۷ ) ، وهذا موازٍ ل " وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ." (1 صم 15: 35). من الضروري القول بأن هذا ينسب إلى الله مشاعر إنسانية [ anthropopathos ] وأن المعنى ليس هو ما تفترضه الكلمات . عندما يتحدث الكتاب المقدس بطريقة مجازية عن اليدين أو القدمين أو العينين أو الأذنين ، لا يجب على المرء أن يعتقد أن الله له شكل إنساني ، لكن من الواضح أننا نفسر يديه كقدرته على العمل ، وعينيه على أنها تعبر عن حقيقة أنه لا يوجد لشيء مهرب منه, وكل عضو يكون مثال لقوة الله."[42]

"الشيء نفسه ينطبق علي تعبيرات "لقد تفكر في الأمر" و" ندم " . نفسرها على أنها مناسبة لكائن غير قابل للتغيير ، عندما يريد البشر أن يظهروا لأولئك الذين يرشدونهم عظم الخطيئة ، جعلهم يفهمون أنهم ارتكبوا أخطاء جسيمة ، وأنهم لا يستحقون تلقي التعليم ، فإنهم يقولون لهم : " أنا أتأسف لأنني علمتكم ذلك ، لجعلهم على بينة من الخطيئة ؛ هكذا يقال عن الله إنه " يندم ، ليس لأنه يخضع للأهواء ، ولكن لإظهار عظمة الخطيئة . فهو لم يكن في الواقع يجهل حقيقة أن البشر سيكونون مذنبين ، لكن في صلاحه أراد أن يرى ما إذا كانوا سيتجهون للفضيلة -أم لا- بحكم الناموس الموجود في فكرهم . دعنا نأخذ صورة لإظهار أنه لا يوجد أهواء بالله نفسه ، بل في أولئك الذين يغيرون مشاعرهم من نحوه ."[43]

ويقول ذهبي الفم في هذا الصدد:

"من هذه الكلمات "على صورتنا"  يريدون التحدث عن الإلهي في مصطلحات إنسانية [ anthropomorphon ] ، والذي يعد مثالا تاماً على الخطأ ، أي أن يصير في شكل إنساني من هو بلا شكل ، وبلا مظهر ، وبدون تغيير ، وإسناد الأطراف والأشكال إلى ذلك الذي ليس له جسد ما الذي يمكن أن يتطابق هذا الجنون ، فالناس لا يرفضون ببساطة جني أي ربح من تعاليم الكتاب المقدس الموحى به ، ولكن يتسببون في ضرر شديد منه.  

إذن ، إدراكنا لمحدوديتنا ، وحقيقة أن ما يقال يشير إلى الله ، يجعلنا نقبل الكلمات باعتبارها معادلة الشكل الأجسام وبنية الأطراف ، ولكن نفهم السرد كله بطريقة تتناسب مع الله [ theoprepos]] . لأن الإله بسيط وخالي من الأطراف والأشكال ؛ أيجب أن نشكل انطباعاً من أنفسنا ونريد أن نسند ترتيب أطرافه إلى الله ، سنكون بذلك في خطر الوقوع في عدم التوقير المدان به الوثنيين ."[44]

ويقول القديس يوحنا كاسيان:

" نحن نقع في خطأ كبير إذا حاولنا أن نفسر ما يقال عن الله في الأسفار المقدسة تفسيراً حرفياً نابعاً من الفكر الجسداني الذي يتصور أن الله ينام لأنه قيل " لا ينعس ولا ينام" (مز 121 :4) فالله لا ينام رغم أنه قيل " قم يا رب لماذا تنام" (مز44: 23) أو أن الله يقوم ويجلس " السموات هي كرسي الله والأرض هي موطئ قدمي" (مز 66: 1) أو أن الله يسكر ويشرب الخمر لأنه قيل : " قام الرب مثل الثمل ومثل جبار سكر بخمر(مز 78: 65) لأننا نعرف أن الله " له وحده عدم الموت ساكناً في نور لا يُدني منه( 1تي 6: 16) ولست أريد أن أتحدث عن صفات بشرية أخري مثل الجهل والنسيان الذي ينسب لله في الأسفار المقدسة وأيضاً ما ينسب له من أعضاء جسدية مثل الشعر الرأس الأنف العينين الوجه اليدين الذراعين الأصابع البطن والقدمين, لأننا لو فهمنا هذه الأعضاء حسب المعني الحرفي الحسّي , فإننا سوف ننتهي إلي أن الله مُكون من أعضاء جسدية وله شكل مادي محسوس, وحاشا لنا أن نصل لهذه النتيجة الشريرة"[45]

ويقول المطوب أغسطينس في هذا الصدد:

" مرة أخرى ، هذه الأمور سواء أكانت أقوالاً أم ما إذا كانت أفعال والتي يبدو أنها مخزية لعديم الخبرة ، والتي تنسب إلى الله ، أو إلى البشر الذين وضعت قداستهم أمامنا كمثال ، هي مجازية بالكامل ، والبذرة الخفية للمعنى الذي تحتويه هي أن يتم انتقاؤها كغذاء من أجل تغذية عمل الخير فينا "[46]

الغضب إلهي والأباثيا في الأرثوذوكسية الشرقية:

"لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،" (1تس5: 9).

                              العُنْف لَا مَكَانَ لَهُ فِي طَبِيعَة/شَخْصِيَّة الله            ( الرسالة إلى ديوغنيتوس)

فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟»

فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا!

لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ».

(لوقا9: 54 - 56)

الله لا يظهر لا في القوة ولا في العنف ...

الله في النسمة اللطيفة !! ...

الله وحده حي، ومن عرف ذلك لا يستطيع ان يعيش مع الأموات ...

يبقى الله، ويبقي الذين يحبونه، من خُطفت قلوبهم بالحب ...

لأنه إله السلام ... إله القلوب المُحبّة للسلام (المطران جورج خضر/ رعيتي)

لطالما في مجتمعنا الشرقي شبهنا الله بالأب , لكن أي أب ؟

بعض الأباء يستقون أبوتهم من أبوة الله الآب "الّذي منه تُدعى كلّ أبوّة في السّماء وعلى الأرض” (أفسس 3 : 15).

ولكن البعض إنحرف إلي القسوة الشديدة التي قد تجعله في لحظات غضبه يعذب أطفاله وقد ينهي علي حياتهم, وقد تأصل في مجتمعنا الشرقي الأبوي الطابع العنف كجزء أصيل من أجزاء التربية, فطفق الجميع يسلمون لبعضهم بعض هذا الإرث الأبوي من العنف كجزء أصيل من أجزاء التربية القويمة, ولكن هل بالفعل العنف قوة ؟

  • يجب أولاً أن نرسي بعض الحقائق عن جوهر الله المحبة غير المدركة وغير المتغيرة :

" كل من يحاول أن يغرس أن يغرس أي فكرة ما ضد محبة الله ... فهو متحالف مع الشيطان" [47]

(الخوف للقديس صفرونيوس)

" ينبغي ألا ينسب أحد القسوة إلي الله " [48]

ذهبي الفم و تفسير الاصحاح التاني لرسالة بولس الرسول إلي أهل أفسس – العظة الرابعة عن النص اليوناني

" الله لا يسكن حيث لا يوجد حب" [49]

يعقوب السروجي- عن مريم العذراء

"روح الله يميل إلي الرحمة وليس إلي القسوة"[50]

القديس امبروسيوس

" الله كان دائماً محبا وسيبقي كذلك علي الدوام وهو خالٍ من أي ميل للإنتقام"  [51]

الرسالة الي ديوجنيتوس الفصل الثامن

" الرب يسوع عنده محبة لنا, بها يجذبنا إلي نفسه , ولا يرعبنا لئلا نبتعد عنه " [52]

القديس امبروسيوس

وتوضيحا للفكرة يركز القديس باسيليوس الكبير يصر علي رفض تخيل الله في صورة مسبب للشرور أو الهلاك أو العذاب الأبدي ، لأننا بهذا نشوه صورته التي أقرها على نفسه أنه هو ذاته الحب :

" من يقول " ليس إله " هو الذي لا يملك عقل ولا حكمة ، كذلك من يقول الله مسبب الشرور " هو شبيه به ، لأن الأول والثاني ينكران الله صالح . فالأول يقول " لا يوجد إله " ، والآخر يقول أن الله ليس مالكا ؛ لأنه لو أن الله هو مسبب الشرور فهذا يعني أن الله ليس مالگا ، إذا هناك إنكار الله من كلا الجانبين . "[53]

(الله ليس مسببا للشرور )

ركز القديس اسحق السرياني علي رفض أي صورة تشوه رحمة الله قائلاً:

" ظلم أن نفكر أن الله يمكن أن يكون غير رحيم ! لأن خواص ( صفات ) الألوهية لا تتغير مثلما تتغير في المائتين ، الله لا يكتسب شيئا لم يكن له ، والله لا يفقد شيئا له" [54]

يجب أن نفرق بوضوح بين العدل القضائي وعدل الله:

فعدل الله معناه أن يعيد إستقامة المعوج أما العدل القضائي يعاقب المعوج وقد ينهي علي حياته.

ما شوه تلك الصورة هو محاولة تطبيق العدالة البشرية على عدالة الله ولهذا يقول اللاهوتي الأرثوذوكسي رومانیدس :

" لكي تفهم الكتاب المقدس علينا التخلي الكامل عن أي نظام للعدالة مما تعرفه بحسب الحياة البشرية بعيدا عن الله والتي تطالب بالعقاب والثواب طبقا للقوانين الوضعية" [55]

( مقالة العطية الأصلية في تعليم بولس الرسول)

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

" الكنيسة مستشفي وليست محكمة"[56]

وعن نقطة العدالة استفاض القديس اسحق السرياني شرحا ليؤكد خطورة سوء فهم الله بصورة المنتقم حين نحاول أن نتخيل عدله بصورة بشرية ، ويؤكد علي كونه حب ، وأن هذا الفكر الخاطيء يخالف منطق الحب فيقول:

" الحب لا يهدف أبدا إلى التعذيب ... أما من يعتقد أن الله منتقم باعتبار أن هذا يؤكد عدالته فإنه ذاته يتهم الله بأنه خال من أي صلاح ! إن الانتقام لا يوجد أبدا في ينبوع الحب والمحيط المملوء من الصلاح "[57] 

ويقول القديس اثناسيوس :

"نظرت إلى سوء أفعالي ولم تعالجني بالعقوبة ولم تهتك ستري عند وقعتي"[58]

 الصلوات السبع لايام الاسبوع مكتبة رير السريان العامر

يجب مراعاة مبدأ التنازل الإلهي عند تحدث الله معنا لكيما نستوعبه, فهو يستخدم مفرداتنا القاصرة لشرح الإلهيات:

فيقول العلامة أوريجانوس:

" عندما نكلم طفل عمره سنتان , نستخد لغة " طفولية" من أجل الطفل, لأنه إن التزمنا باللغة الناضجة وتحدقنا للطفل دون أن ننزل إلي طريقة كلامه لن يفهمنا. تخيل أن ما يحدث هو ذات الأمرفي حالة الله, حين يتعامل مع البشر وخاصة الذين مازالوا أطفالاً...ستجد العديد من الأمثلة في الكتب المقدسة حيث يسلك الله طرق شبيهة بالبشر! فإن سمعت عن "غضب" الله و " نقمته", لا تفكر في النقمة والغضب كمشاعر يجتازها !.. الله في الحقيقة ليس بناقم ولا غاضب"[59]

وهو ما أكده القديس كيرلس السكندري قائلاً:

" نجن نتكلم عنه بالأسلوب البشري لأنه لا توجد لدينا أية وسية أخري للتأمل في الأمور التي تعلو علينا"

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

" لا تأخذوا الكلمات بحسب الفهم الظاهر ، و لكن فسروا عمق معناها من خلال الفهم الإنساني المحدود . كما ترون ، إن لم يستعمل هذه العبارات فكيف كان من الممكن أن نفهم هذه الأسرار التي تفوق الوصف"[60]

ويقول القديس يوحنا كاسيان:

" نحن نقع في خطأ كبير إذا حاولنا أن نفسر ما يقال عن الله في الأسفار المقدسة تفسيراً حرفياً نابعاً من الفكر الجسداني الذي يتصور أن الله ينام لأنه قيل " لا ينعس ولا ينام" (مز 121 :4) فالله لا ينام رغم أنه قيل " قم يا رب لماذا تنام" (مز44: 23) أو أن الله يقوم ويجلس " السموات هي كرسي الله والأرض هي موطئ قدمي" (مز 66: 1) أو أن الله يسكر ويشرب الخمر لأنه قيل : " قام الرب مثل الثمل ومثل جبار سكر بخمر(مز 78: 65) لأننا نعرف أن الله " له وحده عدم الموت ساكناً في نور لا يُدني منه( 1تي 6: 16) ولست أريد أن أتحدث عن صفات بشرية أخري مثل الجهل والنسيان الذي ينسب لله في الأسفار المقدسة وأيضاً ما ينسب له من أعضاء جسدية مثل الشعر الرأس الأنف العينين الوجه اليدين الذراعين الأصابع البطن والقدمين, لأننا لو فهمنا هذه الأعضاء حسب المعني الحرفي الحسّي , فإننا سوف ننتهي إلي أن الله مُكون من أعضاء جسدية وله شكل مادي محسوس, وحاشا لنا أن نصل لهذه النتيجة الشريرة"[61]

الله غير المتغير لا يغضب غضباً إنفعالي كغضب البشر:

يقول ذهبي الفم في هذا الصدد:

" يا رب لأتؤدبني بغضبك و لا توبخني بغيظك "، فهو يحذر قائلا عندما تسمعون أي أمر عن الغضب والسخط من قبل الله ، لا تأتيكم فكرة تتعلق بأي شيء يماثل البشر ؛ فالكلمات ، كما ترون ، تأتي من مراعاة . فالطبيعة الإلهية ، على كل حال ، خالية من كل هذه المشاعر . على العكس من ذلك ، فهو يتحدث بهذه الطريقة لإحداث انطباع على عقول الناس الماديين بشدة . لأنه في حالتنا أيضا ، عندما نتحدث مع الأجانب ، نستخدم لغتهم ؛ وإذا تحدثنا مع الأطفال ، نتحدث بطريقة بسيطة معهم ، وحتى إذا کنا موهوبين للغاية ، فإننا نظهر مراعاة لحالتهم غير المتطورة . ما الذي يثير الدهشة في قيامنا بذلك عندما نفعله أيضا في عادتنا ، مثل عض أظافرك وتظاهرنا بالغضب ، كل ذلك من أجل تعليم الأطفال ؟ وبالمثل ، فإن الله ، الذي أراد أن يترك انطباعا لدى الناس الماديين ، استخدم مثل هذه الكلمات . لأنه في هذه الحالة ، كما ترى ، لم يكن اهتمامه بمجده بل بصالح مستمعيه" [62]

ويقول العلامة أوريجانوس في هذا الصدد:

”حينما تسمع عن غضب الله و سخطه لا تفهم ذلك بمعني ممارسة الله لمشاعر الغضب والحنق, يستخدم الله اللغة البشرية، والهدف هو تصحيح الأخطاء البشرية،كما يوجه الأب طفله. نحن أيضا يكون لنا وجه عنيف الملامح حينما نوجه أطفالنا، ليس لأن هذه هي مشاعرنا الحقيقية، و لكن من أجل نزولنا إلي مستواهم ، فإذا ما سمحنا لملامحنا الطيبة في الظهور علي وجوهنا نفسد الطفل. الله لا يغضب في الحقيقة، لكننا نختبر آثار غضبه حينما نقع في تجربة بسبب شرنا، هذا هو التأديب الذي ندعوه غضب الله." [63]

ويقول القديس اغناطيوس " الله لا يغضب علينا ، بل غضبه علي الشر ، لأنه بالتأكيد الألوهية لا تتعرض لآلام ( غضب ) وترغب في الانتقام" [64]

" كيف يمكننا الحديث عن الله بقولنا أنه يفرح بالأبرار ويظهر رحمته لمن يكرمونه, ويحجب وجهه عن الأشرار ويغضب علي الخطاة؟ الله صالح وهو فقط يمنح كل عطية صالحة ولا يمكن أن يقدم الضرر والأذي لأنه لا يمكنه أن يتغير "[65] 

أنطونيوس الكبير, الفيلوكاليا

ويقول القديس افرام السرياني نفس الكلمات : ” برغم أنه في حقيقته ليس فيه غضب أو ندم ، الا أنه يلبس تلك الأسماء بسبب ضعفنا " [66]

ويقول الأسقف كاليستوس وير أستاذ الدراسات الأرثوذوكسية بجامعة أكسفورد عن لغة المجاز في العهد القديم عن غضب الله وعقابه :

" إن اللغة التعليمية التي تستخدم المجاز ( والذي لا يجب أن تتحول إلى عقيدة بل تبقى کمجاز تعليمي ) هي لغة موجهة في العهد القديم إلى شعب غليظ الرقبة وعنيد ، لغة تشرح نتائج الشر بأسلوب وصور يمكن أن يتفهمها الإنسان الساقط ... ولكن الله ليس بمنتقم كالبشر "  [67]

وهو ذاته ما أكد عليه القديس القديس اسحق السرياني : " إن كنا نتخيل أن الغضب أو الغيرة أو ما يشابه له أي صلة بالطبيعة الإلهية فهذا شئ كريه بالمرة لنا ، لا يوجد عاقل عنده فهم بالمرة ويمكنه أن يتصور بهذا الجنون شيئا مثل هذا من الله ، ولا تستطيع أيضا أن نقول أنه من قبيل العقوبة يتصرف ، حتى ولو كان الكتاب المقدس من الظاهر يعلن ذلك ، فمجرد التفكير هكذا عن الله وتوقع أن عقوبة الشر موجودة عنده شئ كريه ... لأنه تجديف أن نظن أن الله يكره أو أنه يرفض الخليقة[68] 

" الله لا يمكن أن يوجد ميالاً بأي نزعات غير عاقلة ضد الذين يرفضون محبته, لأن مثل هذه الميول غير العاقلة إنما تلائم البشر فقط! إن الله معصوم تماماً من كل إنحراف عاطفي أو شهوة إنه الفضيلة ذاتها في كل صورها...وعاطفته خالية من أي لوم"[69] 

كيرلس السكندري – تفسير بشارة يوحنا 21: 24

الغضب هو جحيم إرادتنا الشخصية , حين نقرر أن ننأي بأنفسنا عن محبة الله فيسود الشر علينا, ويتكاثف الظلام المنبعث إلينا من داخلنا ليخنقنا:

كما يقول القديس كيرلس السكندري:

"عِنْدَمَا نُقُول: "أَنْت سَخِطْتَ/غَضِبَتْ إِذْ أَخْطَأْنَا"، نَقْصِدُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْمُلْنَا عَطْفُ الرَّبِّ، فَلَنْ يَكُونَ أَمَامَ الخَطِّيَّةَ أَيُّ عَائِقٌ يَمْنَعُهَا عَنْ تَعْذِيبِنَا، وَذَلِكَ بِسَبَبِ ضعفِ طَبِيعَتِنَا، مِمَّا يَقُودُ إِلَى سِيَادَةِ الشَّر عَلَيْنَا".

" عندما تجمع النفس في داخلها أعمالاً شريرة كثيفة وخطايا عديدة يأتي وقت تغلي فيه هذه الشرور...عندما تجد النفس أنها خرجت من الترتيب والتدبير الكامل الإنسجام مع ذاتها سوف تتحمل النفس آلام العقوبة التي جلبتها علي ذاتها بخروجها الحر وسوف تشعر بعقوبة تغربها وتشتتها خارج هذا التدبير" [70]

اوريجانوس

" إن الله ليس هو من يعادينا , ولكن نحن من نفعل! الله لا يعادي قط! "[71]

(يوحنا ذهبي الفم)

الغضب هو الإبتعاد عن النور الغير مدني منه:

"وبينما سائر العالم يضيئه نور ساطع،

كان أولئك الناس وحدهم تحت ظلام ليل كثيف،

وكانوا على أنفسهم أثقل من أي ظلام.."

(حك١٧: ٢٠، ٢١)

ويقول القديس ذهبي الفم:

"وحتى بالنسبة لاولئك الذين اخطاوا في حقه،فالله لا يعاقب من اجل نفع شخصى ،لانه لا يوجد ضرر يمكن ان يصيب تلك الطبيعة الالهية،لكنه يعمل من اجل مصلحتنا ،حتى يمنع ان يزداد انحرافنا سوءا باحتقارنا واهمالنا له...وكما ان الشخص الذى يضع نفسه خارج النور لا يلحق اى ضرر بالنور،بل يضر نفسه بتواجدها في الظلام ،هكذا ايضا من اعتاد ان يحتقر تلك القوة القادرة على كل شىء ،لا يلحق اى ضرر بالقوة ،بل يلحق اكبر اذى ممكن بذاته...." [72]

حب الله يمثل للبعيدين عذاباً, فيعيشون في الم الحرمان منه, فهذا هو الغضب:

" كيف تريد أن تري سطوع الشمس بعينين مريضتين؟! اعمل علي أن تكون عينيك سليمتين فتفرح بالنور. أما إذا كانتا مريضتين فالنور عذاب لهما " [73]

اغسطينوس- خواطر فيلسوف في الحياة الروحية – الكتاب الخامس – الفصل العاشر, 291

" الحب يعمل بطريقتين مختلفتين, فإنعه يصبح عذاباً في الهالكين وفرحاً في المطوبين" [74]

كوستي باندلي- الله والشر والمصير – 178

" في جهنم يعذبون بعذاب الحب, فما هو الأكثر مرارة والأِد من عقاب الحب؟ أعني هؤلاء الذيتن أصبحوا مدركين أنهم أخطأوا تجاه الحب, فإنهم يعاينون بهذا عذاب أكثر من عذاب أي خوف من العقاب! لأن الألم الناتج في القلب من الخطية ضد الحب أكثر حدة من أي عذاب"[75]

اسحق السرياني

"عرف آدم أب كل البشرية لطف وعذوبة حب الله في الفردوس, وهكذا توجَّع بمرارة, عندما طُرد من جنة عدن بسبب خطيئته وخسر حب الله. فإنتحب بزفرات عظيمة, وملأ عويله كل الصحراء لأن روحه كانت معذبة بالفكر التالي: " إني أغضبت الله الذي أحبه ويحبني". لم يندم آدم كثيراً علي فقدان الجنة وجمالها, لكنه ندم لأنه خسر حب الله الذي في كل لحظة يشد الروح إليه بدون توقف. كذلك كل نفس عرفت الله بالروح القدس , ثم فقدت النعمة, تمر بالعذابات التي مر بها آدم. الروح مريضة وتُجرَّب بندم مؤلم لأنها جرحت حب سيدها" [76]

(سلوان الأثوسي)

" ستشعر بالعذاب أكثر من أي عقاب, وتحزن وتبكي, بل وتعتبر ذلك موتاً متكرراً...فإن فكرة وجود ملكوت الله كافية لفنائك وهلاكك إذا ما وُجِد وكنت محروماً منه" [77]

(ذهبي الفم- تفسير الاصحاح الثاني من رسالة بولس الرسول الي أهل أفسس- العظة الرابعة)

يقول القديس يوحنا الدمشقي موضحا إن العذاب ليس عقاب إلهي ، بل عدم إمكانية الشركة في الله والتمتع والتلذذ به :

 "الله لا يعاقب أحد في المستقبل ، لكن الجميع يجعلوا أنفسهم مستقبلين للشركة في الله . فالشركة في الله فرح ، بينما عدم الشركة فيه هي الجحيم" [78]

يقول القديس غريغوريوس النيصي : " النفس هي التي تحمل علامات تغربها . و هذه النفس هي التي بنفسها تدين ذاتها بشدة من أجل إهمالها . و سوف تصرخ وتبكي وترثي الحالها خارجا للأبد" [79]

"فالنفس هي من تشعل نارها لذاتها ولا يضرمها آخر لها كما أكد العلامة أوريجانوس " فلننظر في ما قد تعني النار الأبدية . إننا نجد بالواقع ، في اشعياء النبي إشارة إلي أن نار العقاب ملازمة كل إنسان : أدخلوا في لهيب ناركم و في الشر الذي أضرمتم ( اش 50 : 11 ) . فهذه الكلمات تبدو وكأنها تبوح بأن كل إنسان إنما يوقد لنفسه شرر نار تلازمه ، بدل أن يزج في نار أخري أضرمها سواه من قبل وتتقدم في الوجود عليه . إن هذه النار ، والمادة التي تغذيها ، هما خطايانا التي يسميها بولس الرسول خشبة وتبنة وحشيشة ( 1 كو 12 : 3 )[80]

 المبادئ للعلامة أور جینوس 2 ، 4:10

" لا يوجد إنسان مُبعَد عن حب الله, ولا يوجد مكان يخلو من حب الله, ولكن كل من بتعمده يختار الشر بدلاً من الخير يحرم نفسه من رحمة الله...إنه ذات الحب الإلهب الذي يكون مصدر النعيم والعزاء للصالحين في الفردوس يصير هو نفسه مصدر عذاب للخطاة, لأنهم لا يستطيعون المشاركة فيه ويبقون خارجه "[81] 

(ماراسحق السرياني)

"إنه من الخطأ أن نظن أن الخطاة في الجحيم مُبعدين عن حب الله! الحب هو ابن معرفة الحق, وأنه -لا جدال-مُعطي للجميع , ولكن قوة الحب تعمل في طريقين: تُعذِب الخطاة وفي نفس الوقت تسر من عاشوا وفق الحب" [82]

(عظة 84 من ميامر ماراسحق السرياني)

الله لا يريد أن يعبده الناس عن خوف وعدم حرية, بل يريد شركة الحب الحر:

" أين العظمة في أن يخشى الإنسان عقابا إلهيا ؟! من يفعل هذا يكون مثل العبد الخاطئ أو اللص الشريرلا عظمة في أن يخشی الإنسان عقابا ، إنما العظمة في أن يحب الله ، وكل من يحب الله [ البر ] لا يخشي عقابا ، بل يخشى فقدان الله (البر) ... الفرق بين خوفك وخوف اللص ، هو أن اللص يخشى قوانين البشر فيسرق طامعا في أن يخدعها ، وأنت بخوفك من عقوبة مثله ، تخشى شرائع  وتخشى بالأكثر عدم استطاعتك خداع الله ، لكن فكر : " إن استطعت أن تغش الله ، ألن تغشه ؟ ..... إن الإنسان الصالح يخشى أن يُحزِن معشوقه ... فإن استمريت في فعل الخير خوفاً من الهلاك فلست من أبناء الله!  حتي متي تخشي عقابا ؟! الخوف عبودية والحب حرية"[83]

خواطر فیلسوف في الحياة الروحية ، الكتاب الأول ، الفصل الثالث ، عظة عن الخوف

" الجسديين , الذين يفكرون جسدياً, لا يزالوا تحت نير الخوف من العقاب... أما الروحيين الذين يفكرون روحياً....فإنكشفت لهم الأسرار المُوحاة, وقد تحرروا بهبة المحبة...اتخذ ذاك الحب هدفاً!"[84]

اغسطينوس- تعليم المبتدئين أصول الدين 1 :8

وفي الختام لن نجد أبلغ من هذا القول للقديس أنطونيوس ليجمل كل ما توصلنا إليه بصدد غضب الله:

" ان الله صالح ،وهو فقط يمنح بركاته ،ولا يؤذى ابدا، فهو يبقى دائما كما هو ،ولكننا نحن البشر على الجانب الاخر ،ان ظللنا صالحين من خلال التشبه بالله نظل متحدين به ،ولكن ان صرنا اشرارا بعدم التشبه بالله ننفصل عنه ..بالحياة في القداسة نلتصق بالله وبالشر نجعله عدونا ليس لانه صار غاضبا منا في صورة حكم ،ولكن لان خطايانا فد منعت نور الله ان يسطع فينا وتعرضنا للشباطين ليعذبونا...وان قلنا ان الله هو الذى يتحول بعيدا عن الاشرار،نكون كمن يقول ان الشمس هى التى تحجب نورها عن الشخص الاعمى ..."


الحرف والروح:

هذه الكلمات هي لأصدقاء الحرف ،

 الذين لا يعتقدوا أن الناموس روحي ، وأنه يجب فهمه روحیا ۔ ولكننا ،

نحن الذين تعلمنا أن كل ما هو مكتوب ليس لرواية التاريخ القديم ، بل لتأديبنا ومنفعتنا ،

ونفهم أن هذه الأشياء التي يقال إنها تحدث الآن ليس فقط في هذا العالم ، الذي يدعي مجازيا مصر ،

 ولكن في داخل كل واحد منا أيضا

. أوريجينوس ، العظات على الخروج ۱ : 2

 القديس ايريناؤس أشار من قبل إلي مثل ينم عن أهمية فهم النص الكتابي في تجريده فيقول فيه أن كانت هناك صورة جميلة جداً للملك مصنوعة من قطع الفسيفساء فجاء أحدهم و أعاد ترتيب هذه القطع ليخرج منها  صورة ذئب أو ثعبان, هكذا هو النص الكتابي إن لم يفهم جيداً سيشوه صورة الله فينا و ويؤدي بنا إلي تجديف شنيع.

فإن القديس أوريجانوس في تفسيره لهذه الآيات" ( 2كورنثوس3: 15-18)  لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ.وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ. وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.

 رابطاً إياها بالآية من سفر النشيد حيث يصور فيها العريس " طافرا علي الجبال , قافزاً علي التلال" يقول:

"هذا التنبؤ ، الذي قرأناه في العهد القديم ، علیه برقع ، ولكن عندما يتم إزالة البرقع العروس و بالنسبة للكنيسة التي تحولت إلى الله ، تراه فجأة وهو يقفز فوق تلك الجبال ؛ أي أسفار الناموس ، وعلى تلال الكتابات النبوية . إنه واضح للغاية ، ويظهر بشكل جلي ، بدلا من أن يظهر لها فقط عند قلب صفحات الأنبياء واحدا تلو الآخر ، على سبيل المثال ، تجد المسيح جليا فيها ، والآن بعد أن تم إزالة البرقع الذي حجبها من قبل ، فإنها تتفحصه . ونستخرجه جليا من مقاطع فردية في قراءتها ، وتدرك الأمر للخروج منها بتجل واضح الآن."[85]

كما يفسر المفسرون البرقع علي أنه ضعف الإيمان :

جيروم : حجاب الهيكل ممزق ، لأن ما كان محتجبا عند اليهودية قد کشف أمام جميع الأمم ؛ انشق الحجاب وكشفت أسرار الناموس للمؤمنين ، لكن بالنسبة لغير المؤمنين فإنهم محتجبون حتى يومنا هذا . عندما يقرأ العهد القديم بصوت عال من قبل اليهود في كل يوم سبت ، وفقا لشهادة الرسول : فالبرقع يغطي قلوبهم . يقرأون الناموس ، صحیح بما فيه الكفاية ، لكنهم لا يفهمون لأن عيونهم لديها غمامة لدرجة أنهم لا يستطيعون الرؤية, هم في الواقع مثل أولئك الذين يقول الكتاب المقدس عنهم " لهم عيون لكنهم لا يبصرون؛ لديهم آذان ولكن لا يسمعون"[86]

ولكن بما إن اللغة المعبر عنها في الكتاب لغة بشرية محدودة, وبما أن الذهن محدود الإدراك أمام الإلهيات, لذا فنحن نحتاج أن نخضع أذهاننا للروح الذي أوحي بالكلمة والذي يعلمنا المعني الحقيقي لها كفعل إستنارة فيهمس في قلوبنا بهذا السر الذي يفوق العقل, سر الإنجيل!

فنصوص الإنجيل ليست مجرد كلمات علي ورق, لكنها حية وفعالة وتلد من نفسها بنين لله, معطية روح وحياة وقدرة علي الخلق وتحقيق الفعل الإلهي الذي تحتويه كلماتها.كما يقول القديس بطرس: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ." (1 بط 1: 23).

 

ويقول القديس ايريناؤس:

" المسيح هو الكنز المُخفي في الحقل , والحقل هو الأسفار"[87]

ويقول اللاهوتي السويسري بلتزار:

"نحن نعود إلي الواحد الله لا عن تنازل في الفكربل للوصول إلي الأصل. فنحن مشتتون علي شواطئ العقلانية, ونعود لنبحث عن صخرة السر."[88]

ويكتب أوريجانوس السكندري فيقول:

"طوبي لتلك العيون التي تري داخلياً الروح الالهي المُخفي في حجاب الحرف, ومبارك الذين يأتون بأذان نقية ليسمعهوا هذه الأمور. وإلا فإنهم سوف يدركون علانية هذا الحرف الذي يقتل في تلك الكلمات عينها."[89]

ويقول الراهب سارافيم البراموسي:

" إن حديثنا عن سر الإنجيل ليس نوعاً من التصوف الروحي بقدر ما هو المواجهة الحقيقة الإلهية باتساعها غير المحدود. أمام سعة الحق, يبقي الإنجيل سراً لأنه لا يعبر فقط عما نفهمه الآن وفي تلك اللحظة بعينها , ولكنه يجدد مفاهيمنا إلي نهاية الحياة دونما نضوب كما يحدث مع كثير من كلمات البشر."[90]

كتب أفراهات السرياني عن تلك الحقيقة قائلاً:

"إن امتد عمر إنسان ليكون معادلاً لعمر العالم منذ آدم وحتي منهي الدهور, و آل علي نفسه الجلوس والتأمل في النصوص المقدسة, لن يتمكن من إدراك كل قوة عمق الكلمات. كما أن الإنسان لن يكون باستطاعته أن يرتقي إلي حكمة الله."[91]

ويقول القديس أوريجانوس إجمالاً ليحسم هذه القضية:

" إن قنينة الناموس هي الحرف, التي يشرب منها هؤلاء الأشخاص الجسديون, ومن ثم يتلقون الفهم. زهذا الحرف غالباً ما يخذلهم. فهو لا يمكنه أن يبرر نفسه؛ لأن الفهم التاريخي معيب في العديد من الأشياء. لكن الكنيسة تشرب من الينابيع الإنجيلية والرسولية التي لا تفشل أو تخزي أبداً, ولكنها " تجري في شوارعها" ( أم 5: 16), لأنها كثيراً ما تكون كثيرة وتتدفق في نطاق التفسير الروحي. وتشرب الكنيسة أيضاً من "الأبار" عندما تستقي وتفحص أشياء أعمق من الناموس."[92]


طرق تفسير النص الكتابي

النص الكتابي ليس نصاً أحادي الوجه ,بل يتكون من عدة طبقات نستطيع تشريحها بطرق التفسير المختلفة:

أولاً : التفسير الحرفي

ثانياً: التفسير الرمزي[93] وينقسم إلي :

تفسير رمزي نماذجي (Typology): يوجد تطابق أو تماثل طبيعي بين الرمز النماذجي ( type ) والمرموز إليه نماذجا ( anti - type ), يتطلع إلي الأمام , ذا طابع نبوي , يشير إلي المرموز إليه , يصل إلي كمال تحقيقه في المرموزإليه, وبالتالي فإن المرموز إليه أعظم من الرمز

تفسير رمزي إستعاري (Allegory): يوجد معنى خفي فيما وراء النص, يعلن بالروح للمفسر, والحكماء فقط هم من يستطيعون إكتشافه. وهنا نرى أن هذا المعنى غير مباشر في النص الكتابي ، وإنما يعبر عن قناعة آباء الكنيسة انطلاقا من عقيدتهم بأهمية استخدام العقل كخادم للإيمان.

تفسير رمزي دلالي (Symbolism):  الرقم 7 يرمز إلي الكمال

ثالثاً: التفسير الأخروي (eschatology):

ولنتخذ يونان النبي كمثال, فيونان شخصية حقيقية تاريخية (Historical) , وهو نموذج للمسيح (type) , ومكوثه في جوف الحوت ثلاثة أيام هو مثال لمكوث المسيح في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليالي ( allegorical), والقصة ذات بُعد أخروي تشير إلي القيامة (eschatology).

ولكي نتمكن من التعامل من النص الكتابي بشكل صحيح يجب أن ندرك أن المسيح هو مفتاح الكتاب المقدس بعهديه, فقراءة الكتاب بعيداً عن عدسة الإبن الوحيد هو تيه عظيم.:

فيقول الأب سارافيم البراموسي:

" المسيح هو المركز الحقيقي للنص الكتابي,

والذي بدونه تبقي النبوات ألغاز ,

ويبقي التاريخ معاناة,

  وتبقي الوصية ثقل ,

 بل وتبقي التقوي إستثناء" [94]

كما يقول القديس كيرلس الكبير:

"لغة الأنبياء القديسين دائماً سريّة ذات معني خفي.

إن الأنبياء مغرمون دائماً

بتذكر كون المسيح غاية نبوتهم؛

فهم يشرحون سره

ولكن ساترين عليه بالكثير من الغموض"[95]

وفي مقدمة كتابه الجلافيرا يشرح القديس كيرلس طريقته في التعاطي مع النص الكتابي فيقول:

" سوف نشرح أولاً بطريقة نافعة

الحقائق المتصلة بالتاريخ.

سوف نشرحها بطريقة مناسبة,

ثم سنحول القصة, من حيث كونها مثالاً وظلاً,

موضحين إياها,

وحديثنا في هذا الإطار سيتركز صوب سر المسيح

وجعله منتهي غاية التأمل.

لأن المسيح بالحقيقة هو غاية الناموس والأنبياء" [96]

وبتعبير جون ستوت فإن الكتاب هو" رسم مصوَّر ليسوع المسيح,...فإن كل جزء من الكتاب المقدسة يسهم بنصيب في تقديم صورة كاملة عن يسوع المسيح...و من ثم لا نملك أن نفصل المسيح عن الكتاب المقدس"

- في تقليدنا الأرثوذوكسي, ننظر إلي العهد القديم وأسفار الناموس ونفسرهم من خلال العهد الجديد وليس العكس, فالقديم هو ظل الحقيقة والجديد تمام الإعلان وإكتماله, فإن قرأنا العهد القديم وأسفار الناموس بعيداً عن الإعلان المكتمل في تجسد المسيح وعمل الروح في الكنيسة الأولي نصير يهوداً , وتنغلق الكلمة أمامنا فلا تكشف لنا عن أسرارها .فيقول القديس أغسطينوس في هذا الصدد:

"العهد القديم معلن في الجديد

والجديد محتجب في القديم"[97]

فالجديد في القديم مُحوي, والقديم في الجديد مشروح.


لقد استخدم ربنا يسوع طريقة تفسير الكتاب المقدس بالكتاب المقدس في صدد حديثه عن الآيات في( متي5: 31-32) :

«وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي."

 يسوع هنا لم ينقض الناموس أو يتعارض معه لكنه يستخدم المبدأ القائل بأن الله هو المؤلف الرئيسي للأسفار المقدسة , وهنا يستشهد بسفر التكوين ضد سفر التثنية.

ينظر كروماتيوس أسقف كويلا  إلي يسوع أنه يستعيد تصميم الله الأصلي للبشرية:

"في كل الأمور ، إصلاحات ربنا ومخلصنا هي من أجل تحسين عدالة الناموس القديم . في الواقع يبدو أنه منذ فترة طويلة منح موسی کتاب طلاق للشعب اليهودي الذي كان يعيش بلا رحمة ويخدم ملذاته . لم يكن هذا بسبب نظام الناموس ولكن بسبب الشهوة الجامحة لشعب جسدي غير قادر على التمسك ببر الناموس وفقاً لمعايير صارمة .

هذا الامتياز كان مسموحا به ، وفقا لما قاله الرب نفسه في موضع آخر في رده على الصدوقيين عندما سألوا لماذا سمح موسی بمنح كتاب طلاق ، أجاب الرب : "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا." ( مت ۱۹ : ۸ ) ۔ والآن ، ليس بدون سبب وجيه ، يقوم ربنا ومخلصنا ، بإزالة هذا الأمر ، بل لاستعادة مبادئ دستوره السابق . لأنه يأمر بأن يتم الحفاظ على العفة الزوجية بموجب ناموس غير قابل للحل ، مما يدل على أن ناموس الزواج كان هو أول من وضعه بنفسه . لأنه قال : فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ."[98]

 ( مت ۱۹ : 6 ؛ مر ۹:۱۰ ) .

-        الكثير من آيات العهد الجديد توضح أن المسيح أعظم من جميع شخصيات العهد القديم مثل :متي 12: 41-42

"رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا!"

يقدم أوريجينوس تفسيرا رمزيا تكون فيه ملكة التيمن هي الكنيسة التي تعطي تقدمات روحية وسليمان الحقيقي هو المسيح :

 "كنيسة الأمم ، التي تجمعت بالحقيقة من أقاصي الأرض ، تمثل ملكة التيمن ، لا تقدم عطايا من أشياء فانية وفضة وتوابل ، لكن تقدم الإيمان ، وبخور المعرفة ، وفيضاً من التقدمات ، وحلاوة الفضائل ودماء الشهادة . لأنه بهذه الهبات ، يُسر سليمان الحقيقي ، وهو المسيح ،  " سلامنا " ( أف 2: 14 ) . لأن تفسير اسم سليمان هو المسالم"[99]

ويوضح الأباء تفوق المسيح عن يونان رمزياً:

فيفسر القديس يوحنا ذهبي الفم :

"لأن يونان كان خادماً ، لكنني السيد ؛ وقد خرج من السمكة العظيمة ولكنني قمت من الموت . لقد أعلن الدمار ، لكنني قادم للتبشير بالأخبار السارة للملكوت . لقد آمنت نينوى بالفعل بدون آية ، لكنني عرضت العديد من الآيات . لم يسمعوا أكثر من تلك الكلمات ، لكنني جعلت من المستحيل إنكار الحقيقة . لقد أتى أهل نينوى ليُخدموا ، لكنني ، السيد ورب الكل ، لم أقدم تهديداً ، ولم أطلب حساباً ، بل أتقدم بالغفران . لقد كانوا برابرة ، لكن هؤلاء المؤمنين تحدثوا مع أنبياء لا يحصون . ولم يتنبأ يونان بأي شيء مقدماً لكن كل شيء قد قيل عني ، وكل الحقائق تتفق مع أقوالهم . وفي الواقع ، عندما كان من المفترض من یونان الذهاب ، هرب بدلاً من ذلك خوفاً من تعرضه للسخرية . لكنني ، وأنا أعلم أنني سأصلب وسُيسخر مني ، أتيت . في حين أن يونان لم يتحمل اللوم من أولئك الذين خلصوا,  فقد خضعت الموت ، وقد كان موتاً فائق الخزي ، وبعد ذلك أرسلت آخرين مرة أخرى . وكان یونان شخصا غريباً بالنسبة لأهل نينوى ، ولم يكن معروفاً ؛ لكنني كنت قريبا بالجسد وبالنسب ."[100]

و القديس كيرلس الإسكندري :

" إذا أُخذ يونان کأنه مثال المسيح ، فلن يؤخذ من جميع النواحي - لقد أُرسل للتبشير إلى نينوى ، لكنه سعي إلى الخروج من حضرة الله ( یونان ۱ : ۲-۳ ) . وشوهد يتهرب من الذهاب إلى الشرق . لقد أُرسل الابن أيضا من الله الآب ليعظ للأمم ، لكنه لم يكن ممانعاً في تولي هذه الخدمة . يناشد النبي أولئك الذين يبحرون معه أن يرموه في البحر ( یونان 1 : 12 ) ، ثم ابتلعته سمكة كبيرة ، ثم بعد ثلاثة أيام بصقته وذهب بعد ذلك إلى نينوى وأتم خدمته . لكنه كان يشعر بالمرارة لأن الله أشفق على أهل نينوى . لقد جاز المسيح الموت عن طيب خاطر ، وظل في قلب الأرض ، وعاد إلى الحياة وبعد ذلك ذهب إلى الجليل ، وأمر أن تبدأ كرازة الأمم . لكنه لم يشعر بالحزن في أن يرى أولئك الذين تم استدعاؤهم لمعرفة الحقيقة قد خلصوا تماماً .

كما هو الحال مع النحل في الحقل ، عندما يحوم حول الزهور ، يجتمع دائما حول ما هو مفيد في صنع خلايا النحل ، كذلك نحن أيضا ، عند البحث في الكتب المقدسة الموحى بها من الله ، تحتاج دائما إلى جمع وتحصيل ما هو مثالي من أجل شرح أسرار المسيح وتفسير الكلمة بالكامل دون سبب للتوبيخ "

بولس, رسول الأمم !

الوعي اللاهوتي المسيحي عند بولس

 قد انفتح علي مصراعيه بظهور المسيح له من السماء

والتكلم معه,

 إلا أن منهجه الروحي كان وليد حركة بطيئة,

وقد استلهمه من المسيح رأساً... بإعلان يسوع المسيح (غل 1: 11, 12)

الأب متي المسكين, القديس بولس الرسول: حياته لاهوته أعماله

بولس الرسول " مُعَلِّمًا لِلأُمَمِ فِي الإِيمَانِ وَالْحَقِّ." (1تي2: 7)

علّم الكنيسة التي جمعها من الأمم كيف ينبغي لها أن تفسر الناموس.

أوريجانوس, العظة 105 علي سفر الخروج

          لعل بولس هو من أهم النماذج علي التغيير الجذري الذي يحل  بطريقة قراءة كتب الناموس (في معرفة المسيح), فقبل قبوله الدعوة كان يقرأ الكتاب كيهودي ,وذلك أفرز لنا شخصية شاول المعلم الديني المتعصب بشدة لحرفية ناموسه ,القاتل في سبيل إرضاء الله, الدموي في سبيل إعلاء راية الحق التوراتي وتحقيق الناموس , ولكن بعدما تقابل مع المسيح وولد من الروح , وسقطت الغشاوة من عينيه فأبصر وامتلأ من الروح القدس[101], قرأ بولس الناموس بمنظار المسيح, فأصبح لدينا بولس, رسول الأمم , بنعمة ربنا يسوع المسيح.

فيكتب العالم  C.H. Dodd  في هذا الصدد:

"من خلال تواصل بولس مع يسوع

وجد مركزاً جديداً

منه يمكن أن يتأمل في الحياة والعالم

حينما نظر من هذا المركز الجديد

وجد أن الله أعلن ذاته بكل خبرة,

بطرق جديدة ومدهشة"[102]

  • ففي رسالته الأولي إلي مدينة كورنثوس ( 9: 8-10 ):يقول:

"ألَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَإِنْسَانٍ؟ أَمْ لَيْسَ النَّامُوسُ أَيْضًا يَقُولُ هذَا؟ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ مُوسَى: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا». أَلَعَلَّ اللهَ تُهِمُّهُ الثِّيرَانُ؟ أَمْ يَقُولُ مُطْلَقًا مِنْ أَجْلِنَا؟ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ."

بالنسبة إلى أوريجينوس ، هذا أحد النصوص العديدة التي تشير إلى كيفية تفسير أحكام العهد القديم في الناموس . ورداً على اعتراضات کلسوس على التفسير الرمزي قائلاً :

 " فهو لم يفحص كلامهم ومظاهرهم ليروا ماذا يعنون . لكان قد رأى أن الله لا يهتم بالثيران حتى عندما يبدو أنه يضع قوانین بشأن الثيران أو غيرها من الحيوانات غير العاقلة . لكن القوانين ذات المظهر الخارجي التي تتعلق بالحيوانات غير العاقلة كانت مكتوبة من أجل البشر وتتضمن تعاليم معينة عن الطبيعة."[103]

 

في عمله المبكر في المبادئ الأولى ( De Principis ) ، ذكر أوريجينوس نفس المقطع وقال :

"هنا برهانا واضحا أن الله الذي أعطى الناموس وقد قال لأجلنا ، نحن رسله : لا تكم الثور الذي يدوس البيدر ، لأنه لا يهمه أمر الثيران ، بل يهمه أمر الرسل الذين يبشرون بإنجيل المسيح "[104]

ولاحقا في هذا العمل ، مستشهدا بالفقرة نفسها ، يقول :

" ومعظم التفسيرات التي تم تبنيها من الجمع هي متداولة والتي تهذب أولئك الذين لا يستطيعون فهم المعاني الأعلى لها نفس النسق ".[105]

في عظاته علي أسفار الناموس الأخري يستدعي أوريجينوس النص كمبدأ ، قائلاً :

 " بطريقة مماثلة ، لا يهتم الله بالأغنام أو الطيور والحيوانات الأخرى ، ولكن يجب أن يفسر ما مكتوب عنهم على أنه قد كتب للبشر ."[106]

وبعد الاستشهاد بهذا من بين نصوص أخرى مماثلة ، يصرح أوريجينوس :

 " الناموس ، الذي أطلق بولس عليه روحي ، يُفهم هكذا ، ويسوع نفسه هو الذي يلقي هذه الأشياء في آذان جميع الناس ، يناشدنا أننا لا نتبع الحرف الذي يقتل بل نتمسك  بالروح الواهب للحياة"

في كورنثوس الأولي( 10: 1- 11)

"فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ،وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ.

 لكِنْ بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ، لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ.وَهذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالًا لَنَا، حَتَّى لاَ نَكُونَ نَحْنُ مُشْتَهِينَ شُرُورًا كَمَا اشْتَهَى أُولئِكَ. فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ». وَلاَ نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَسَقَطَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ. وَلاَ تَتَذَمَّرُوا كَمَا تَذَمَّرَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَهُمُ الْمُهْلِكُ. فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالًا، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ."

في العظة الخامسة علي سفر الخروج, يربط أوريجانوس بإختصار الأحداث التي وقعت في ( خر 12-17 ) : حيث إن أطفال إسرائيل غادروا مصر , من رعمسيس,ثم من سکوت ، وقد سبقتهم السحابة ولحقتهم الصخور التي شربوا منها المياه وأخيراً عبروا البحر الأحمر وجاءوا إلى صحراء سيناء . اليهود ، كما يقول ، يتقبلون هذا ببساطة باعتباره سرداً تاريخياً . ثم يستشهد بكورنثوس الأولى( ۱۰ : ۱- 4) لإظهار "أي نوع من التفاسير علمنا الرسول حول هذه الأمور" . تم عرض استنتاجه على شكل سؤال :

" ألا ترى كيف يختلف تعلیم بولس عن المعنى الحرفي ؟ فما يفترضه اليهود عبور للبحر ، يدعوه بولس معمودية . ما يفترضون أنه سحابة ، يؤكد بولس على أنه الروح القدس."[107]

 تم عرض استنتاجه اللاحق أيضا في هيئة سؤال :

"ألا يبدو من الصواب أننا نطبق بشكل مماثل على فقرات أخرى هذا النوع من التفسير الذي تم تسليمه إلينا في بطريقة مماثلة  في مقاطع أخري؟"[108]

ثم يعطي أوريجينوس تفسيره الخاص لهذا الجزء من الخروج . حيث أثبت بالفعل أن الخروج من مصر يجب أن يُفسر روحياً ، أي من حيث رحلة النفس الفردية . يقول إن رعمسيس تعني " هياج السوس ". ثم ينتقل ، بالاقتران مع كلمة " السوس " ، إلى نص مت 6: 20:"  بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ " ، و يدمج هذا في التفسير البولسي .:

"غادر من رعمسیس ، إذن ، إذا كنت ترغب في المجيء إلى هذا المكان ، لكي يكون الرب قائداً لك ويسبقك في عمود الغمام ، ولكي تتبعك الصخرة ، التي تقدم لك طعاماً روحياً ومشروباً روحياً ‘ ‘ لا أقل . ولا يجب أن تكنز الكنز " هناك حيث يفسده السوس واللصوص يسرقونه " . هذا ما يقوله الرب بوضوح في الأناجيل : ” إذا كنت ترغب في أن تكون كاملاً ، فبع كل مالك وأعط الفقراء سيكون له كنزاً في السماء ؛ وتعال ، اتبعني . لذلك هذا هو الخروج من رعمسيس واتباع المسيح ."[109]

لقد قرأ أوريجينوس هنا محتوى تعليم العهد الجديد في نص العهد القديم . استخدام الأصل اللغوي يولد معني ، والذي يعمل كجسر لنص العهد الجديد ، باستخدام مبدأ تفسير الكتاب المقدس بالكتاب المقدس ، وفي هذه الحالة  من خلال الارتباط عبرالكلمة المفتاحية ( أي الكلمة الموجودة في كلا النصين ) ، " السوس " .

 كثيرا ما يستشهد أوريجينوس بنص اکور ۱۰ ، وخاصة اكور ۱۰ : 6، واکور ۱۰ : ۱۱ ، للتأكيد على أن الكتاب المقدس قد كتب  "من أجلنا "، والوصول إلى تتميمه في الوقت الحاضر ( أي زمن الكنيسة ) ، والذي يفهم أيضا على أنه نهاية الأزمنة . هذا الافتراض الأساسي عن تحقيق الكتاب المقدس يشترك فيه أوريجينوس مع المفسرين  القدماء الآخرين ، نظرا لأن النص من أجلنا ، فيجب أن يكون له أيضا معنی ” نافع " بالنسبة لنا ، وهو معيار للتفسير تم تطويره بالفعل بواسطة  فيلو وقد تم اقترحه للتأكيد على أن " كل الكتاب المقدس . نافع “ ( تي 3 : 16 ) . يعني هذا بالنسبة لأوريجينوس بشكل عام ما هو مفيد للتغذية الأخلاقية أو الروحية .[110]


إشكالية المزامير الخاصة

لكن تعاليم العهد الجديد ليست كذلك:

فنحن مُطالبون بتقديم الطعام والشراب لأعدائنا,

والصلاة من أجل الذين يسيئون إلينا

يوحنا ذهبي الفم, التعليق علي المزمور 137[111]

هناك بعض المزامير التي تحتوي علي آيات تُعد تحدياً كبيراً إذا ما حاولنا  تفسيرها علي المستوي الحرفي في صدد التعاليم التي نادي بها المسيح بمحبة الأعداء, لذا سنتناولها بالشكل الذي يليق بالله, طبقاً لمفهوم الله

مز( ٧: ٧-٨):

" قُمْ يَا رَبُّ بِغَضَبِكَ. ارْتَفِعْ عَلَى سَخَطِ مُضَايِقِيَّ وَانْتَبِهْ لِي. بِالْحَقِّ أَوْصَيْتَ. وَمَجْمَعُ الْقَبَائِلِ يُحِيطُ بِكَ، فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى."

من المفترض أن داود كتب هذا المزمور کترنيمة شكر عندما علم بفشل تمرد أبشالوم . والمشكلة في هذه الآية هي أنها يمكن أن تُفهم على أنها تنسب إلى الله الحركة الجسدية والغضب أيضاً . فبالنسبة إلى يوحنا ذهبي الفم ، كان من الضروري التأكيد على أن فكرة  غضب الله يجب أن تُفهم بطريقة جديرة بالله :

 " الآن ، ما هو العنف في هذه العبارة "بغضبك " ؟ يجب أن تؤخذ هذه المرة بمعنى جدير بالله [ theoprepes ] ، أي أن غضب الله ليس هوى أو عاطفة ، بل جزاءً وتأديباً "

؛ كان ذهبي الفم مهتما أيضا بأن الناس لا يجب أن يتخيلوا وجود الله بشكل محدود مکانياً ، وقد استخدم المعيار نفسه وهو ما "يناسب" الله:

"لا يخطر ببالكم فكرة وجود أي شيء بشري هنا ، أعني أيضاً ، حتى إذا كان التعبير هكذا (أي تعبيراً بشرياً) ، فإن المعنى يجب أن يكون جدير بالله . لذا ما معنى أنه " يحيط بك" ؟ هذا يعني أنه سيغنون لك بتسابيحك ، ويمجدونك ، ويكرمونك . وكما ترون ، عندما فعلوا هذا وسط جماعة المرنمين ، وقفوا في دائرة في الهيكل حول المذبح ، وقدموا الشكر بهذه الطريقة ، وقد أشار إلى تسبيحهم بالإشارة إلى طريقة وقوفهم ."[112]

 يضيف كاسيودوروس أن المرئم كان يعرف أن الله "حنون للغاية " ، وهو إشارة إلى ( مت 11 : 28 ) ، ويشير إلى استعمال " لغة بشرية ومجازية"  للحذر من القراءة الحرفية .

" الأول يحثه للغضب ، بمعنى آخر للانتقام . لكنه في الواقع لا يستفز الله ليغضب ، لأنه عرف أن الله حنون جداً ، وخصوصا كما قال سابقا عن نفسه : إذا أرسلت إليهم الذين جازوني بالشرور .هذه الأشياء تُروی بلغة بشرية ومجازية ؛ في الواقع ، يجب أن يُنسب هذا الثأر ، الذي يدعی الغضب ، إلى الشيطان الذي يعاقب كلما تم انقاذ الخاطئ المستعبد له منه . "[113]

مزمور( ١٠٨ : ١-١٦ ): 

" يَا إِلهَ تَسْبِيحِي لاَ تَسْكُتْ لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ عَلَيَّ فَمُ الشِّرِّيرِ وَفَمُ الْغِشِّ. تَكَلَّمُوا مَعِي بِلِسَانِ كِذْبٍ، بِكَلاَمِ بُغْضٍ أَحَاطُوا بِي، وَقَاتَلُونِي بِلاَ سَبَبٍ. بَدَلَ مَحَبَّتِي يُخَاصِمُونَنِي. أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ. وَضَعُوا عَلَيَّ شَرًّا بَدَلَ خَيْرٍ، وَبُغْضًا بَدَلَ حُبِّي. فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيرًا، وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ. إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِبًا، وَصَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً. لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً، وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. لِيَكُنْ بَنُوهُ أَيْتَامًا وَامْرَأَتُهُ أَرْمَلَةً. لِيَتِهْ بَنُوهُ تَيَهَانًا وَيَسْتَعْطُوا، وَيَلْتَمِسُوا خُبْزًا مِنْ خِرَبِهِمْ. لِيَصْطَدِ الْمُرَابِي كُلَّ مَا لَهُ، وَلْيَنْهَبِ الْغُرَبَاءُ تَعَبَهُ. لاَ يَكُنْ لَهُ بَاسِطٌ رَحْمَةً، وَلاَ يَكُنْ مُتَرَأِفٌ عَلَى يَتَامَاهُ. لِتَنْقَرِضْ ذُرِّيَّتُهُ. فِي الْجِيلِ الْقَادِمِ لِيُمْحَ اسْمُهُمْ. لِيُذْكَرْ إِثْمُ آبَائِهِ لَدَى الرَّبِّ، وَلاَ تُمْحَ خَطِيَّةُ أُمِّهِ. لِتَكُنْ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، وَلْيَقْرِضْ مِنَ الأَرْضِ ذِكْرَهُمْ.مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنْ يَصْنَعَ رَحْمَةً، بَلْ طَرَدَ إِنْسَانًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا وَالْمُنْسَحِقَ الْقَلْبِ لِيُمِيتَهُ."

وفي تفسيره يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

"لا توجد كارثة واحدة تكفيه ، لكنه يكدس المتاعب فوق المتاعب . أعني ، لاحظوا مدى لعنته حيث يقول : " فأقم أنت عليه شريراً وليقف شيطاناً عن يمينه " ( عدد 6 ) ، أي ليخطئ تجاه المتهمين ، والأشرار ، والمخططين للدسائس ، ولا ينتصر عليهم ... والآن ، من هذه اللحظة فصاعداً ، فقد أصبحت اللعنات أكثر قسوة مما سبق : فهو يصلي من أجل - اليُتم والترمل من أجل الباقين . لا يمكن إنكار أن هذه الأمور تحدث بالضرورة برحيله ؛ ويعددهم بلعنة ، في حموغضبه ... يا إلهي ! يا له من غضب شديد ، في حين أن عدم ملائمة توقيت طلب التيتم قد لا يلتقي بالرحمة - وليس بدون رحمة فحسب ، بل أيضا بأنه قد يُزج به في النهاية إلى الهلاك "[114]

 ثم يعلق مطولا في محاولة لتهدئة الغضب ، بما في ذلك إعادة تعريف معنى كلمة " أولاد" .

 " اولا : لماذا عندما أخطأ شخص واحتج صاحب المزمور ، عوقب أولاده وزوجته ووالداه أيضا ؟

ثانياً: من هو المستهدف من اللعنات ؟ ثالثاً ، كيف يُظهِر قائد الرسل (أي بطرس ) أن المزمور يشير إلى يهوذا ، ليس المزمور كله ، بل إلى جزء منه . حيث يذكر الكتاب المقدس أنه : " مکتوب في سفر المزامير , لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن “ ( أع 1: 20 , مقتبساً من مز 69: 25, 109: 8).

الآن ، ماذا تُسمون هذا النوع من التعبير : تدوین موحی به أم لعنات ؟ تدوین موحى به في شكل العنات . وفي مواضع أخرى أيضاً ، سنعثر على شيء مماثل ؛ كما لجأ يعقوب إلى ذلك . فكما ترى ،بما أن المستمعين ينبغي أن يستفيدوا مما يصيب الآخرين ، فهم يضعون الكثير من التركيبات الموحى بها بحيث يزداد الخوف بسبب الكلام عن طريقة حياتنا ...

إذن لمن يشير المزمور ؟ تشير بعض الأمور إلى يهوذا ، حيث تنبئ داود بالروح ، وباقي النص عن الآخرين . مرة أخرى ترون هذا بطريقة موحى بها . وغالبا ما تجدونه مؤلفا بحيث تشير البداية إلى شخص والبقية إلى شخص آخر ...

ولكن إذا طلب صاحب المزمور أن يعاقب الأولاد ، فلا تنزعجوا أيها الأحباء : فهو يدعو الأولاد هنا بمن يقترنون بِشَرِّهم وإثمهم . فالكتاب المقدس ، كما ترون ، عادة ما يسمي الأطفال من تربطهم صلة القرابة والذين يربطهم الشر ، حتى وإن لم يكنوا أطفال بالطبيعة ، كما يقول : " أنتم أطفال إبليس " ( یو ۸ : 44 إعادة صياغة ) .[115]

  • مز ( ۱۱۰ ) :
  •  الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ يُحَطِّمُ فِي يَوْمِ رِجْزِهِ مُلُوكًا. يَدِينُ بَيْنَ الأُمَمِ. مَلأَ جُثَثًا أَرْضًا وَاسِعَةً. سَحَقَ رُؤُوسَهَا.

. كان الجزء الأول من هذا المزمور قد فسر في العهد الجديد بأنه مزمور مسياني ذو معنی خريستولوجي ( انظر أع2: 34؛ عب1: 3, 13؛8: 1؛ 10: 12 )حيث كان يُفهم منه أنه يشير إلى قيامة يسوع المنتصرة وصعوده عن يمين الأب . وقد طورت رسالة العبرانيين المزمور ( ۱۱۰: 4 )  (" أنت كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق" ) ، لتُظهر كيف حل يسوع في شخصه محل مؤسسات الكهنوت والهيكل وذبائح العهد القديم . والمشكلة ، من حيث فهمها ، تكمن في الآيات الأخيرة ، التي تبدو وكأنها تتحدث عن العنف والانتقام .

 يهتم يوحنا ذهبي الفم كالعادة بمقاومة فكرة غضب الله أو فكرة أن الله يمكن أن يلعن كإنسان . لكنه يعبر رمزياً أيضا بدون استعمال هذه الكلمة ( أي الرمزية) ، حيث تشير كلمات المزمور إلى "المتمردين الحاليين على الكنيسة" . ويفهم من هذه الآية أنها نبوية بالنسبة للماضي والمستقبل على حد سواء :

"عندما يُذكر اللعن ، لا تفكروا من حيث اللعن . أعني ، كما في حالة الغضب ، ليس هناك غضب من  الله ...، وليس هناك أهواء ؛ على نحو مماثل ، فهو لا يلعن الله لا يلعن كما ترى ، إنه يقول ما سيحدث بلا فشل في حدوثه ، إذن بعد ذکر مجد القديسين , فقد وضع الأعداء تحت قدميه ، ويوم قوته ، يذكر أيضا الأمور الحاضرة ....

 ما هي قوة الرب التي في يدك اليمنى ؟ وبما أنه تطرق إلى التجسد ، فإنه يوجه انتباهه إلى الجسد الذي يتلقى المساعدة : فيرى أنه يصارع ويعرق - بل ويعرق لدرجة أن الدم يقطر منه - ويُمنح القوة ( لو 22 : 24 ) . فطبيعة الجسد هكذا ، كما ترى . فسوف يسحق الملوك في يوم  غضبه . لن يكون من السهل أن تقول إن هذا الكلام يشير إلى المتمردين الحاليين ضد الكنيسة وعن الذين سيحاسبون في المستقبل على خطاياهم وعقوقهم .

 سيُجري الدينونة على الأمم ، ويملأها بالجثث ( عدد 6 ) . ما معنى أنه سيُجري الدينونة على الأم ؟ سيحكم ، يعني ، سيدين الشياطين . ولإثبات أنه يجري الدينونة ، استمع إلى كلمات المسيح : " الآن دينونة هذا العالم ، والآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً " . وفي مواضع أخرى " وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع " ( يو 12 : ۳۱-۳۲ ) . والآن ، فلا تتوانوا إذا كان التعبير الذي يستخدمه أكثر مادية : فهذه هي طريقة الكتاب المقدس ... إذا كنت تفضل أن تأخذ هذا الأمر بمفهوم روحي ، فستقول إنه يزيل الحماقة "[116]

يعطي كاسيودوروس تفسيراً روحياً فيقول:

العدد 6: " يدين بين الأمم ، ملأ جثثاً أرضاً واسعة . سحق رؤوسها " . لاحظوا المعاني الغربية للكلمات . في الآية السابقة قال إن الملوك يجب تحطيمهم بسبب كبريائهم الاستبدادي ؛ ويروي الآن أنه يدين الأمم بسبب خطاياها المشتركة . فكلاهما يتعثران لحسن حظهما ، عندما يتخليان عن إرادتهم السابقة السيئة من خلال قرارهم الصالح بالتغيير والتحول . تأملوا أيضا في القول هنا أنه يملئ جثثاً . فهو يملئ جثثاً عندما يجعل الخطايا تسقط بدون تردد من قلوب البشر ويجعل العيوب الضارة تختفي بالإصلاحات المحيية . "[117]

  • مز  ( ۱۳۷ ) : ۸-۹:

يَا بِنْتَ بَابِلَ الْمُخْرَبَةَ، طُوبَى لِمَنْ يُجَازِيكِ جَزَاءَكِ الَّذِي جَازَيْتِنَا! طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ!

 لقد شكلت هذه الأعداد تحدياً خاصا للتفسير المسيحي ، لأنه لا يمكن للمرء أن يتخيل موقفاً انتقامياً أكثر من ذلك موجه, كما يتضح ، إلى شعب بكامله ، ويُنفذ بكل قسوة في الأطفال . ومن المؤكد أن هذا الموقف لا يمكن أن يتناسب مع تعليم يسوع عن الغفران للأعداء ، ولا ننس موقف يسوع الإيجابي من الأطفال .

فسر أوريجينوس أطفال بابل على أنهم أفكار مضطربة يسببها الشر:

"إن أطفال بابل ، الذين يعنون الاضطراب أو الارتباك ، هم الأفكار المضطربة التي يسببها الشر الذي تم زرعه للتو وينمو في النفس . فالإنسان الذي يمسكهم ، لكي يكسر رؤوسهم بحزم وصلابة الكلمة ، يحطم أطفال بابل على الصخر ؛ ولهذا السبب يصبح الإنسان مباركاً . وإذا افترضنا أن الله يأمر الناس بقتل أعمال الظلم ، الأولاد والجميع ، وذبح كل عرقهم ، فإن تعليمه لا يتعارض أبدا مع إعلان يسوع"[118]

والتفسير نفسه كإشارة إلى بدايات الأفكار الشريرة نجده في الإشارة إلى روح الزني في أعمال يوحنا کاسیان ( حوالي ۳۰ م ) .

" ومن واجبنا أيضا أن نُدمر الخطاة الذين في أرضنا ؛ أي مشاعرنا الجسدية في صباح ولادتهم ، وفيما هم لا يزالون صغاراً ، وأن ندفع أولاد بابل إلى الصخرة . فإن لم يُقتلوا في سن ضعیف جداً ، فإنهم سينهضون ، بإرادتنا ، إلى إلحاق الضرر بنا وهم بالغين أقوياء ، ومن المؤكد أننا لن نتغلب عليهم دون ألم وجهد كبيرين ."[119]


Biblography:

لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي) مارك شريدن, ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020

من الظلال إلي الحقيقة (درسات في الرمزية النماذجية الكتابية عند أباء الكنيسة), تأليف : جان دنيلو, ترجمة: د. عادل ذكري ( القاهرة: باناريون: 2020)

الحياة الجديدة , المطران جورج خضر, ( بيروت: دار النهار للنشر, 2001)

اللاهوتي ومعرفة الله في فكر القديس غريغوريوس اللاهوتي , مركز الأبحاث بمجلة مدرسة الإسكندرية, عن مقالتين نشرتا بمجلة مدرسة الإسكندرية في العددين الخامس والسادس( منقّحة) ,( القاهرة, مدرسة الإسكندرية, اكتوبر 2011)

مدخل إلي فهم كلمة الله , الراهب سارافيم الباراموسي ( القاهرة: دير السيدة العذراء براموس برية شيهيت: 2012)

التعليقات اللامعة علي سفر الخروج ( الجلافيرا ), كيرلس السكندري,  ترجمة : د. جورج عوض إبراهيم, مراجعة: د.نصحي عبد الشهيد ( القاهرة: المركز الأرثوذوكسي للدراسات الأبائية)

تجسد الكلمة, أثناسيوس الرسولي,  ترجمة وتعليقات: د. جوزيف موريس فلتس, مراجعة:د.نصحي عبد الشهيد ( القاهرة : مؤسسة القديس أنطونيوس, المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية, أكتوبر 2017)

ميامر ماريعقوب السروجي, دائرة الدراسات السريانية: https://dss-syriacpatriarchate.org/ 

 حتمية التجسد الإلهي , حلمي القمص يعقوب

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-021-Sts-Church-Sidi-Beshr/002-Hatmeyat-Al-Tagasod-Al-Ilahy/Inevitability-of-the-Incarnation__27-Marcion.html 

  الرسالة إلى ديوجينيتوس ،. ترجمة الأستاذة بولين تودري أسعد ، إصدار مؤسسة القديس أنطونيوس - المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية, الأب تادرس يعقوب ملطي,الجزء الثاني ( العقائد المسيحية)الطبعة الثانية

الأسس الأبائية لتفسير الكتاب المقدس, جورج عوض إبراهيم, تقديم نيافة الأنبا أنجيلوس (القاهرة: 2019)

كيرلس السكندري, ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية , ترجمة:د. جورج عوض إبراهيم (القاهرة: مايو 2013),

اشرف بشير, ورقة بحثية عن بحيرة النار والكبريت في الفكر الأرثوذوكسي الأبائي, نسخة مزيدة ومنقحة بتاريخ مايو 2011,  للقراءة أونلاين والتحميل: https://bit.ly/3cx31o8 


[1] مركز الأبحاث بمجلة مدرسة الإسكندرية, اللاهوتي ومعرفة الله في فكر القديس غريغوريوس اللاهوتي, عن مقالتين نشرتا بمجلة مدرسة الإسكندرية في العددين الخامس والسادس( منقّحة) ,( القاهرة, مدرسة الإسكندرية, اكتوبر 2011) , 8

[2]  المطران جورج خضر, الحياة الجديدة, ( بيروت: دار النهار للنشر, 2001), 245

[3] كيرلس السكندري, التعليقات اللامعة علي سفر الخروج ( الجلافيرا ), ترجمة : د. جورج عوض إبراهيم, مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد ( القاهرة: المركز الأرثوذوكسي للدراسات الأبائية) 1: 6

[4] الرسالة إلى ديوجينيتوس ، الفصل الثاني عشر . ترجمة الأستاذة بولين تودري أسعد ، إصدار مؤسسة القديس أنطونيوس - المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

[5] أثناسيوس الرسولي, تجسد الكلمة, ترجمة وتعليقات: د. جوزيف موريس فلتس, مراجعة:د.نصحي عبد الشهيد ( القاهرة : مؤسسة القديس أنطونيوس, المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية, أكتوبر 2017) , 12: 2

[6] العلامة أوريجانوس, عظة علي المزمور 36

[7] (حكمة 9: 14-17)

[8]( 2 كورنثوس12: 4)

[9] من صلاة قسمة للإبن تُقال في عيد القيامة المجيد

[10] (يوحنا 6: 45)

[11] غريغوريوس النزينزي, العظة 38 , فقرة 7

[12] (حكمة 10: 21)

[13] ماريعقوب السروجي, ميمر 40 علي اسم عمانوئيل , دائرة الدراسات السريانية, يمكن العثور عليه علي هذا اللينك:  https://dss-syriacpatriarchate.org/.

[14] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020), 27

[15] المرجع السابق, 29

[16] المرجع السابق, 30

[17] المرجع السابق , 42

[18] جورج عوض إبراهيم, الأسس الأبائية لتفسير الكتاب المقدس, تقديم نيافة الأنبا أنجيلوس (القاهرة: 2019), 41

[19] الراهب سيرافيم البراموسي, مدخل إلي فهم كلمة الله, مراجعة نيافة الأنبا إيسيذوروس, ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية: ديسمبر 2012 )

[20]حلمي القمص يعقوب , حتمية التجسد الإلهي , 27 ماركيون يمكن الإطلاع عليه علي اللينك:

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-021-Sts-Church-Sidi-Beshr/002-Hatmeyat-Al-Tagasod-Al-Ilahy/Inevitability-of-the-Incarnation__27-Marcion.html.

[21] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),47

[22] المرجع السابق, 47

[23] المرجع السابق, 47

[24] المرجع السابق, 57

[25] المرجع السابق, 55

[26] المرجع السابق, 60

[27] (حوالي 20ق.م- حوالي50م) كان مفسراًيهودياً, وكان له تأثير كبير علي التفسير المسيحي الأبائي للعهد القديم. وُلد فيلو من عائلة ثريةفي الإسكندرية, وكان معاصراً ليسوع, وعاش حياة نسكية وتأملية تجعل البعض يعتقد أنه رابي. يقوم تفسيره للكتاب المقدس علي أساس المعني الروحي للنص الحرفي. علي الرغم من تأثر لاهوت فيلو بالهلينية, إلا أنه لا يزال يهودياً تماماً.

[28] المرجع السابق, 64

[29] المرجع السابق, 64

[30] المرجع السابق, 65

[31] المرجع السابق, 65, 66

[32] المرجع السابق, 66

[33] المرجع السابق, 68

[34] المرجع السابق, 68

[35] المرجع السابق, 69

[36] المرجع السابق, 71

[37] المرجع السابق, 72

[38] المرجع السابق, 78

[39] المرجع السابق, 79

[40] المرجع السابق, 71

[41] كيرلس السكندري, ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية , ترجمة:د. جورج عوض إبراهيم (القاهرة: مايو 2013), 49, 50

[42] المرجع السابق, 118

[43] المرجع السابق, 118

[44] المرجع السابق, 121

[45] المرجع السابق,127

[46] المرجع السابق, 26

[47] اشرف بشير, ورقة بحثية عن بحيرة النار والكبريت في الفكر الأرثوذوكسي الأبائي, نسخة مزيدة ومنقحة بتاريخ مايو 2011,  للقراءة أونلاين والتحميل: https://bit.ly/3cx31o8. , 1

[48] المرجع السابق, 1

[49] المرجع السابق, 1

[50] المرجع السابق,2

[51] المرجع السابق, 3

[52] المرجع السابق, 1

[53] المرجع السابق,12

[54] المرجع السابق, 12

[55] المرجع السابق, 11

[56] المرجع السابق, 11

[57] المرجع السابق, 11

[58] المرجع السابق, 11

[59] المرجع السابق, 16

[60] المرجع السابق, 9

[61] المرجع السابق,12-13

[62] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),41

[63] الأب تادرس يعقوب ملطي, كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية, الجزء الثاني ( العقائد المسيحية)الطبعة الثانية , 149

[64] المرجع السابق, 11

[65] المرجع السابق, 6

[66] المرجع السابق, 10

[67] المرجع السابق, 9

[68]  المرجع السابق, 10

[69] المرجع السابق, 3

[70] المرجع السابق, 7

[71] المرجع السابق, 11

[72] المرجع السابق, 4

[73] المرجع السابق, 3

[74] المرجع السابق, 4

[75] المرجع السابق, 4

[76] المرجع السابق, 4

[77] المرجع السابق, 5

[78] المرجع السابق, 8

[79] المرجع السابق, 8

[80] المرجع السابق, 5

[81] المرجع السابق, 5

[82] المرجع السابق, 2

[83] المرجع السابق, 12

[84] المرجع السابق, 1

[85] المرجع السابق, 103

[86] المرجع السابق, 104

[87] المرجع السابق

[88] المرجع السابق, 276

[89] المرجع السابق, 382

[90] المرجع السابق, 282

[91] المرجع السابق, 283

[92] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),234

[93] أول من ميز بين التفسير الرمزي الإستعاري (allegory) والتفسير الرمزي النماذجي  (typology)هي مدرسة أنطاكية, لكن تشير الابحاث الحديثة حول هذا الموضوع إلي أنه لا ينبغي المبالغة في التمييز بين المدرستين الفكريتين. فلقد اشتركتا في العديد من الإفتراضات الشائعة والكثير من المصطلحات الشائعة , بما في ذلك مصطلح " ما يناسب الله", ومفهوم أن الكتاب المقدس يلمح من أجل الإشارة إلي معانً خفية أو غير حرفية. لم يظهر أي إجماع فيما يتعلق بأسباب ظهور هذه المدرسة الفكرية الأنطاكية, إحدي النظريات المثيرة للإهتمام هي أنها كانت ردة فعل علي محاولة الإمبراطور يوليان ( المرتد) لإعادة تقديم التفسير الرمزي Allegorical  لملحمات هوميروس.

[94]الراهب سارافيم الباراموسي, مدخل إلي فهم كلمة الله, مراجعة نيافة الأنبا ايسيذوروس( القاهرة: دير السيدة العذراء برموس برية شيهيت, ابريل 2015)

[95] المرجع السابق, 278

[96] المرجع السابق, 279

[97] المرجع السابق , 242

[98] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),84

[99] المرجع السابق, 86

[100] المرجع السابق, 86

[101] ( أع 9: 17)

[102]الراهب سارافيم الباراموسي, مدخل إلي فهم كلمة الله, مراجعة نيافة الأنبا ايسيذوروس( القاهرة: دير السيدة العذراء برموس برية شيهيت, ابريل 2015), 252

[103] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),94

[104] المرجع السابق, 94

[105] المرجع السابق, 94

[106] المرجع السابق, 95

[107] المرجع السابق, 96

[108] المرجع السابق, 96

[109] المرجع السابق, 96

[110] المرجع السابق, 97

[111] مارك شريدن, لغة الله في التقليد الأبائي( كيف فهم الأباء التجسيد الكتابي), ترجمة : بشوي جرجس و سمير وهيب ( القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية: 2020),165

[112] المرجع السابق, 167

[113] المرجع السابق, 168

[114] المرجع السابق, 181

[115] المرجع السابق, 182

[116] المرجع السابق, 186

[117] المرجع السابق, 187

[118] المرجع السابق, 188

[119] المرجع السابق, 191