بسم الله الرحمن الرحيم
نظرات قرآنية حول
للشيخ أ.د. حــاكم المطيري
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾
🔹 افتتحت السورة بالتسبيح بأبلغ صيغة ﴿سبحان﴾ وهي مصدر معرفة دال على الحدث العظيم في حد ذاته؛ إجلالا وتعظيما لمن يستحق التنزيه مطلقا عن قيدي الزمان والفاعل والمكان، وذلك بين يدي الإخبار عن وقوع نبإ عظيم وهو (الإسراء)، وآخر على وشك الوقوع مما قضاه الله على بني إسرائيل.
🔹تنزيه الله بصيغة المصدر الدال على التعجب والمبالغة والكمال (فعلان) ﴿سبحان﴾ أبلغ من تنزيهه بالفعل أو المصدر المشتق منه الفعل كسبحوه تسبيحا؛ لدلالة ﴿سبحان﴾ على معنى التنزيه ذاته كاسم معنى مجرد من الحدث والفاعل، وعرف هنا بالإضافة للموصول؛ فالله وحده المستحق للتنزيه استحقاقا ذاتيا.
🔹بدأت السورة بتسبيح الله وتنزيهه؛ تعظيما له وتمجيدا وتنويها بالنبإ العظيم الذي ستتحدث عنه السورة؛ وهو الإسراء الذي كان أعظم نبإ حدث لبشر؛ حيث أسري بالنبي ﷺ وعرج به إلى السماء السابعة حتى سمع صريف الأقلام، ورأى سدرة المنتهى، وكلمه الله ﴿وهو بالأفق الأعلى.. لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾!
🔹أضاف ﴿سبحان﴾ إلى الاسم الموصول (الذي) ولم يقل ﴿سبحان الله﴾؛ للتفخيم لشأن النبإ العظيم الواقع صلة للموصول؛ وهو الإسراء الذي تولاه الله سبحانه بنفسه، وكأن التعجب الذي يستحق تنزيه الله وتسبيحه لأجله لا يقتصر على ذاته؛ بل يعم فعله الذي تولاه وهو الإسراء، وعبده محمدا الذي اصطفاه ﷺ.
🔹كان الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام بمكة - وهو مستضعف مضطهد سنة ١١ من بعثته بعد وفاة عمه وزوجته - إلى المسجد الأقصى بالقدس ثم المعراج إلى السماء؛ إيذانا ببدء ولايته على المسجدين، وإمامته لهما، وقرب وعد الله الذي كتبه وقضاه بظهور دينه الذي ارتضاه؛ ليعم مسجدي أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ.
🔹كان الإسراء بالنبي ﷺ إسراءً حقيقيًا حسيًا جسديًا؛ كما قال ابن عطية في تفسيره (٣/ ٤٣٤): (وقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه ﷺ وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه).
🔹لم يلبث النبي ﷺ بعد الإسراء إلا ثلاث سنين حتى هاجر وأقام دولة الإسلام في المدينة، ثم عشر سنين حتى دخل مكة فاتحا ومطهرا للمسجد الحرام من شرك الجاهلية العربية، ولم تمض سبع سنين أخرى؛ حتى دخل عمر القدس والمسجد الأقصى؛ فاتحا ومطهرا له ومحررا من رجس الوثنية الرومانية؛ ليتحقق وعد الله!
🔹لم يكن يلوح في الأفق السياسي ليلة أسري بالنبي ﷺ وحين نزلت سورة الإسراء بمكة ما ينبئ عن قرب تحول عالمي سيقضي على إمبراطورية فارس وقيصر في آن واحد، وعلى يد رجل مستضعف بمكة هو وأصحابه لا يجدون من يحميهم!
وسيحدث كل ذلك في بضع سنين؛ فاستحق أن يفتتح الإخبار عن مثل هذا النبإ بالتسبيح!
🔹حدث التغيير في العالم كله بعد حادثة الإسراء بثلاث سنين، وبدأ بظهور الإسلام وقيام دولته في المدينه، ثم فتح مكة سنة ٨ هج، ثم فتح القدس سنة ١٥ هج، وما زال الظهور يتجدد له في كل عصر كلما ضعف أهله وعادت الجاهلية؛ كما حدث بعد ذلك للمسجد الحرام تحت ولاية الباطنية والمسجد الأقصى تحت ولاية الصليبية!
🔹 المدة ما بين ظهور صلاح الدين الأيوبي وتحريره المشرق العربي وتوحيده مصر والشام والعراق وجزيرة العرب وتطهيره المسجد الحرام من رجس الفرق الباطنية سنة ٥٦٧هج وتحريره القدس وتطهير المسجد الأقصى من رجس الحملات الصليبية سنة ٥٨٣ هج؛ هي نفس المدة التي بين الإسراء من مكة قبل الهجرة بسنة، وفتح القدس سنة ١٥هج؛ لتتأكد العلاقة القدرية بين المسجدين!
🔹أكدت السورة معجزة الإسراء بكل صور التأكيد؛ فبدأت بالتنزيه﴿سبحان﴾، وذكرت الفاعل وهو الله ﴿الذي أسرى﴾، وذكرت المُسرى به ﴿بعبده﴾ وهو النبيﷺبروحه وجسده، وزمن الإسراء ﴿ليلا﴾، ومكان البدء ﴿من المسجد الحرام﴾، ونهايته ﴿إلى المسجد الأقصى﴾، والحكمة منه﴿لنريه من آياتنا﴾..
🔹قطعت السورة بهذه الافتتاحية وبكل صيغ التأكيد؛ كل أوهام الشك في حقيقة معجزة الإسراء، وأنه حدث للنبي ﷺ يقظة لا مناما، وبجسده ﴿أسرى بعبده﴾ لا بروحه فقط؛ فلا يطلق في اللغة على الرؤيا في النوم إسراء وهو السير بالليل، ولا على الروح عبد؛ وأكده بحرف الباء ﴿بعبده﴾ التي تفيد معية الله له!
🔹وصف الله رسوله ﷺ في هذه الافتتاحية المعجزة بالعبودية، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم ﴿أسرى بعبده﴾؛ تنويها بمقامه الذي بلغ به هذه المكانة؛ وهو كمال عبوديته، وطاعته لله، وحده لا شريك له؛ فلم يخضع لطاعة غيره ولا عبد سواه قط؛ ولمنع توهم خروجه بمعجزة الإسراء عن حد الطبيعة البشرية.
🔹قيدت السورة زمن الإسراء وأنه ﴿ليلا﴾ والإسراء لا يكون إلا بالليل؛ لتأكيد حقيقة الإسراء نفسه؛ حتى لا يُتوهم على غير حقيقته اللغوية، ولبيان أن الحادثة كلها جرت في الليل؛ ابتداء وانتهاء وذهابا وإيابا؛ بل وفي جزء منه لا كل الليل؛ كما يفيده التنكير لليلة؛ وتؤكده قراءة ابن مسعود: (من الليل)!
🔹جعل الله بدء الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ لبيان الارتباط الوثيق بين المسجدين، وشمول الرسالة النبوية للأمتين وولايته وإمامته ﷺ وخلفائه وأمته من بعده للقبلتين؛ استجابة لدعوة أبيهم إبراهيم ﴿ومن ذريتي﴾ ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾.
🔹تحكم العلاقة بين المسجدين الحرام والأقصى سنن ربانية إيمانية؛ افتتحت من أجلها، ولبيان عظيم شأنها سورة الإسراء بالتسبيح بين يدي الحديث عن هذه العلاقة بين بيتي الله المقدسين اللذين جعلهما مهبط وحيه إلى رسله، ومحجا لعبادته وقبلة للصلاة، ومحلا لتحقق وعده وظهور دينه ﴿ليظهره على الدين كله﴾.
🔹ظهور الإسلام على الدين كما وعد الله تجلى في:
١- فتح النبيﷺ مكة سنة ٨ للهجرة وتطهيره المسجد الحرام من رجس الوثنية العربية.
٢- ثم فتح عمر القدس سنة ١٥ وتطهيرها من الوثنية الرومانية.
٣-وتحرير صلاح الدين الأيوبي المسجدين وتطهيرهما بعد مئة عام من سيطرة الفرق الباطنية والحملات الصليبية!
🔹كان الإسراء عام الحزن وادعى ابن حزم الإجماع على أنه قبل الهجرة بسنة، وكان فتح القدس سنة ١٥ من الهجرة، فتكون المدة من الإسراء حتى الفتح ١٦ سنة؛ وهي المدة نفسها التي تحققت لصلاح الدين منذ دخول الحجاز ومكة تحت ولايته وتطهيرها من سلطة الباطنية ٥٦٧ هج حتى تحرير القدس من الحملة الصليبية ٥٨٣ هج!
🔹أسقطت الحملة الصليبية المعاصرة الخلافة الإسلامية العثمانية، وأسست بريطانيا على أنقاضها دولا عربية قومية جاهلية في الحجاز والعراق والشام تحت حكم شريف مكة وأولاده التي مهدت لقيام دولة يهودية تحتل القدس؛ فصار المسجدان تحت نفوذ الجاهلية اليهودية العربية بحماية صليبية؛ وعاد الإسلام غريبا!
🔹كان اعتراف ترامب - رئيس أكبر دولة صليبية ترث الإمبراطورية الرومانية النصرانية - بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل؛ تحقيقا للنبوءة، وما أخبرت به سورة الإسراء عن بني إسرائيل والعلو الذي سيحدث لهم في المستقبل وذلك قبل حدوثه بمدة ١٤٤٠ سنة!
ولن يتحقق هذا العلو حتى يعود الإسلام غريبا كما بدأ!
🔹افتتحت السورة بخبر الإسراء بالنبي ﷺ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ ولم تذكر نبأ العروج به إلى السماء السابعة الذي ورد في سورة النجم حيث ﴿رآى من آيات ربه الكبرى﴾؛ لأن الإسراء بين المسجدين هو المعجزة التي يراد حصر الاهتمام بها في هذه السورة.
🔹كانت معجزة الإسراء في حد ذاتها نبأ عظيم؛ استحق تسبيحا لله وتمجيدا يليق بجلاله؛ تنزيها له سبحانه عن أوهام العقول التي لا تحيط بقدرته علما، وعن ظنونها في نفي ما أخبر أو أوحى به إلى رسله أو إثبات ما نفاه عن نفسه، ومن ذلك؛ ما وعد به رسوله من ظهور دينه على الدين كله وأنه وارث مقامي إبراهيم.
🔹كان الإسراء وهو السير ليلا؛ بشارة باقتراب نهاية مسيرة الدعوة النبوية بمكة ومرحلة الاستضعاف فيها؛ فليس بعد السرى ليلا إلا طلوع الفجر وبدء الاستخلاف الذي وعد الله رسوله والمؤمنين به﴿ولقد كتبنا..أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ فجاءت بيعة الأنصار بعد الإسراء، ثم الهجرة، ثم فتح مكة، فالقدس!
🔹افتتحت سورة النحل وهي قبل الإسراء مباشرة باقتراب الوعد ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ ونعت في آخرها على اليهود ما هم عليه ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ وأمرت النبيﷺ ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ وبالصبر ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ ثم جاءت الإسراء؛ وفيها توريثه ولاية المسجدين، وإمامة القبلتين، وجاءت بعدها الكهف تنعى على النصارى شركهم وتثليثهم ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا﴾.
🔹كان اليهود والنصارى والعرب المشركون يدعون اتباعهم إبراهيم واستحقاقهم الولاية على مساجده؛ فأبطل القرآن دعواهم ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ وحصر ولايتها بالمؤمنين ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ فقط.
🔹أبطل القرآن ولاية العرب على البيت الحرام ﴿وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ فحصر الولاية على البيت الحرام بالمؤمنين فقط ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ فأورثهم وولاهم بالإيمان والتقوى مقام إبراهيم ومصلاه ومسجديه بمكة والقدس!
🔹جعل الله الولاية على المسجدين الحرام والأقصى للمؤمنين حصرا إلى قيام الساعة؛ فلا تُستحق هذه الولاية عليهما بالقومية العربية أو الإسرائيلية، ولا بالوطنية؛ وإنما بالإيمان والتقوى ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ فشرف بولايتها شرعا المسلمون العرب ثم المسلمون الكرد ثم المسلمون الترك.
🔹كل ولاية على المسجدين الحرام والأقصى بغير ولاية الإسلام والإيمان باطلة بحكم القرآن؛ فلا ولاية للمشركين ولا لليهود والنصارى ولا لأوليائهم عربا وعجما ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر.. إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر.. ولم يخش إلا الله﴾.
🔹منذ ظهور الإسلام لم تدم ولاية غير المسلمين على المسجدين الحرام والأقصى كمشركي العرب والروم والقرامطة والباطنية والصليبية أكثر من قرن؛ كما أخبر النبي ﷺ (إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) ولا يكون التجديد دون تطهير المسجدين وإعمارهما؛ كما تحقق لصلاح الدين.
🔹اكتمل قرن منذ احتلت الحملة الصليبية البريطانية الفرنسية - في الحرب العالمية الأولى - المشرق العربي وخضوعه لها ووقوع مساجده ومقدساته تحت نفوذها وحمايتها، وتعيش الأمة اليوم إرهاصات بعث وتجديد؛ سينتهي بظهور الإسلام من جديد وتحرير مقدساته وتطهيرها من اليهود وحلفائهم والنصارى وأوليائهم.
🔹افتتحت السورة بنبإ الإسراء بين المسجدين؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأشارت إلى المعراج إلى السماء السابعة ﴿لنريه من آياتنا﴾؛ فهو الغاية من الإسراء وتركت تفصيل خبره لسورة النجم؛ حيث بلغ في عروجه ﷺ ﴿سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى.. لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ وشرعت في بيان بطلان دعوى اليهود.
🔹كانت معجزة الإسراء إعلانا سماويا ببطلان دعوى بني إسرائيل بأحقيتهم بإبراهيم ومسجده الأقصى بالقدس، ودعوى مشركي العرب بأحقيتهم بمقامه في البيت الحرام بمكة، وشرعت السورة في بيان حقيقة الوعد المزعوم الذي يدعيه اليهود، والنبوءة بعودتهم للقدس، وسيادتهم على العالم بالنبي الذي ينتظرونه!
- ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾.
🔹كشفت سورة الإسراء حقيقة الوعد الذي يدعيه اليهود ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ وهو التوراة التي ورد فيها الوعد بشرط ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾؛ فعصوا أنبياءهم وعتوا عليهم فتوعدهم الله ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ يعني أسفار كتب أنبيائهم كأشعيا وأرميا ﴿لتفسدن في الأرض مرتين﴾.
🔹توعد الله بني إسرائيل وكتب عليهم وأعلمهم بما سيقع لهم ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ وفي قراءة: ﴿في الكتب﴾ بعد التوراة وهي أسفار أنبيائهم بعد موسى ﴿لتفسدن في الأرض﴾ وهي فلسطين ﴿مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾؛ وكل ذلك بصيغة المضارع المؤكد بلام القسم المفيد الاستقبال لما لم يقع!
🔹بينت سورة الإسراء حقيقة ما قضاه الله وكتبه على بني إسرائيل؛ مما كانوا ينتظرونه زمن النبي محمد ﷺ ويدّعون أن الله وعدهم به في المستقبل؛ فهي أحداث لم تقع لهم بعد حين نزلت سورة الإسراء؛ لتقص على المؤمنين حقيقة هذا الوعد، وأن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض؛ كما هي عادتهم، ويعلون ثم يعاقبون!
🔹كان اليهود في جزيرة العرب يبشرون ببعثة نبي منهم يظهرون به على الأمم، ويسودون به العالم، فلما بعث محمد ﷺ؛ كفروا به واحتجوا بالوعد المزعوم لهم ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ وهم مشركو العرب والأمم ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾!
🔹اشترط الله على بني إسرائيل الإيمان بمحمد ﷺ ووعدهم إن آمنوا به واتبعوه بالنصر والفتح ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل.. وآمنتم برسلي﴾ خاصة محمدا ﴿الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة﴾ الذي ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾؛ فتحقق الوعد ببعثته لهم؛ فجحدوا وكفروا به!
🔹تحقق ما وعد الله به بني إسرائيل بعد الإسراء والهجرة، فمن آمن منهم بالنبيﷺ وجاهدوا معه - كرئيسهم وحبرهم عبد الله بن سلام - ظهورا على الأمم وفتحوا الأرض المباركة وحرروا #القدس سنة ١٥ للهجرة، وطهروا المسجد الأقصى بالإيمان والإسلام والتقوى من رجس الوثنية الرومانية؛ فلم يرض اليهود بذلك!
🔹لم يعد لبني إسرائيل - بعد بعثة النبي محمد ﷺ وتوريث الله له وللمؤمنين به من كل الأمم إمامة المسجدين الحرام والأقصى وولايتهما بالإسلام والإيمان - إلا الوعيد الذي توعدهم به عند إفسادهم في الأرض مرتين بعد بعثة النبي محمد ﷺ، وعلوهم علوا كبيرا، لا بالأنبياء الهداة؛ بل بالمجرمين الطغاة!
🔹كان اليهود في زمن النبي ﷺ يسعون في الفتن والمؤامرات والفساد في الأرض وإشعال الحروب ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾ إلا أنه سيكون لهم علو كبير وفساد عريض، ولن يتحقق لهم ذلك إلا بعد غياب خلافة الإسلام وغربته؛ كما جرى في هذا العصر!
قال ﷺ: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في حجرها)..
- ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾.
🔹ذكرت سورة الإسراء نبأ الفساد العظيم في الأرض الذي سيحدثه اليهود مرتين في المستقبل؛ مع أن القرآن وصفهم آنذاك بأنهم ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا﴾؛ فالإفساد في الأرض بالفتن والحروب ديدنهم مع ضرب الذلة عليهم إلا أن العلو بالفساد لن يحدث لهم إلا مرتين فقط!
🔹الأصل أن (إذا) الشرطية تدخل على ما سيقع في المستقبل يقينا، وعلى ما له وقت محدد معلوم غالبا ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾، وجواب الشرط ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا﴾؛ يؤكد أنه سيكون في المستقبل، ويرجحه أن العلو الذي تحقق لهم في الماضي كان مع أنبيائهم كداود وسليمان؛ بينما العلو هنا مرتبط بالفساد!
🔹الأرض التي سيقع فيها الفساد والعلو من اليهود مرتين هي ما بين مكة والقدس لورود الخبر في السورة بعد نبإ الإسراء بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى؛ لبيان بطلان ادعائهم الوعد الحق بالظهور فيها بالأنبياء، وأن ظهورهم لن يكون إلا بالفساد في الأرض، وأن الظهور عليها بالوعد الحق هو لمحمدﷺ ولمن معه.
🔹الفساد الدائم لبني إسرائيل بالفتن والمؤامرات والحروب ليس محصورا في أرض محددة؛ بل عام في الأرض كلها كما وصفهم القرآن زمن النبي محمد ﷺ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾ وهي جزيرة العرب، وكل أرض أتوها؛ فغدروا بأهلها وتآمروا عليهم، والعلو بالفساد مرتين؛ سيكون في أرض مخصوصة ورد فيها الوعد من الله!
🔹سياق سورة الإسراء يؤكد أن علو اليهود وفسادهم في المرة الثانية سيكون أشد من الأولى، وأنهم سيكرون على من أخرجوهم المرة الأولى ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ وهم عباد الله المؤمنين ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا.. فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا﴾ وهذا يصدق على فتح النبي ﷺ وأصحابه الأرض!
🔹كان اليهود قد علوا في جزيرة العرب، وأفسدوا فيها بالفتن والحروب، وأكل الربا؛ حتى أجلاهم النبيﷺ من المدينة، ثم فتح خيبر وتبوك؛ وأخرجهم عمر؛ فكانت تلك المرة الأولى التي كتبها الله عليهم ﴿سبح لله .. الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر .. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم﴾!
🔹تحقق الوعد الحق ببعثة النبي ﷺ الرسول الأمي وظهور أمته على الأمم ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ وتحقق لهم الاستخلاف في الأرض ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم.. ليستخلفنهم في الأرض﴾ وأورثهم الأرض ﴿ولقد كتبنا في الزبور.. أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾؛ ففتحوا مكة والقدس حيث جرى الإسراء!
🔹إذا كانت المرة الثانية للعلو الإسرائيلي بالفساد في الأرض هو ما جرى لهم منذ سقوط الخلافة الإسلامية في هذا العصر، وإعلان دولتهم المزعومة؛ فالمرة الأولى هي إفسادهم في جزيرة العرب وحروبهم ومؤامراتهم مع المشركين ضد دولة الإسلام وضد النبيﷺفي المدينة؛ كأحد والأحزاب وما كتب عليهم من الجلاء.
🔹لم يتحقق لليهود علو في الأرض وفساد كبير بعد بعثة النبي محمد ﷺ في فلسطين إلا هذه المرة، وفي ظل غياب خلافة الإسلام عن الأرض لأول مرة، وكان لليهود يد في إسقاطها وإصدار وعد بلفور لإقامة دولتهم في القدس ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا﴾ وإضافة العباد لله يؤكد أنهم المسلمون!
🔹وصف سورة الإسراء للمرة الثانية يؤكد أنها قيام دولة إسرائيل في هذا العصر حيث كرّ اليهود على المسلمين مع الحملة الصليبية، وصاروا أكثر نفيرا بالنظام العالمي الذي تكفل بالدفاع عنهم وحمايتهم ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ والكرة تكون مسبوقة بفرة!
🔹افتتحت سورة الحشر كما الإسراء بالتسبيح لله على تحقق وعده ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ فذكرت حشر اليهود الأول بعد بعثة النبي ﷺ ﴿لأول الحشر﴾ وهو إجلاؤهم من المدينة إلى الشام؛ وهو أول المرتين وبدايتهما؛ كما قال الطبري: (لأوّل الجمع في الدنيا) على يد النبيﷺ والمؤمنين: ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا.. فجاسوا خلال الديار﴾.
🔹وصفت سورة الإسراء ما سيحدث لبني إسرائيل في المرة الأولى على يد عباد الله الذين بعثهم عليهم لتحقيق الوعد ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ ومنها الديار التي ذكرتها سورة الحشر ﴿أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ وفي سورة الأحزاب ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾؛ فتحقق وعد الله!
🔹ذكرت سورة الأحزاب تحقق وعد الله للمؤمنين بأن يبعثهم على بني إسرائيل بعد فسادهم وعلوهم الأول في جزيرة العرب ويورثهم الأرض ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾ في الحجاز، ﴿وأرضا لم تطئوها﴾ في الشام؛ ليكتمل الوعد الحق بولاية المؤمنين على المسجدين الحرام والأقصى﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾.
🔹لم تحدد سورة الإسراء الديار التي يجوس فيها وخلالها عباد الله في الأرض فتحا بعد فتح؛ لتعم كل الديار التي وعدهم الله في التوراة أن يرثوها ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ سواء ديار بني إسرائيل، أو أرض كسرى وقيصر؛ ليتحقق الوعد الحق لا وعد يهود المزعوم!
🔹لم يرد ذكر للمسجد الأقصى حين أخبرت سورة الإسراء عن فساد بني إسرائيل وعلوهم في المرة الأولى؛ لأنه لم يكن في أيديهم، ولا تحت ولايتهم؛ بل كان تحت سلطة الروم آنذاك، وسيحرره عباد الله، فلما ذكرت فسادهم الثاني ذكرته ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة﴾؛ فبشرت بأنهم سيدخلونه فاتحين مرة أخرى!
🔹بشرت سورة الإسراء بدخول المؤمنين المسجد الأقصى فاتحين مرتين ﴿كما دخلوه أول مرة﴾ وكلا الدخولين له علاقة ببني إسرائيل وفسادهم وعلوهم في الأرض، فالمرة الأولى يدخله المؤمنون فاتحين لديار بني إسرائيل وغيرهم من الأمم دون ولاية لليهود عليه، والمرة الثانية وهم فيه ولهم عليه ولاية وسلطة!
🔹شبّهت سورة الإسراء دخول المؤمنين المسجد الأقصى في المرة الثانية بدخولهم إليه فاتحين في المرة الأولى إلا أن هذه المرة يكون دخولا بعد كرة لبني إسرائيل عليهم ﴿رددنا لكم الكرة عليهم.. وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ ثم يدخله المؤمنون ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا﴾ كأول مرة!
🔹حين فتح عمر القدس وحرر المسجد الأقصى من الروم؛ كان بعد حشر اليهود وكسر شوكتهم في جزيرة العرب، ولم يحدث لهم بعدها كرة ولم تقم لم دولة في أرض الإسلام وفلسطين؛ وإنما احتلتها الحملة الصليبية وحررها صلاح الدين الأيوبي، ولم يسئ ذلك وجوه يهود؛ فثبت أن المرة الثانية هي حين قيام دولة إسرائيل!
🔹لم يحدث منذ ظهور الإسلام أن تحالف اليهود والعرب المشركون والمنافقون إلا مرتين الأولى؛ حين قاتلوا جميعا النبيﷺ والمؤمنين؛ فنصره الله عليهم وأجلا اليهود وفتح المسلمون المسجد الأقصى، وهذه المرة الثانية حيث تحالف اليهود والعرب برعاية صليبية وتآمروا على إسقاط الخلافة وإقامة دولة إسرائيل.
🔹كشفت سورة الإسراء حقيقة الوعد الحق من الله بدخول المؤمنين الوارثين الأرض المسجد الأقصى فاتحين مرتين، وبعقاب اليهود حينئذ مرتين على فسادهم وعلوهم بالباطل وكفرهم بالوعد الذي حرفوه﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾﴿وكان وعدا مفعولا﴾ ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾.
🔹حاولت الأخبار الإسرائيلة إثبات وقوع الوعيد بعقابهم مرتين في الماضي؛ وأن ذلك وقع وانتهى زمن بختنصر! وأخذ كثير من المفسرين بالمأثور هذه الأخبار على علاتها؛ للإذن الوارد بالتحديث عنهم؛ كما في الحديث: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)؛ فانعكس ذلك على تفسيرهم لسورة الإسراء مع وضوح دلالاتها!
🔹حين غدرت يهود بالنبي ﷺ في المدينة وحاربوه أمره الله بقتالهم وإجلائهم بكل طوائفهم؛ فتحقق الوعد الحق الأول فيهم؛ فنزلت سورة الحشر؛ لتذكر تحقق الجلاء لبني النضير ﴿لأول الحشر﴾ ثم نزلت الأحزاب؛ لتذكر تحقق الوعد في بني قريظة ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب.. وأورثكم أرضهم وديارهم﴾!
🔹وعد الله رسوله ﷺ والمؤمنين معه بدخول المسجدين الحرام والأقصى فاتحين ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ وقال عن الأقصى: ﴿وليدخلوا المسجد﴾؛ ليتحقق الوعد الحق ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة﴾.
🔹وصفت سورة الإسراء المرة الثانية بأنه ﴿وعد الآخرة﴾؛ لأنه ليس بعده لليهود ظهور، ولا علو لهم في الأرض إلى قيام الساعة؛ فهو الذي سيحشرون لأجله من كل شتات الأرض؛ كما في آخر الإسراء ﴿فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾ من كل أنحاء الأرض؛ ليتحقق الوعد الحق بظهور المؤمنين عليهم مرة ثانية!
🔹ذكرت الإسراء ما سيجري في المرة الثانية لبني إسرائيل على يد عباد الله المؤمنين بما لم يحدث لهم مثله في المرة الأولى ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾؛ لأن تحرير المسجد حينئذ لن يكون صلحا؛ بل حربا تنتهي بتتبيرهم وتدميرهم!
🔹وصفت سورة الحشر ما جرى لبني إسرائيل أول مرة حين نفذ فيهم وعد الله وأخرجهم ﴿من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.. يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ ووصفت الإسراء العقوبة الثانية ﴿ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾!
🔹لم تتحدث الإسراء عن الروم الصليبية مع كونهم آنذاك هم من يحتل الأرض المباركة والقدس والمسجد الأقصى؛ لأنهم لا يدّعون وعدا من الله لهم عليها كما تدّعيه اليهود، ولأن الله قد كتب عليهم الهزيمة فيها في سورة الروم ﴿غُلبت الروم في أدنى الأرض﴾ وهي الشام؛ فمهما احتلوها يُدحرون منها مغلوبين!
🔹يعلم اليهود أن هذه المرة الثانية هي ﴿وعد الآخرة﴾ والمرة الأخيرة التي يعلون فيها بالباطل، وتقوم لهم دولة في فلسطين؛ ولهذا سيكون قتالهم أشد من المرة الأولى حين أجلاهم المسلمون من ديارهم، ولن يدخل المؤمنون #القدس والمسجد الأقصى هذه المرة؛ إلا بجهاد أشد وأقسى حتى يتبروا ما علوا تتبيرا!
🔹منذ قيام دولة إسرائيل بعد كرّتهم على المسلمين مع الحملة الصليبية المعاصرة وإقامة دولتهم المزعومة، لم تقم معركة على أساس الوعد الحق؛ بل بشعارات القومية العربية والوطنية الفلسطينية والحقوق التاريخية، ولم يزدد المسلمون إلا ضعفا، ولن تستعاد القدس إلا بالجهاد من أجل المسجد الأقصى كأول مرة! ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾.
🔹ذكرت سورة الإسراء الكرة لبني إسرائيل على عباد الله المؤمنين الذين أخرجوهم أول مرة ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾، ولم يسبق فيما مضى أن كرّ بنو إسرائيل على أعدائهم من البابليين كبختنصر أو الروم؛ وإنما كانوا يعودون إلى فلسطين مستضعفين بمعية غيرهم من المحتلين لها حتى قيام دولة إسرائيل!
🔹لم يفر اليهود من أمة ثم كرّوا عليها إلا المسلمين، فحين كان المسلمون عبادا لله فتحوا الأرض بالإسلام وبتوحيد الله وتحرير الخلق من عبودية كل من سواه، فلما أعرضوا عن الرسالة التي استخلفهم الله في الأرض بها؛ تخلى الله عنهم ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾؛ فسلط عليهم اليهود وشذاذ الآفاق!
🔹لم يعلُ اليهود في #فلسطين ويقيموا دولة إسرائيل اليوم إلا بحبل من الناس وبوقوف الحملة الصليبية معهم؛ منذ وعد بلفور حتى وعد ترامب ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس.. وضربت عليهم المسكنة﴾؛ فكانت كرتهم على المسلمين بأمم الصليب، ولأول مرة في تاريخ الأمتين!
🔹حذّر القرآن المؤمنين من موالاة أهل الكتاب وأكّد أنهم أولياء بعض ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ مع أن النصارى حين نزل القرآن وقبله وبعده؛ كانوا يعادون اليهود أشد العداء ويستحلون قتلهم ويتهمونهم بالسعي في قتل المسيح ﷺ؛ حتى تولوهم اليوم!
🔹لم تظهر الموالاة بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى طوال تاريخهم فيما بينهم على أهل الإسلام إلا في هذا العصر؛ لتتجلى حقيقة نبوءة القرآن عنهم ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ فتحققت بين البروتستانتية الصليبية واليهودية الصهيونية أوضح صور الموالاة ثم تبعتها الأرثوذكسية الروسية ثم الكاثوليكية!
🔹صار العالم المسيحي وبكل أممه وعلى اختلاف طوائفه وملله حاميا للصهيونية وضامنا لأمن إسرائيل دوليا؛ فتحقق ما أخبر به القرآن عن الكرة الثانية ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ وهو ما لم يتصوره أحد قبل مئة سنة حيث كانت أوربا كلها تضطهد اليهود؛ فإذا هي اليوم تستنفر كلها من أجل اليهود والدفاع عنهم!
🔹توعد الله المؤمنين بأن يقطع عنهم ولايته ونصرته لهم إن تولوا أهل الكتاب واتبعوا أهواءهم ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾ ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾ ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق﴾؛ فلما تولاهم المسلمون المعاصرون؛ حلّ بهم الوعيد!
🔹في مطلع القرن الماضي تولى القوميون الترك الألمان، وتولى القوميون العرب الإنجليز، واتبعوا أهواءهم ومذاهبهم القومية والوطنية العلمانية؛ فحقّ عليهم الوعد؛ فقطع الله ولايته عنهم، وأوكلهم إلى أنفسهم وعدوهم؛ فسقطت خلافتهم التي سادوا بها الأمم، واحتلت أرضهم وقدسهم، وفقدوا سيادتهم وعلت يهود عليهم!
🔹منذ احتلت الحملات الصليبية البريطانية الفرنسية الشام ومصر والعراق وجزيرة العرب والمغرب، وأقامت دويلاتها الوظيفية؛ لحماية دولة إسرائيل؛ ثم ورثتها الحملة الصليبية الأمريكية الروسية؛ وأرض الإسلام ومساجدها الثلاث تحت نفوذهم وحمايتهم ووصايتهم، وتخضع لسلطة نظامهم الماسوني الصهيوني وقراراته!
🔹أصبحت المساجد الثلاث في عواصم الإسلام الدينية: القدس ومكة والمدينة تحت نفوذ المحتل البريطاني منذ سنة ١٩١٧ - ١٩١٨ م وصار تأمين طرق الحج إليها من مسئولياته؛ كما التزم بذلك أمير مكة الشريف حسين الذي تولاهم وصار تحت حمايتهم لأول مرة في تاريخ الإسلام، واشترطوا عليه السماح ببنوك الربا فيها!
🔹منذ سقوط الخلافة لم يعد بإمكان أحد من علماء الإسلام وزعمائهم ومجاهديهم الذين ثاروا ضد المحتل البريطاني والفرنسي الحج والعمرة لمكة أو زيارة المسجد النبوي والقدس إلا بإذن بريطانيا، ولا يستطيعه أحد اليوم منهم إلا بإذن أمريكا؛ فكل من تصمه بالإرهاب؛ يمنع من الوصول إلى مكة والقدس والمدينة!
🔹بتولّي أهل الكتاب؛ انتهى استخلاف الله لأمة الإسلام في الأرض، وغابت خلافتها الإسلامية، وفقدت ولايتها الإيمانية على مساجدها؛ حين فقدت الوصف الذي استحقت به الاستخلاف والولاية ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم﴾ ووصف ﴿عبادا لنا﴾ وقال تعالى عمن يستحق ولاية مساجده ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال تعالى محذرا من موالاة اليهود والنصارى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
🔹﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾
لم تذكر سورة الإسراء أسباب كرّة بني إسرائيل على المؤمنين، فلم يتجدد لهم إيمان يستحقون به الكرّة عليهم، فدل ذلك على فقد المؤمنين شروط الاستخلاف الذي وعدهم الله به، وفقد وصف العبودية لله وحده الذي سادوا به الأمم ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس﴾ وفقد البأس والجهاد الذي مكنهم من الاستخلاف!
🔹اشترط الله على المؤمنين توحيده وإقامة دينه وأحكامه في الأرض بالجهاد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ وقوله: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف﴾
🔹اشترط الله على المؤمنين لتحقق وعده لهم بالاستخلاف وولايتهم على المسجدين: الإيمان به، وتوحيده لا شريك له، والجهاد في سبيله لا يخافون لومة لائم ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد﴾ ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ ﴿يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾.
🔹قام النبي ﷺ بعد فتح مكة مباشرة وولايته عليها بالإعلان عن إبطال الربا، ومنع الخمر، والبيوع المحرمة، وحذر من ربا اليهود، وخطب في حجة الوداع؛ قائلا: (كل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي وكل أمر الجاهلية موضوع؛ قضى الله ألا ربا) واشترط على نصارى نجران ويهود خيبر منع الربا، فلما أكلوه؛ أجلاهم عمر رضي الله عنه عن جزيرة العرب.
﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾
🔹تواترت النبوءات عن النبي ﷺ التي تؤكد عودة المسلمين إلى حال الاستضعاف بعد الاستخلاف، وتداعي الأمم عليهم؛ بتركهم الجهاد حتى دفاعا عن أنفسهم، وفقدهم شروط الاستخلاف، وفقدهم سيادتهم وولايتهم على المسجدين على يد اليهود والنصارى وأوليائهم؛ كما في سورة الإسراء ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾!
عن حذيفة -كما في البخاري (٨/ ١٢٣)- قال: («لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة، ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره»، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه).
وكما في حديث عن ثوبان -عند أبي داود وأحمد بإسناد صحيح- قال: قال رسول الله ﷺ: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت)، وفي لفظ عند أحمد: (قالوا: فما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال)!
وروى ابن ماجه (٢/ ١٣٣٢) عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: (يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم).
وفي مسلم (١/ ١٣١) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها».
🔹تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في ترك الأمة للجهاد وفقدها للسيادة وعلو اليهود عليها؛ باتباعها أهواءهم؛ قال ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة [الربا]... وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا حتى تعودوا إلى دينكم) وقال ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى) و(لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ الأمم قبلها كفارس والروم)!
🔹لما والى العرب الجاهليون، والترك القوميون اليهود والنصارى، واتبعوا أهواءهم واستبدلوا قانونهم الوضعي بحكم الله، واستباحوا الربا الذي آذن الله بحرب من لم ينته عنه، وتركوا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام؛ جرت عليهم سنة الله في بني إسرائيل؛ فأدالهم عليهم عقوبة لهم ﴿رددنا لكم الكرة عليهم﴾!
🔹حدد النبي ﷺ نهاية الاستخلاف الأول للمؤمنين بغياب الخلافة وافتراق الأمة وظهور (دعاة على أبواب جهنم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) من العرب! وحذر منهم فقال: (اعتزل تلك الفرق) وجعل العصمة من فتنتهم بالأمة والخلافة الواحدة (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه)!
كما في حديث حذيفة بن اليمان في الصحيحين؛ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
وفي رواية أبي داود (٤/ ٩٥) قال: إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله، أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: «نعم» قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: «السيف» قلت: يا رسول الله، ثم ماذا يكون؟ قال: «إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك، وأخذ مالك، فأطعه، وإلا فمت، وأنت عاض بجذل شجرة»، قلت: ثم ماذا؟ قال: «ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره، وجب أجره، وحط وزره، ومن وقع في نهره، وجب وزره، وحط أجره»، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «ثم هي قيام الساعة».
🔹تزامن نهاية الاستخلاف للأمة مع غياب الخلافة وفقد السيادة والولاية على المسجدين الحرام والأقصى بظهور النصارى عليهم وعلو اليهود بفلسطين وظهور الدعاة العرب على أبواب جهنم يفرقون وحدتها ويقاتلون مع عدوها ضدها ليحتل أرضها وليجعل من يواليهم منهم رؤساء عليها فتحققت النبوة بأوضح صورها!
﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾
🔹لم يُستباح الربا في المسجد الحرام والمسجد الأقصى منذ ظهور الإسلام وفتح النبي ﷺ مكة وإبطاله له وفتح عمر القدس إلا بعد سقوط الخلافة العثمانية ووقوع جزيرة العرب والشام كلها تحت نفوذ الحملة الصليبية البريطانية الفرنسية؛ فاستحل الربا بمكة والقدس؛ كما استحله اليهود وعرب الجاهلية من قبل!
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾
🔹لا يستطيع أحد منع بنوك الربا في عواصم الإسلام الدينية منذ سقوطها تحت نفوذ الحملة الصليبية المعاصرة ١٩١٨م واشتراطها على دولها التي أقامتها الالتزام بنظامها الربوي اليهودي؛ فعادت الجاهلية الاقتصادية التي أبطلها النبي ﷺ بعد فتح مكة، وعاد اليهود من جديد؛ ليفسدوا في الأرض بعد إصلاحها!
﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾
﴿وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾.
🔹 بعد أن ذكرت الإسراء الوعد الحق بظهور المؤمنين والوعيد الصدق الذي سبق على بني إسرائيل في المرتين؛ قررت السنة الربانية المطردة فيهم إلى قيام الساعة ﴿عسى ربكم أن يرحمكم﴾ إن اتبعتم كتبه وأطعتم رسله ﴿وإن عدتم﴾ إلى كفركم وفسادكم في الأرض بالفتن والحروب؛ ﴿عدنا﴾ ببعث عبادنا عليكم.
🔹أجرى الله السنن التي لا تتحول ولا تتبدل على أمة موسى ﷺ؛ كما على أمة محمد ﷺ، فمن أعرض منهم عن هدايات كتبه ورسله ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾؛ لقيام الحجة عليهم بالأنبياء والكتب؛ كما قال في الإسراء ﴿ولا تجد لسنتنا تحويلا﴾ وقال في فاطر: ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾!
🔹كل ما جرى على بني إسرائيل بعد موسى ﷺ من المحن والعذاب والسبي حين أعرضوا عن هدى التوراة؛ حلّ مثله بأمة محمد ﷺ حين أعرضوا عن هدى القرآن؛ كما في فواتح الإسراء ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل﴾ ثم ذكر وعيده لهم بالمرتين ثم ذكر القرآن ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾!
🔹سيتكرر بعث العباد المؤمنين على بني إسرائيل﴿بعثنا عليكم عبادا لنا﴾ بتكرر أسبابه وهو ظهور الفساد منهم في الأرض ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا﴾ فتوعدهم ﴿وإن عدتم عدنا﴾ ببعث من يسومكم سوء العذاب؛ قال ابن عباس: الذين يسومونهم محمدﷺوأمته إلى يوم القيامة!
🔹أجمع أئمة التفسير كما عند ابن جرير الطبري على أن الوعيد بحق اليهود - في سورة الأعراف وهي مكية كالإسراء - ﴿ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ المراد بهم محمدﷺ وأمته خاصة مع عموم الآية؛ ليتأكد أنهم هم الذين عناهم الله بقوله ﴿بعثنا عليكم عبادا لنا﴾ ﴿وإن عدتم عدنا﴾ ببعثهم عليكم.
🔹لن تكون الفئة التي يبعثها الله على بني إسرائيل يسومونهم سوء العقاب - كلما عادوا للفساد في الأرض - هي الأمة نفسها التي جعل الله لليهود عليهم الكرّة ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾؛ بل يستبدل الله قوما غيرهم ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ يستعيدون وصف ﴿عبادا لنا﴾.
🔹جرت سنة الله باستبدال الأقوام من أمة محمد عبر تاريخ الإسلام، فحين تخلى العرب عن القيام به والجهاد في سبيله؛ استبدل بهم الكرد؛ فأعزهم به وحرروا #المسجد_الأقصى، ثم الترك؛ ففتحوا القسطنطينية وتحققت فيهم البشارة وشرفهم الله بالخلافة أربعة قرون؛ بلا منازع؛ وكانوا أقوم خلفاء الإسلام بالجهاد!
كما فيه مستدرك الحاكم (٤/ ٥٥٣) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فسئل أي المدينتين تفتح أولا؟ - يعني القسطنطينية أو الرومية - فقال ﷺ: «مدينة هرقل أولا» يعني القسطنطينية.
وفيه (٤/ ٤٦٨) عن بشر الغنوي قال؛ قال ﷺ: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"! وهو الفتح الذي خص الله به محمدا الفاتح!
🔹اشترط الله في عباده الذين يستبدل بهم من ارتدوا عن دينه أن ﴿يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ وقد قرب ظهورهم؛ ليتحقق وعده فيهم وفي بني إسرائيل ومن تولاهم من العرب ﴿ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد﴾!
🔹لن يكون العباد المؤمنون الذين سيبعثهم الله على بني إسرائيل ليدخلوا #المسجد_الأقصى وليسوءوا وجوههم؛ كمثل من كرّ عليهم اليهود؛ بل أبرز صفاتهم إنفاق الأموال في سبيل الله وإقامة الجهاد،﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا﴾﴿ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ وهم ليسوا كأعداء الله الذين ﴿ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾.
🔹أوشك اليوم بعد طغيان اليهود وفسادهم في الأرض أن يتحقق الوعد الحق فيهم ﴿وإن عدتم عدنا﴾ وأوشك تحقق بعث الله الثاني لأمة محمد ﷺ عليهم؛ كما بشر النبي ﷺ (إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) ويشترط للتجديد والبعث الجديد؛ العودة للإسلام والجهاد في سبيل الله!
🔹أبى الله أن يكون للعرب شرف تحرير القدس والمسجد الأقصى بالعربية الجاهلية والوطنية الفلسطينية مع كل ما بذلوه خلال قرن؛ حين أعرضوا عن دينهم وتولوا عدو الله وعدوهم، وظنوا أنهم ينصرونهم، وادخر الله هذا الشرف للبعث الجديد الذي يصنعه الله على عينه الآن؛ لينفذ وعده ويظهر دينه وينصر عباده!
🔹ذكرت فواتح الإسراء موسى ونوحا في سياق الغاية من الإسراء بين المسجدين ﴿لنريه من آياتنا.. وآتينا موسى الكتاب.. ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾ وفيها إشارة إلى امتداد دعوة التوحيد من نوح أول رسول وتوارث الأنبياء من ذريته الرسالة والكتب وعلاقة نوح بالمسجدين الحرام والأقصى!
🔹نوح هو أبو البشر وآدم الثاني وأبو جميع الرسل بعد الطوفان، وقد كان المسجدان الحرام والأقصى في الأرض قبله منذ عهد آدم ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ وأول الناس آدم وبنوه فمكة أول قرية ﴿لتنذر أم القرى﴾ والمسجد الحرام أول بيت عبد آدم وذريته الله فيه في الأرض.
🔹بُني المسجد الأقصى بعد المسجد الحرام بأربعين سنة؛ كما في الصحيحين - البخاري (٤/ ١٦٢) و مسلم (١/ ٣٧٠)- عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟، قال: «ثم المسجد الأقصى» قلت: كم كان بينهما؟ قال: " أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل، والأرض لك مسجد ".
وأخبر القرآن بأن مكة هي أم القرى، وأول المدن وأصلها، وأن المسجد الحرام ببكة أول بيت وضع للناس؛ ليعبد الله فيه في الأرض، وكان أول الناس هو آدم وبنوه؛ فهو إذًا الذي بنى المسجد الأقصى لعبادة الله، والقدس هي ثاني مدن الأرض!
🔹حج جميع الأنبياء البيت الحرام ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ وفي الأثر (ما من نبي إلا وحج البيت) وكان نوح أول من جدد المسجدين الحرام والأقصى بعد الطوفان ليعبد الناس الله فيهما ويحجوا البيت كل عام ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾ فاقتضى التنويه بفضله في سياق خبر الإسراء بين المسجدين.
🔹نجى الله نوحا من قومه وجعل في ذريته النبوة والكتاب ﴿ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾ فذكرت الإسراء في فواتحها التوراة والقرآن ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل.. ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا.. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾!
🔹ذكر الله نوحا في أولي العزم من الرسل أصحاب الشرائع وشريعة محمد ﷺ امتداد لشرعه ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين﴾ وأمر الله بالاقتداء به في صبره على قومه ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ وكان أشبه الرسل به محمد ﷺ.
🔹صبر النبي ﷺ على السخرية والاستهزاء من قومه ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ كما سخر قوم نوح منه وهو يصنع السفينة ﴿ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ فنجّى الله نوحا بعد الطوفان وجعل العاقبة له؛ فظهر دينه وسادت شريعته الأرض كلها؛ وكذا ستكون العاقبة لمحمد ﷺ وشريعته وأمته!
🔹نوح أول الرسل وفاتحتهم ومحمد ﷺ آخر الرسل وخاتمتهم ﴿رسول الله وخاتم النبيين﴾ وكما سادت شريعة نوح الأرض بعد الطوفان؛ ستسود شريعة محمد ﷺ على كل الأديان ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ حتى لا يبقى بيت مدر ولا شعر إلا دخله الإسلام وما زال الوعد يتحقق ولم يكتمل!
كما في -المستدرك للحاكم (٤/ ٤٧٧)- عن تميم الداري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، يعز بعز الله في الإسلام، ويذل به في الكفر».
وروى ابن حبان (١٥/ ٩٢) عن المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل».
🔹اقتصرت فواتح الإسراء على ذكر ثلاثة من الرسل الخمسة أولي العزم؛ آخرهم محمد وأوسطهم موسى وأولهم نوح؛ لشدة ما لقوه من أقوامهم، وطول صبرهم عليهم، والفتح والنصر الذي تحقق لهم، وبقاء شرائعهم في أممهم بعدهم؛ بخلاف إبراهيم وعيسى لم يتحقق لهم فتح؛ بل نجاة؛ فكانت بشارة لمحمد ﷺ بالفتح والنصر والظفر!
🔹كما نصر الله موسى وأهلك فرعون وملأه وفتح على قومه من بعده بقيادة تلميذه يوشع بن نون حتى دخل القدس وطهر المسجد؛ كذلك نصر الله محمدا ﷺ وفتح مكة ومعه عشرة آلاف قديس؛ ليقيم حكم الشريعة -كما في نبوءات أنبياء بني إسرائيل- ودخل أصحابه بقيادة عمر الفاروق القدس، وطهروا المسجد وأقاموا الشريعة.
🔹تكرر ذكر نوح في سورة الإسراء مرة أخرى ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾؛ وذكرت ما حلّ بمن كفروا به؛ كما تكرر ذكر موسى وفرعون وبني إسرائيل والوعد الحق في خواتمها؛ مما يؤكد ارتباط ذكرهما في فواتح السورة بالنبي محمد ﷺ وبالمسجدين الحرام والأقصى، وما أوشك أن يحدث بعد الإسراء في الأرض!
🔹سيحدث بعد الإسراء والمعراج بالنبي ﷺ أمر عظيم وخطب جسيم؛ سيغير العالم كله؛ كما كان الطوفان - الذي حدث في عهد نوح؛ فعم المعمورة آنذاك - أعظم حدث في تاريخ الإنسانية حين استجاب الله دعاء نوح ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ ونجاه الله ومن آمن معه بالفلك ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾.
🔹الأرض التي عمّها الطوفان عقابا لقوم نوح هي أرضهم التي تمتد ما بين النهرين دجلة والفرات، أو ما بين البحرين الأحمر والأبيض، وهي قلب الأرض المعمور آنذاك؛ فبعث الله إليهم نوحا ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾؛ كما أرسل الطوفان على قوم فرعون ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾!
🔹كان نوح أول رسول، وقومه أول أمة في الأرض طغت وأشركت بالله، وأول أمة يحلّ بها العذاب ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم﴾ ﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى﴾ وكل الأمم ذكرت بعدهم في القرآن، ولم يكن نوح رسولا لكل الأمم في الأرض؛ بل لقومه خاصة؛ ككل الرسل عدا محمد ﷺ للناس كافة!
كما في البخاري (١/ ٧٤) عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ".
🔹أكّد القرآن بأن نوحا رسول إلى قومه خاصة لا إلى أهل الأرض كافة آنذاك، ونزلت سورة نوح تفصّل خبره ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم﴾ فقال: ﴿رب إني دعوت قومي﴾ لا الناس ولا أهل الأرض الذين لم يشركوا، وكان قومه أول من هلك ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾.
🔹صرّح القرآن بأن نوحا أول رسول ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ فكل الرسل والأنبياء كانوا بعد نوح؛ فدلّ ذلك على أن قومه أول أمة كفروا وأشركوا بالله، وكانت البشرية قبلهم على التوحيد ودين أبيهم آدم؛ فأقام الله عليهم حجته بالرسول ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾.
🔹مما يؤكد أن الطوفان كان في أرض العرب اليوم الممتدة ما البحرين الأحمر والأبيض، أو ما بين النيل إلى الفرات؛ امتنان الله عليهم ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية﴾ وقال عن أبيهم إبراهيم وأنه من شيعة نوح وأتباعه ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾؛ فخصهم بنوح!
🔹جعل الله الطوفان وغرق قوم نوح آية للأمم التي على الأرض آنذاك ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية﴾ وخصّ الله الكافرين من قومه به ﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك﴾ والإضافة إليه ﴿قومك﴾؛ تفيد التخصيص، وأنه لن يؤمن من قومه خاصة؛ وليس كل الأقوام ﴿إلا من قد آمن﴾.
🔹لم ينج من قوم نوح إلا من آمن معه ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ من قومه فقط ﴿إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين﴾ لا الأمم الأخرى في الأرض ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين﴾ من قومه لا من غيرهم، ﴿فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف﴾ لمن هلك من قومه!
🔹لم يكن أشرك وكفر إلا قوم نوح؛ فحلّ بهم العذاب، ولم يبق في الأرض من الكافرين ديّارا؛ استجابة لدعاء نوح ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ ﴿فاستجبنا له فنجيناه وأهله﴾ الذين آمنوا معه ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين﴾ لا أهل الأرض جميعا!
قال ابن عطية في تفسيره لقوله تعالى في الصافات عن قوم نوح ﴿ثم أغرقنا الآخرين وإن من شيعته لإبراهيم﴾ (وقوله تعالى: ثم أغرقنا الآخرين يقتضي أنه أغرق قوم نوح وأمته ومكذبيه، وليس في ذلك نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض، ولكن قد قالت جماعة من العلماء وأسندت أحاديث بأن الغرق عم جميع الناس إلا من كان معه في السفينة، وعلى هذا ترتب القول بأن الناس اليوم من ذريته، وقالوا لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لأن عهد آدم كان قريبا، وكانت دعوة نوح ونبوءته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فكان الجميع كفرة عبدة أوثان لم يثنهم الحق إلى نفسه فلذلك أغرق جميعهم، وقوله تعالى: من شيعته قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: الضمير عائد على نوح، والمعنى في الدين والتوحيد، وقال الطبري وغيره عن الفراء: الضمير عائد على محمد ﷺ والإشارة إليه).
🔹لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يشير إلى أن الطوفان عمّ كرة الأرض كلها؛ بل عمّ فقط الأرض التي فيها قوم نوح ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ ولفظ الأرض معرفة وردت كثيرا للعهد الذهني بمعنى الأرض المعهودة لمن ورد الحديث عنهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض﴾ وهي الشام، وكما قال أخو يوسف الأكبر لإخوته ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾.
قال ابن عطية في تفسيره (٤/ ٤٧٧) لقوله تعالى في الصافات عن قوم نوح ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ (وقوله تعالى: ثم أغرقنا الآخرين يقتضي أنه أغرق قوم نوح وأمته ومكذبيه، وليس في ذلك نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض، ولكن قد قالت جماعة من العلماء وأسندت أحاديث بأن الغرق عم جميع الناس إلا من كان معه في السفينة، وعلى هذا ترتب القول بأن الناس اليوم من ذريته، وقالوا لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لأن عهد آدم كان قريبا، وكانت دعوة نوح ونبوءته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فكان الجميع كفرة عبدة أوثان لم يثنهم الحق إلى نفسه فلذلك أغرق جميعهم).
🔹أمر الله نوحا أن يستعد لركوب الفلك قبل الطوفان هو وأهله والقلة الذين آمنوا معه، ويحمل معهم كل ما يحتاجونه في السفينة وبعد هبوطهم ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ وهي براكين الأرض وحممها المصهورة نارا حين تفجرت ﴿قلنا احمل فيها من كل﴾ شيء ونوع تحتاجه من الدواب ﴿زوجين اثنين﴾ فقط.
قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (٦/ ١٥١) لقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ (أي: أمرنا بالفوران أو للسحاب بالإرسال، وللملائكة بالتصرف في ذلك، ونحو هذا مما يقدر في النازلة. وفار: معناه انبعث بقوة، والتنور وجه الأرض، والعرب تسميه تنورا قاله: ابن عباس، وعكرمة، والزهري، وابن عيينة، أو التنور الذي يخبز فيه، وكان من حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح قاله: الحسن، ومجاهد، وروي أيضا عن ابن عباس. وقيل: كان لآدم، وقيل: كان تنور نوح، أو أعلى الأرض والمواضع المرتفعة قاله: قتادة، أو العين التي بالجزيرة عين الوردة رواه عكرمة، أو من أقصى دار نوح قاله: مقاتل، أو موضع اجتماع الماء في السفينة، روي عن الحسن، أو طلوع الشمس وروي عن علي، أو نور الصبح من قولهم: نور الفجر تنويرا قاله: علي ومجاهد، أو هو مجاز والمراد غلبة الماء وظهور... والظاهر من هذه الأقوال حمله على التنور الذي هو مستوقد النار، ويحتمل أن تكون أل فيه للعهد لتنور مخصوص، ويحتمل أن تكون للجنس. ففار النار من التنانير، وكان ذلك من أعجب الأشياء أن يفور الماء من مستوقد النيران. ولا تنافي بين هذا وبين قوله: وفجرنا الأرض عيونا إذ يمكن أن يراد بالأرض أماكن التنانير، والتفجير غير الفوران، فحصل الفوران للتنور، والتفجير للأرض. والضمير في فيها عائد على الفلك، وهو مذكر أنث على معنى السفينة، وكذلك قوله: وقال اركبوا فيها. وقرأ حفص: من كل زوجين بتنوين، كل أي من كل حيوان وزوجين مفعول، واثنين نعت توكيد، وباقي السبعة بالإضافة، واثنين مفعول احمل، وزوجين بمعنى العموم أي: من كل ما له ازدواج، هذا معنى من كل زوجين قاله أبو علي وغيره. قال ابن عطية: ولو كان المعنى احمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين، لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج في مشهور كلام العرب للواحد مما له ازدواج، فيقال: هذا زوج، هذا وهما زوجان، وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى: ثمانية أزواج).
🔹ليس في القرآن ولا في السنة أن نوحا حمل كل زوج من الحيوان على وجه الأرض؛ ليحافظ على نسلها؛ كما جاء في الروايات الإسرائيلية؛ بل حمل فيها ما يحتاجه منها حتى ينتهي الطوفان في أرض قومه؛ حيث تبع البراكين وفورانها تفجر الأرض ﴿وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء﴾ مع السيل المنهمر؛ فكان الطوفان!
﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر﴾.
🔹لم يبق بعد نوح إلا ذريته ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ من قومه وانقرض نسل من معه من المؤمنين ويحتمل أن تكون أمم الأرض اليوم كلها من ذريته كما خاطبهم القرآن جميعا ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة﴾ ويحتمل الخطاب للعرب والأمم السامية خاصة ممن ورثوا أرض قوم نوح.
قال ابن عطية في تفسيره (٤/ ٤٧٧) لآية ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ (فقال: «سام وحام ويافث»، وقالت فرقة: إن الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وبارك في ضئضئه وليس الأمر بأن أهل الأرض انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه، والأول أشهر عند علماء الأمة وقالوا نوح هو آدم الأصغر، وقوله (وتركنا عليه في الآخرين) معناه ثناء حسنا جميلا آخر الدهر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقوله سلام على هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم الله به عليه ليقتدي بذلك البشر، قال الطبري: هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء).
🔹 بعد الطوفان استقرت سفينة نوح على جبل الجودي ﴿واستوت على الجودي﴾ واختلف في مكانه؛ فقيل في الشام، وقيل شمال العراق، ويحتمل بمكة؛ ففيها جبل أجياد ووادي الجودي وقوله تعالى: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ يرشح أن الجودي بمكة أو الشام؛ لولا الروايات الإسرائيلية!
🔹 دعا نوح ربه وهو في السفينة بما أوحى الله إليه ﴿وقل رب أنزلني مُنزلا مباركا وأنت خير المنزلين﴾ وقرئت ﴿مَنزِلا﴾ ولم يطلق القرآن على بلد بأنه مبارك إلا المسجد الحرام بمكة ﴿ببكة مباركا﴾ والمسجد الأقصى ﴿الذي باركنا حوله﴾ ولا مكان أبرك منهما، ولن يختار لنوح والمؤمنين معه غيرهما!
🔹 بارك الله لنوح إنزاله ومنزله وبارك عليه وعلى من معه ﴿وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ وأعظم بركة كانت أن جعل في ذريته النبوة والكتاب حصرا ﴿أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾ ممن ﴿أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم﴾؛ فخصّهم!
🔹 شرّف الله نوحا أن جعل النبوة والكتاب بعده في ذريته حصرا وذرية إبراهيم خاصة ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾﴿وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾؛ وهذا الاختصاص يؤكد أن نوحا أب فقط للأمم التي بعث فيها الأنبياء بعده ممن عناهم الله بقوله: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ في تلك الأرض المباركة وأممها!
🔹 أعظم الرسل من ذرية نوح وإبراهيم: موسى ومحمد ﷺ، وأبرك مكان في الأرض المسجد الحرام ﴿ببكة مباركا﴾، والمسجد الأقصى وما بينهما وحولهما ﴿باركنا حوله﴾؛ فبارك الله لنوح في منزله وفي الأمم من ذريته، وجعل الأنبياء من صلبه ﴿سبحان الذي أسرى بعبده.. وآتينا موسى الكتاب.. ذرية من حملنا مع نوح﴾!
🔹 أعظم كتابين مباركين أنزلهما الله: التوراة ثم القرآن على محمد ﷺ ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾؛ فتحقق وعد الله لنوح بعموم البركات عليه وعلى الأمم من بعده ﴿اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ وظهرت المناسبة بين ذكره وذكر موسى ومحمد ﷺ وكتابيهما والإسراء بين المسجدين المباركين!
🔹 أعظم ذرية آدم ونوح وإبراهيم بركة على أهل الأرض محمد ﷺ وعمت بركته الأرض التي جعلها الله منزلا مباركا لنوح ﴿أنزلني منزلا مباركا﴾ والأمم التي بارك الله عليها ﴿وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ وكان الإسراء به بين المسجدين المباركين من مكة إلى القدس تحقيقا لوعد الله بشمول بركته الأرض!
🔹 بعد فراغ الإسراء من الحديث عن الوعد الحق الذي قضاه الله على بني إسرائيل في التوراة وكتب أنبيائهم والوعد الحق الذي كتبه لعباده المؤمنين الذين يبعثهم عليهم؛ نوّهت بعظمة القرآن ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾؛ فأكد بـ (إن) وجاء باسم الإشارة (هذا)؛ لتعيينه واستحضاره في ذهن المخاطب وتفخيمه.
🔹 أشارت السورة إلى القرآن بأوضح صيغ التعيين وهي الإشارة للتمييز وأل التعريف العهدي ﴿هذا القرآن﴾ الذي صار علما على الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ، وقرآن على وزن فعلان كشكران وغفران؛ مصدر مشتق من قرأ لوحظ فيه بزيادة الألف والنون معنى المبالغة والكمال في البيان ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه﴾.
🔹 وصف الله القرآن بأنه ﴿هدى للمتقين﴾ وأنه ﴿يهدي للتي هي أقوم﴾ ومن هدايته للناس أنه يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون﴾ ومن ذلك ما يدّعيه اليهود في شأن الوعد المزعوم لهم في فلسطين والمسجد الأقصى والذي أبطلته سورة الإسراء!
🔹 وُصف القرآن بأنه ﴿يهدي للتي هي أقوم﴾ وحذف مفعول يهدي لإفادة العموم والشمول؛ فهو يهدي كل من أراد الاهتداء به هداية إرشاد ودلالة إلى الحق، وإن لم يؤمن، وهداية توفيق وثبات لمن آمن، وحذف الموصوف واكتفى بالوصف ﴿للتي هي أقوم﴾؛ ليعم الملة الدينية والسنن المجتمعية والهداية الإنسانية كافة.
🔹 جاءت (أقوم) في قوله: ﴿يهدي للتي هي أقوم﴾ على وزن أفعل التفضيل، وحذف المميز؛ ليعم فيكون على ظاهره؛ فهو أقوم وأهدى سبيلا ودليلا من غيره في كل ما يحتاجه الخلق من هداية تشريعية أو خلقية أو سياسية، وقيل أقوم هنا بمعنى قويم وليس أفعل تفضيل؛ إذ ليس هناك كتاب يساميه في الهداية؛ ليفاضل بينهما!
🔹 حُذف مميز أفعل التفضيل (أقوم) في ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾؛ ليعم كل صور الاستقامة فالقرآن ﴿يهدي﴾ إلى:
١- الشرائع التي ﴿هي أقوم﴾ وأصلح في أحكامها وأعدل سبيلا.
٢- والبينات التي ﴿هي أقوم﴾ وأصوب دليلا.
٣- والحقائق التي ﴿هي أقوم﴾ وأصدق قيلا وأصح وأدق في أخبارها تفصيلا.
🔹 لما ذكرت الإسراء في فواتحها التوراة والامتنان بها ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل﴾ نوّهت بفضل القرآن على كل كتاب ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فهداياته عامة لكل الخلق، وليس كالتوراة لبني إسرائيل فقط وسيبقى هدى وحجة ومعجزة إلى قيام الساعة وناسخا لكل كتاب وشريعة!
كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾.
🔹 لم تقتصر السورة على وصف القرآن بأنه ﴿يهدي للتي هي أقوم﴾ لبيان أنه ناسخ للتوراة التي جعلها الله ﴿هدى لبني إسرائيل﴾؛ بل وصفته أيضا بأنه بشارة كالإنجيل (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا﴾ فجمعت له بين وصفيّ التوراة الذي جعله الله هدى والإنجيل الذي جعله بشارة!
﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾
🔹 ستمضي سورة الإسراء إلى نهايتها وخاتمة آياتها في بيان حقيقة ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ في كل شئون حياة الإنسان، وحقائق الإيمان، وحال أهل الأديان، وفي بيان هدايات الله القرآنية وسننه المجتمعية الكونية في الأمم، وما جرى لها وعليها، وتصريف الأقدار فيها وفق نظام سماوي رباني محكم!
🔹 بدأت الإسراء ببيان هدايات القرآن التي ﴿هي أقوم﴾ وأهدى سبيلا وأصح دليلا وأصدق قيلا في أحكامه وأخباره وبشاراته ونذاراته ﴿ويبشر المؤمنين.. وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ ؛ فجمع أكمل ما في التوراة وأحكامه وحدوده وتشريعاته، وما في الإنجيل ومواعظه وحكمه وبشاراته!
🔹 تحدثت السورة عن طبيعة الإنسان وضعفه وحاجته لهداية ربه ورسله وكتبه وأنه ربما سعى بنفسه إلى حتفه من حيث يريد الخير لنفسه ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا﴾؛ كما هو حال طغاة العرب الذين قالوا ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة.. أو ائتنا بعذاب﴾!
🔹 في قوله تعالى: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير﴾ تعريض باليهود الذين كان يسألون الله أن يبعث النبي الخاتم ليقاتلوا به العرب ﴿يستفتحون على الذين كفروا﴾ (عن قتادة قال: قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، كانت اليهود تستفتح بمحمد ﷺ على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا ﷺ فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)) تفسير الطبري (٢/ ٣٣٥) فكان دعاؤهم واستفتاحهم شرا لهم واستعجالهم وبالا عليهم ﴿وكان الإنسان عجولا﴾!
🔹 حذفت الواو من (يدعو) مع عدم وجود ما يقتضي الحذف إذ الفعل مرفوع ﴿ويدع الإنسان بالشر﴾ مراعاة لمقتضى الكلام وما فيه من وصف حال الإنسان حين الدعاء من استعجال وتلهف على استجابة الله دعاءه فلا يكاد يأتي بالدعاء تاما ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ وهو ما يؤكد أن رسم القرآن كلفظه توقيفي معجز!
🔹 القرآن كتاب محفوظ في السماء كما في الأرض فقد نزل قرآنا يُقرأ تلاوة وكتابا يحفظ رسما وكتابة كما نزل به جبريل على محمد ﷺ ﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ فرسمه وخطه وكتابته بين يدي النبي ﷺ كلفظه سماعا من فمه كلاهما توقيفي من عند الله وفي رسمه ما في نظمه من صور البلاغة والإعجاز!
🔹 وافق الرسم المعنى لا الإعراب بحذف الواو في آية ﴿ويمح الله الباطل﴾ فحذفت الواو رسما للتعبير عن سرعة المحو للباطل!
ومثله ﴿سندع الزبانية﴾ تصويرا لسرعة أخذهم المجرمين إلى النار!
وقوله ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين﴾ تصويرا عن سرعة إيتائهم أجرهم!
ومثله ﴿فما تغن النذر﴾ تصويرا لحال النذير وصريخه وسرعة وقوع النذارة!
وكذا ﴿يناد المناد﴾ لسرعة حدوث الأمر!
وحذفها لفظا جاء مراعاة لالتقاء الساكنين حرف العلة والألف الساكنة بعده، ولا سبب يقتضي حذفها خطا إلا مراعاة المعنى وتصويره خطا؛ ليشترك السمع والنظر كلاهما في إدراك هذا المعنى لفظا ورسما!
🔹 استعجل اليهود تحقق الوعد الثاني ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ مع أن فيه نهايتهم ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا.. وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا.. وكان الإنسان عجولا﴾!
🔹 نعى القرآن على الظالمين استعجالهم وقوع وعد الله ووعيده بهم ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده﴾ بنصر المؤمنين وعقابهم ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون﴾؛ إذ سنن الله تجري وفق قدر كوني لا تعجل لعجلة الإنسان ﴿وكان الإنسان عجولا﴾!
🔹 نهى القرآن النبي ﷺ إرشادا للمؤمنين عن استعجال وعد الله بالنصر ووقوع وعيده وعقابه بالظالمين ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا﴾ ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ وحذر الظالمين من اقتراب وعيده ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾؛ ففيه نهايتكم ﴿وكان الإنسان عجولا﴾!
🔹 بعد أن ذكرت السورة طبع الإنسان وعجلته -﴿وكان الإنسان عجولا﴾ باستباقه وقوع الأقدار قبل آجالها التي حددها الله لها ومن ذلك وعده ووعيده؛ وفق سنن كونية بأسباب قدرية لا تتخلف أبدا ولا تعجل لاستعجال أحد- أشارت إلى هذه السنن ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ في تعاقبها وفق نظام دقيق محكم!
🔹 جعل الله ﴿الليل والنهار آيتين﴾ على بديع صنعه، وكمال قدرته وسعة علمه، وبالغ حكمته في خلقه، فإذا كانا وهما آيتان من آياته على هذا التسخير المطرد ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾؛ فما يكون الإنسان معهما الذي يريد باستعجاله بدعائه نقض سنن ربه!
🔹 أشارت السورة إلى حركة الزمن على الأرض وانتظامه بدوران الليل والنهار والشمس والقمر ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار﴾ وذكرت الغاية ﴿لتبتغوا فضلا من ربكم﴾ بالنهار في كسبكم معايشكم، وبالليل في سكونكم وسباتكم وراحتكم ﴿ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾؛ فتنتظم حياتكم.
🔹 ذكرت السورة تصيير الله الليل آية ثم ذكرت محو آيته وهو القمر ﴿فمحونا آية الليل﴾، وعطفت الجملة بالفاء التي تفيد حدوث المحو والطمس مباشرة بعد تصيير الليل والنهار آيتين؛ لتهيئة الأرض وصلاحيتها للحياة الإنسانية، وهذه معجزة خبرية لم تكن معروفة قبل هذا العصر، وهو أن القمر كان مضيئا فانطفأ!
استنبط ابن عباس من قوله تعالى: ﴿فمحونا آية الليل﴾ وهي القمر بأنه كان مشعا كالشمس ﴿وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ مضيئة؛ فقال؛ كما رواه الطبري عنه (١٧/ ٣٩٦): (كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر) وهو ما أكده العلم الحديث وأن القمر كان مضيئا، ثم فقد توهجه وتوقده بعد أن خمدت حممه البركانية وانطمس ضوؤه!
🔹 جعل الله الحكمة من محو آية الليل - وهو القمر - ليكون سكنا وسكونا للخلق ﴿جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا﴾ مضيئا بالشمس ﴿وجعل الشمس سراجا﴾ يتوهج؛ فصارت ﴿الشمس ضياء والقمر نورا﴾ لا ضوء له يشع؛ بل يسطع عليه شعاع الشمس المنعكس نوره إلى الأرض؛ فلا يمنع من ظلام الليل وسكونه!
🔹 الإضافة في قوله تعالى: ﴿آية الليل .. آية النهار﴾ حقيقية من إضافة القمر إلى الليل وإضافة الشمس إلى النهار، لا بيانية من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والفاء في ﴿فمحونا آية الليل﴾ عاطفة وليست تفسيرية للجعل الأول في ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾؛ فأشارت لبدء نشوء الأرض والشمس والقمر!
🔹 جعلُ الليل والنهار وتعاقبهما آيتين سبق حدوث محو آية الليل وهو القمر؛ فيكون تشكل الأرض ودورانها حول الشمس ليتعاقب فيها الليل والنهار قبل دوران القمر حولها ﴿خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر﴾، والتكوير يقتضي حركة دائرية كروية!
🔹 لما كان الله يهدي من يشاء بنور هداياته وكتبه ورسله، ويضل من يشاء بطمس نوره وبصره؛ أشار إلى ذلك إشارة حسية يراها كل إنسان بأوضح صورة في ظلام الليل ونور النهار ﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ منيرة ظاهرة في نفسها ومضيئة لما حولها؛ كما وصف آيات موسى وهداياته بأنها ﴿مبصرة﴾؛ كما في قوله تعالى: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين﴾.
🔹 أبطلت الآية ألوهية الكواكب المعبودة من دون الله؛ فهي آيات مسخرة بقدرة الله ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ وأبطلت كل العقائد الجاهلية عن تأثيرها في آجال بني آدم وأقدارهم، وإنما جعلهما الله نعمة ﴿لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾ بانتظام دورانها بدقة.
كما روى مسلم في صحيحه (٢/ ٦٢٠) عن عبيد بن عمير عن عائشة، أن الشمس انكسفت في عهد رسول الله ﷺ فقام قيامًا شديدًا ...ثم قال: «إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفا فاذكروا الله حتى ينجليا».
🔹 بعد أن ذكرت السورة آيات الله القرآنية - التوراة والقرآن - التي تهدي بني آدم للتي هي أقوم سبيلا في استقامة نفوسهم وزكاة قلوبهم وآياته الكونية - الليل والنهار والقمر والشمس - التي يُهدون فيها للتي هي أحسن في صلاح معاشهم واستقامة حياتهم؛ عممت ذلك ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾ بعلم وحكمة!
🔹 آية ﴿وكل شيء فصّلناه تفصيلا﴾ على عمومها قضاء وقدرا وحكما وخبرا ونهيا وأمرا؛ فلا يخرج شيء في الوجود عن خلقه وقدره ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ولا عن حكمه وأمره ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ وفصّل أحكامه الشرعية في كتبه كالتوراة هدى ﴿وتفصيلا لكل شيء﴾ و﴿أنزل إليكم الكتاب مفصّلا﴾ وهو القرآن.
🔹 فصّلت سورة الإسراء في آياتها خبر كل شيء وحكمه؛ ابتداء من أصل الوجود وبدء الخلق، وخبر آدم وتكريمه والتكليف الذي فُرض عليه وإرسال الرسل وإنزال الكتب واختلاف أهل الأديان، ونزول القرآن وتحدي الخلق به وإعجازه والدعوة إلى توحيد الله، وإبطال شبه الكافرين به وتشريع الأحكام؛ حتى لم تدع شيئا لم تبينه أوضح بيان!
🔹 فصّل الله في القرآن - المكي قبل المدني - كل هداية ورحمة وحكم تحتاجه البشرية في صلاح دنياها وآخرتها، وأعظمها الحكم وسياسة المجتمع بما شرعه الله؛ ليخرجهم من شقائهم ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ ﴿وأمرت لأعدل بينكم﴾ ﴿إن الحكم إلا لله﴾!
🔹 جعل القرآن أبرز مظاهر توحيد الله؛ الحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه وحده لا شريك له ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾؛ ومنه طاغوت الحكم ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾ ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾.
🔹 لم يفصّل القرآن في أمر كما فصّل في توحيد الله في حكمه ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾ يطاع أمره وحكمه ﴿وهو رب كل شيء﴾﴿إن الحكم إلا لله﴾ ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ﴿إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾.
🔹 قوله تعالى: ﴿..وكل شيء فصلناه تفصيلا وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا﴾؛ تأكيد لتفصيل الله لكل شيء في هذا الوجود وإحاطته بكل موجود؛ علما وقدرة وحكمة وحفظا وكتابة؛ فلا يخرج عن القضاء والتفصيل والإلزام والتقدير شيء مطلقا ﴿وكل شيء.. وكل إنسان..﴾!
🔹 الطائر هو العمل والنصيب ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره﴾ وهو حظّه وعمله وسهمه الذي كتبه الله له بإرادته واختياره وفعله؛ فلا يُظلم أحد ولا يبخس حقه ولا يتفصّى أحد مما فعل؛ بل هو كالطوق ﴿في عنقه﴾ والغل في رقبته، وسماه الله طائرا؛ إبطالا لاعتقاد أهل الجاهلية بالطير تشاؤما وتفاؤلا شركا بالله!
🔹 عرّضت الآيات ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره..﴾ باليهود الذين يحتجون على الله بالجبر، وبأن ما يجري لهم من خزي وعقوبة (قضاء وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل) كما قال حيي بن أخطب بعد غدر بني قريظة وحصارهم مع أنه جزاء على فسادهم ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها..وإن عدتم عدنا..﴾!
🔹 أجابت السورة عن أكبر مشكلات الفكر الإنساني وهي قضية فعل الإنسان -وهل هو مسير أم مخير- التي أشغلت أهل الأديان والفلسفات قبل الإسلام ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها... وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾.
🔹 أبطلت السورة كل شبه من يحتجّون على الله بأقداره، وردت على نفاة قدره الذين ينفون عن الله قضاءه في خلقه؛ فأثبتت فعل الإنسان واختياره للخير والشر ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ وأثبتت نفوذ ذلك بقضاء الله وإرادته ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾.
🔹 كل ما يقع في هذا الوجود إنما يحدث بعلم الله؛ فلا يعزب عنه شيء، وبإرادته؛ فلا يسبقه شيء، وبقدرته؛ فلا يعجزه شيء، وبحكمته التي لا تدرك العقول كنه أقداره؛ فهي سر من أسراره ﴿ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظور﴾ ولولا مدده لهم بالقوة ليبتليهم بالخير والشر أيهم أحسن عملا ما قدروا منه على شيء!
🔹 ستمضي الإسراء في بيان قضية الجبر والقدر تفصيلا وتدليلا؛ لتقرر بكل جلاء بأن الله هو الذي يهدي ويضل من يشاء وفق سنن ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾؛ فلا إيمان إلا بتوفيقه وفضله، ولا كفر إلا بقضائه وعدله ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾!
🔹 أبطلت سورة الإسراء شبه اليهود في الاحتجاج على الله بالأقدار، وبادعاء أن لهم وعدا من الله ألا يعذبهم، وأنه اختصهم به ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؛ فلا يؤاخذ الله أحدا بجرم أحد، ولا يعذب أحدا إلا بعد الإعذار إليه!
🔹 قررت الآية ثلاثة مبادئ تشريعية قضائية كبرى:
١- مبدأ مسئولية الإنسان عن أفعاله وحرية الإرادة الإنسانية ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾.
٢- ومبدأ العقوبة الشخصية ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
٣- ومبدأ لا عقوبة قبل النص والبلاغ ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾!
🔹 بعد أن ذكر الله في الإسراء وعده ووعيده، وما سيجري لليهود من فساد في الأرض وعقاب؛ ذكر السنن المطردة ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾؛ وقدّ حل هذا الوعيد باليهود في المدينة بعد ثلاث سنين فقط من نزول الإسراء بمكة بإجلاء يهود قينقاع!
🔹 كان إجلاء يهود قينقاع بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة وإجلاء بني النضير بعد أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وحصار قريظة في السنة الخامسة من الهجرة، فلم تمض سبع سنين من الإسراء حتى كانت حصون بني إسرائيل وقلاعهم في المدينة خرابا يبابا ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ الذين جاسوا ﴿خلال الديار﴾؛ لتتحقق سنن الله في القرى!
🔹 جعل الله طغيان الملأ الظالمين وفساد المترفين سبب تدمير القرى ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ وأكد النبي ﷺ اطراد هذه السنة الإلهية؛ كما روى البخاري في صحيحه (٤/ ١٣٨) (عن زينب بنت جحش رضي الله عنها، أن النبي ﷺ، دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت : فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»)!
🔹 قوله: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ يعني أمرناهم ونهيناهم؛ فعصوا وطغوا؛ فحق عليهم العقاب.
وقرئت أيضا ﴿آمرنا مترفيها﴾ يعني: كثرناهم وأمددناهم بأموال وبنين حتى إذا كثر فسادهم أخذناهم.
وقرئت ﴿أمّرنا مترفيها﴾ أي: جعلناهم أمراءها وملوكها؛ ففسقوا وطغوا فيها ﴿فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾.
كما قال ابن عطية في تفسيره (٣/ ٤٤٤ -٤٤٥): (وقرأ الجمهور «أمرنا» على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، «آمرنا» بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: «أمّرنا» بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد: قال أبو علي الفارسي: الجيد في «آمرنا» أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها فتقول آمر القوم وآمرهم الله أي كثرهم، قال «وآمرنا» مبالغة في «أمرنا» بالهمزة، و «أمّرنا» مبالغة فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون «أمّرنا» من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا واحدا بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم.
ومنه قول معاوية لعمر رضي الله عنه حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن العاص، إن علي أميرا لا أقطع أمرا دونه، أراد معاوية رضي الله عنه أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ومنه قول الآخر: والناس يلحون الأمير إذ هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وأيضا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك الله عليها مترفا ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر «أمرنا» بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجها لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا، ومنه قول لبيد: ن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للقل والنفد
ومنه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر متعديا عن أبي زيد الأنصاري، و «المترف» الغني من المال المتنعم، والترفه النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب: «قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها»).
🔹 خصّ الله المترفين بالذكر هنا ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ لما يفضي الترف بأهله عادة إلى الظلم والطغيان والفساد في الأرض والإجرام ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾ وهم عادة الملأ أعداء الرسل ﴿وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون﴾!
🔹 يغترّ المترفون عادة بطول الأمد عليهم، وعدم وقوع العذاب بآبائهم المؤسسين لهم طرائق حياتهم؛ فيقتدون بهم ويحتجون بأوضاعهم ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون... فانتقمنا منهم﴾؛ ولهذا يأتيهم العذاب بغتة ﴿إذا هم يجأرون﴾!
🔹 قوله: ﴿فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ هو الوعد الحق الذي أقسم الله به ﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين﴾؛ وهي سنة لله مطردة في الأمم كلها، لا تحول دون وقوعها الأماني الخادعة ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ وهو ما وقع ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾!
🔹 بعد تفصيل السورة لأحكام الله الكونية شرعت في تفصيل أحكامه الشرعية؛ فحرمت الشرك به ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ والجعل التصيير والاتخاذ ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا﴾؛ فهي آلهة مجعولة مصنوعة حتى عند من عبدها كقول اليهود لموسى ﴿اجعل لنا إلها﴾ نعبده!
🔹 الإله في لغة العرب كل معبود يُخضع له ويتزلف إليه حقا كان أو باطلا صنما مصنوعا ﴿أتتخذ أصناما آلهة﴾ أم ملكا مطاعا كفرعون ﴿لئن اتخذت إلها غيري﴾ أو هوى متبوعا ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ بعبادة الإنسان نفسه واتباع شهواته واتخاذ معبوداته بهواه؛ كما قال ابن عباس: (الهوى إله معبود)!
قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٧٥) (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه): (اختلف أهل التأويل في تأويل قوله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) فقال بعضهم: معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به).
وقال (٢٢/ ٧٦): (عن قتاده قال: (لا يهوي شيئا إلا ركبه لا يخاف الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: كانت قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض، حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر، فأنزل الله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه). وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء، لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره.)
🔹 لا تنفك النفس البشرية - لافتقارها الذاتي وشعورها بعجزها وحتمية الموت والفناء - عن اتخاذ معبود وإله! فالإنسان إن لم يعبد الله؛ عبد ما سواه وإلا عبد هواه ﴿وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾، فكما الكاهن البوذي في صومعته يتخذ وثنا؛ فالمخترع الملحد في مصنعه ومختبره يتخذ الطبيعة إلها!
🔹 الشرك نقيض التوحيد وهو بالمفهوم القرآني إفراد الله وحده لا شريك له بكل ما أمر عباده عدم الإشراك معه غيره فيه؛ سواء في عبادته ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ أو طاعته ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ أو حكمه ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿ولا تشرك في حكمه أحدا﴾!
قال الشنقيطي في أضواء البيان (٧/ ٤٨): (الإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: ولا يشرك في حكمه أحدا. وفي قراءة ابن عامر من السبعة ولا تشرك في حكمه أحدا بصيغة النهي.
وقال في الإشراك به في عبادته: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه - إن شاء الله -. وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه - كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به).
🔹 جعل الإسلام شعار دعوته لتوحيد الله كلمة (لا إله إلا الله)؛ فلا معبود بحق إلا الله، ولا يطاع حق الطاعة إلا الله وحده لا شريك له؛ فنفى عن كل إله سوى الله وصف الألوهية التي نحله عابدوه إياه جهلا وحصر حقوقها التي تقتضيها؛ من العبادة والطاعة المطلقة والخشية والدعاء لله وحده لا شريك له
قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ٤١٠): ((لا إله إلا هو) يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا..)
وقال في تفسير قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي): (قال:"عن دعائي". حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا عمارة، عن ثابت، قال: قالت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا بل هو العبادة كلها.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أخبرنا منصور، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ هذه الآية (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي)).
🔹 أبرز مظاهر توحيد الله؛ إخلاص الدعاء له؛ فهو الغاية من الصلوات والحج والصوم والزكاة والطاعات كلها؛ وهو أن يجيب الله دعاء عبده إذا دعاه وأن يتولاه وهو إخلاص الدين ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾ بدعائه وعبادته وحده!
🔹 احتج القرآن على المشركين بإخلاصهم الدين لله حال الاضطرار إليه وحده في البحر حين لا يدعون أحدا سواه؛ كما في قوله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين﴾، وقوله: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾، وقوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ بدعاء غيره؛ فسمى دعاءهم إياه واستغاثتهم به في البحر؛ إخلاصا للدين، وسمى دعاءهم غيره بعد نجاتهم؛ شركا!
🔹 الشرك في العبادة هو صرف شيء من الأعمال - التي يشترط لها النيات ويقصد بها الله - لغير الله؛ فهي شرك عملي؛ كما روى مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٨٩) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وفي رواية ابن ماجه (٢/ ١٤٠٥): (فأنا منه بريء وهو للذي أشرك )؛ ولهذا كان الرياء شركا حين اختل شرط الإخلاص في العمل وقصد المرائي ثناء الناس عليه مع عدم اعتقاده ألوهيتهم ولم يضف عليهم شيئا من خصائص الله!
🔹 هذا الخطاب الإلهي للنبي ﷺ وما فيه من تهديد ووعيد ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ هو تجريد لبشريته ﷺ وإثبات لعبوديته حتى لا يُتخذ ندا مع الله؛ كما روى أحمد في مسنده (٢/ ٤٢٣) عن ابن عباس: (أن رجلا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت! فقال له النبي ﷺ: "أجعلتني والله عدلا؟! بل ما شاء الله وحده". وفي رواية "جعلتني لله عدلا؟! بل ما شاء الله وحده)، والمراد بالخطاب في الآية كل مكلف فإذا كان هذا خطاب موجه لمقام النبوة العظيم مع شرفه ومكانته فكيف بغيره.
🔹 حرّمت سورة الإسراء الشرك بالله واتخاذ إله غيره معه، وأوجبت توحيده بالعبادة والطاعة بأبلغ صيغ العموم والحصر ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر﴾؛ فجاءت النكرة (إلها) في سياق النهي؛ فأفادت عموم تحريم اتخاذ أي إله آخر ثم حصرت ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وحذف المفعول في ﴿تعبدوا﴾ ليعم كل معبود.
🔹 جاءت كلمة التوحيد في القرآن ٣٦ مرة:
مرة واحدة (١) بصيغة النفي للجنس (لا إله) والإثبات للبدل بالضمير المخاطب (أنت) ﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾
ومرتين (٢) باسم العلم (الله) ﴿لا إله إلا الله﴾
وثلاث مرات (٣) بضمير المتكلم (أنا) ﴿لا إله إلا أنا﴾
ومرة واحدة (١) بالاسم الموصول بدلا من الخبر المحذوف فيما قصّه القرآن من قول فرعون حين الغرق ﴿لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾
و(٢٩) مرة بضمير الغائب ﴿لا إله إلا هو﴾!
🔹 حيث كان البدل في الشهادة ضمير المخاطب (أنت) جاء بعده تسبيحه ﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾!
وباسمه العلم (الله) أمر بالاستغفار وعدم الاستكبار ﴿واستغفر لذنبك﴾
وبضمير المتكلم (أنا) جاء الأمر بالعبادة والتقوى ﴿لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ ﴿فاتقون﴾ ﴿فاعبدني﴾
وبضمير الغائب (هو) تمجيده!
وجاءت بالاسم الموصول بدلا من الخبر المحذوف فيما قصّه القرآن من قول فرعون حين الغرق ﴿لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾؛ فلم تنفع فرعون الشهادة لما استكبر عن التصريح باسم الله العلم (الله) وهو أعرف المعارف، أو التذلل بين يديه وندائه بضمير المخاطب (أنت) كما قال يونس وهو في بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾ فبلغ بفرعون طغيانه وهو يصارع موج البحر، ومنعه أن يشهد شهادة الحق على وجهها إيمانا وخضوعا فلم تقبل منه حين فات وقتها، وحين قالها استكبارا عن النطق باسم الله باستعمال الاسم الموصول (الذي) وهو في التعريف دون الاسم العلم (الله) ودون الضمير (أنت) ولا يعدل عنهما إليه في هذا الموطن إلا عال مستكبر ولا يقبل الله توبة من استكبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر!
🔹 جاءت ﴿لا إله إلا الله﴾ بهذه الصيغة مرتين: في سورة الصافات وهي مكية ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ وفي سورة محمد وهي مدنية ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات... ﴾، وجاء تفسيرها مرتين؛ وذلك قوله: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ في سورة لقمان وهي مكية، وفي الحج وهي مدنية بضمير الفصل (هو) ﴿من دونه هو الباطل﴾!
🔹 جاء في القرآن ثلاث آيات فيها ادعاء الألوهية وهي قول النمرود لإبراهيم ﴿أنا أحيي وأميت﴾ وقول فرعون لقومه ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وقوله ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾، وورد ثلاث آيات فيها الشهادة لله بالوحدانية بصيغة ﴿لا إله إلا أنا﴾ بجعل ضمير المتكلم (أنا) بدلا من ضمير الخبر المحذوف!
🔹 نفت كلمة التوحيد وجود معبود بحق غير الله إذ (لا إله إلا الله) تعني (لا معبود حق إلا الله)، وهذا الذي اعترض عليه المشركون ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾؛ لكثرة معبوداتهم بالباطل؛ فنزل ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ وأجمع أئمة التفسير والفقه واللغة على هذا التقدير.
🔹 ذكر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠) في تفسيره الجامع (٢١/ ٤١٠) تقدير الخبر المحذوف في شهادة التوحيد في الإسلام وأنه (لا معبود بحق)، ولم يذكر خلافا بين الأئمة قبله؛ كما هو شرطه: ((لا إله إلا هو) يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا (الحمد لله رب العالمين) يقول: الشعر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضر ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعا) وكذا قدره مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧) في تفسيره الهداية إلى بلوغ النهاية (١١/ ٧٤٠٩) قال في تفسير: {هو الله الذي لا إله إلا هو} (أي: لا معبود بحق غيره) وكذا الزمخشري (ت ٥٣٨) في تفسيره الكشاف (١/ ٦) قال في معنى (يا إله، والإله- من أسماء الأجناس كالرجل والفرس- اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأما (الله) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره. ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله. كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل. وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضا فإن صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال)، ومثله القرافي (ت ٦٨٤) في الذخيرة (٢/ ٥٧)، ونفى صحة شهادة من لم يضمر هذا التقدير! قال: (والإله المعبود وليس المراد نفي المعبود كيف كان لوجود المعبودين في الوجود كالأصنام والكواكب بل ثم صفة مضمرة تقديرها لا معبود مستحق للعبادة إلا الله ومن لم يضمر هذه الصفة لزمه أن يكون تشهده كذبا).
🔹 تقدير المحذوف في (لا إله إلا الله) بأنه (لا معبود موجود) غير معروف عن أئمة التفسير، وإنما قدّره النحاة في كتبهم طردا لقاعدتهم في تقدير المحذوف بأنه كائن أو موجود دون قصد منهم لتفسير الشهادة؛ فأرادوا (لا معبود بحق موجود إلا الله) ومن أئمة النحو من نفى وجود محذوف يحتاج لتقدير أصلا!
كما ذكر أبو حيان في البحر المحيط (٢/ ٧٥) عن ابن أبي الفضل المرسي: (وقال في المنتخب: لما قال تعالى: وإلهكم إله واحد، أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم. أزال ذلك الوهم ببيان التوحيد المطلق فقال: لا إله إلا هو. فقوله: لا إله يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قال بعده: إلا الله، أفاد التوحيد التام المطلق المحقق. ولا يجوز أن يكون في الكلام حذف، كما يقوله النحويون، والتقدير: لا إله لنا، أو في الوجود، إلا الله، لأن هذا غير مطابق للتوحيد الحق، لأنه إن كان المحذوف لنا، كان توحيدا لإلهنا لا توحيدا للإله المطلق، فحينئذ لا يبقى بين قوله: وإلهكم إله واحد، وبين قوله: لا إله إلا هو فرق، فيكون ذلك تكرارا محضا، وأنه غير جائز. وأما إن كان المحذوف في الوجود، كان هذا نفيا لوجود الإله الثاني. أما لو لم يضمر، كان نفيا لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى، وإنما قدم النفي على الإثبات، لغرض إثبات التوحيد، ونفي الشركاء والأنداد).
🔹 الجزء الأول من كلمة التوحيد نفي عام لكل إله ومعبود بلام النافية للجنس (لا إله)، والجزء الثاني (إلا الله) حصر الألوهية وقصرها على الله وإفراده بكل معاني الألوهية، بأبلغ صيغ الحصر، وهي النفي مع الاستثناء، وباسمه العلم الذي لا يشاركه فيه أحد مطلقا، لا لفظا ولا معنى؛ فهو أعرف المعارف، ولام الجنس وما دخلت عليه (لا إله) في محل رفع المبتدأ، وخبره محذوف تقديره معبود بحق، كما قال الطبري، و(إلا الله) بدل من الخبر المحذوف، والصحيح أنه بدل من الضمير (هو) المستتر في الخبر المحذوف وتقديره (لا إله معبود هو حق إلا الله)
وهو ما حرر ابن حيان في تفسيره البحر المحيط ٢/ ٧٥ فقال: (والذي يظهر لي فيه أنه ليس بدلا من إله ولا من رجل في قولك: لا رجل إلا زيد، إنما هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، فإذا قلنا: لا رجل إلا زيد، فالتقدير: لا رجل كائن أو موجود إلا زيد. كما تقول: ما أحد يقوم إلا زيد، فزيد بدل من الضمير في يقوم لا من أحد، وعلى هذا يتمشى ما ورد من هذا الباب، فليس بدلا على موضع اسم لا، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، ذلك الضمير هو عائد على اسم لا. ولولا تصريح النحويين أنه يدل على الموضع من اسم لا، لتأولنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم بدل من اسم لا، أي من الضمير العائد على اسم لا).
🔹 مفهوم العبادة في القرآن لا يُحصر بالمعنى الاصطلاحي الفقهي أو العرفي للعبادة؛ بل يمتد ليشمل الطاعة للغير فيما لم يأذن به الله؛ كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿لا تعبد الشيطان﴾ وقال الملأ من قوم فرعون عن بني إسرائيل: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون﴾ أي: مطيعون ذليلون خاضعون لا يعصون!
كما فسرها ابن جرير الطبري (١٩/ ٣٥ - ٣٦): (يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: (أنؤمن لبشرين مثلنا) فنتبعهما (وقومهما) من بني إسرائيل (لنا عابدون) يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: (أنؤمن لبشرين مثلنا) . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة):
وقال ابن عطية في تفسيره (٣/ ٣٩٩) لقوله تعالى ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد﴾: (آية نهي من الله تعالى عن الإشراك به ومعناها لا تتخذوا إلهين اثنين فصاعدا، بما ينصه من قوله إنما هو إله واحد، قالت فرقة المفعول الأول بـ (تتخذوا) قوله (إلهين)، وقوله (اثنين) تأكيد وبيان بالعدد، وهذا معروف في كلام العرب أن يبين المعدود بذكر عدده تأكيدا، ومنه قوله (إله واحد) لأن لفظ إله يقتضي الانفراد، وقال قوم منهم: المفعول الثاني محذوف تقديره معبودا أو مطاعا ونحو هذا، وقالت فرقة: المفعول الأول اثنين، والثاني قوله إلهين، وتقدير الكلام لا تتخذوا اثنين إلهين، ومثله قوله تعالى: (ألا تتخذوا من دوني وكيلا)..)
🔹 سمى الله طاعة غيره اختيارا في التحليل والإباحة للأشياء أو التحريم والحظر شركا به وعبادة لغيره؛ فحذر المؤمنين بمكة ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ وهم رؤساؤهم الذين يلقنون أتباعهم ﴿ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ في الطاعة!
قال ابن جرير الطبري (١٢/ ٧٧): (اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، فقال بعضهم: عنى بذلك شياطين فارس ومن على دينهم من المجوس (إلى أوليائهم) ، من مردة مشركي قريش، يوحون إليهم زخرف القول، بجدال نبي الله وأصحابه في أكل الميتة.. -وروى- عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية، بتحريم الميتة، قال: أوحت فارس إلى أوليائها من قريش أن خاصموا محمدا وكانت أولياءهم في الجاهلية وقولوا له: أو ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله قال ابن عباس: بشمشار من ذهب فهو حرام! ! فأنزل الله هذه الآية: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، قال: الشياطين: فارس، وأولياؤهم قريش.
وروى (١٢/ ٧٧) (عن ابن عباس: قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)، قال: قالوا: يا محمد، أما ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأما ما قتل ربكم فتحرمونه! فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذا لمشركون).
🔹 قال عدي بن حاتم لما سمع النبي ﷺ يتلو ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾: (يا رسول الله، ما كنا نعبدهم) فقال النبي ﷺ: (أليس كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟) قال: بلى!، فقال النبي ﷺ: (فتلك عبادتهم)!
🔹 اتباع أمر غير الله اختيارا وطاعة من سواه فيما لم يأذن به الله؛ هو من العبودية لغير الله؛ كاتباع الملأ من قوم فرعون أمره ﴿فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد﴾ ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ ﴿وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار﴾ وهو الملك الظالم!
🔹 كانت ربوبية فرعون مصر وألوهيته التي ادعاها بقوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وقوله لقومه: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ وقوله لموسى: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ هي ربوبية السيادة والملك وألوهية الطاعة والحكم وهذا هو الطغيان الذي نعاه عليه القرآن: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾!
🔹أمرت السورة - بعد الأمر بالتوحيد وعبادة الله وطاعته وحده لا شريك له - ببر الوالدين ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾؛ فدل ذكرهما بعد توحيد الله على عظيم حقهما وجيء بالمصدر (إحسانا)؛ لتأكيد وجوب الإحسان مطلقا، وبكل صور البر والرحمة، وخصّهما حال كبرهما بمزيد البر؛ لضعفهما، ولم يفرق بينهما في الإحسان.
🔹لمّا كان الوالدان سبب وجود الولد، وكان حقهما أعظم حق لإنسان على إنسان؛ أمر القرآن بالإحسان إليهما مطلقا؛ مؤمنين كانا أو غير مؤمنين، وجعل لطاعتهما حدا لا يتجاوزه الولد؛ حتى لا يقع في شرك الطاعة مع الله ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ ﴿فلا تطعهما﴾ بمعصية الله ﴿وقل لهما قولا كريما﴾.
🔹كان السابقون الأولون من المؤمنين بمكة يواجهون عنت آبائهم الذين كانوا يفتنونهم؛ ليصدوهم عن اتباع النبيﷺ؛ كمصعب بن عمير، وسعد بن أبي وقاص مع تعظيمهم لآبائهم؛ فأمر القرآن بالطاعة لله وحده، والإحسان للوالدين والاتباع للنبيﷺ ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾.
🔹كان الشائع في عرب الجاهلية تعظيم الآباء والتفاخر فيهم والحلف بهم؛ كما قال تعالى:﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾، وقال ﷺ: (لا تحلفوا بآبائكم... ولا تحلفوا إلا بالله) (من حلف بغير الله؛ فقد أشرك) وقال ﷺ: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء) ولم يكن العقوق مشهورا فيهم؛ فحذر القرآن من شرك الطاعة لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾.
🔹طاعة الأبناء لآبائهم وحبهم لهم وتعظيمهم إياهم من أسباب الشرك، وترك اتباع الحق؛ كما حال المشركين واعتذارهم ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ وهي الطريقة والملة ﴿وإنا على آثارهم مهتدون .. مقتدون﴾ ﴿وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾؛ فأمر الله بالإحسان إلى الآباء بالمعروف دون طاعتهم؛ فيما لم يأذن.
🔹قيّد القرآن طاعة الأبوين بالمعروف، مع أنهما أحق بطاعة الولد من كل أحد، وأوجب الله برهما بعد توحيده وعبادته؛ فغيرهما من باب أولى - ومن ذلك طاعة السلطان - فلم يأذن الله بطاعة أحد؛ فيما لم يأذن الله به ﴿فلا تطعهما﴾؛ وكما في الصحيح: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (إنما الطاعة بالمعروف)!
🔹لمّا كان التوفيق بين هذه الهدايات القرآنية والأحكام الربانية - التي توجب توحيد الله وطاعته مطلقا والبر بالوالدين ولو كانا مشركين والإحسان إليهما مطلقا، واتباع الرسول ﷺ اتباعا مطلقا - قد يشق على من يتعرض لفتنة أبويه المشركين، وعنتهما، فربما بدر اعتراض ينافي برهما؛ خفف عنه بصلاح قصده؛ قال ﷻ: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا﴾.
🔹أعظم صور البر والإحسان للوالدين؛ ما كان بعد كبرهما، وحال ضعفهما، وشدة حاجتهما، وعن تذلل بين يديهما، وتذكر سابق إحسانهما وفضلهما ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾!
🔹جاءت السنة ببيان استحقاق الأم للشفقة أكثر من الأب؛ فقال ﷺ -كما في البخاري ح٥٩٧١- لمن سأله عن أحق الناس بحسن صحبته؛ فقال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) وهو تفسير قوله تعالى: ﴿حملته أمه وهنا على وهن﴾، وجاءت السنة ببيان استحقاق الأب لمال ولده أكثر من الأم؛ فقال ﷺ -كما روى ابن ماجه ح ٢٢٩١- لرجل قال له: إن أبي اجتاح مالي! فقال ﷺ: (أنت ومالك لأبيك)، وقال ﷺ: (إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم)؛ وهو تفسير قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ معاملة بالعدل!
🔹لمّا كانت الأم أكثر رعاية للولد وشفقة عليه من الأب، وكان الأب أكثر إنفاقا على الولد، وقياما بحقوقه المالية من الأم؛ جعل الشارع لكل منهما على الولد؛ بقدر ما كان له منهما؛ فللأم على ولدها من العطف والشفقة أكثر مما للأب، وللأب من النفقة والتصرف في مال ولده أكثر مما للأم؛ وهذا هو القسط والبر!
🔹أوجبت السورة بعد بر الوالدين؛ الإحسان إلى الخلق؛ خاصة إلى من هم أولى الناس ببر الإنسان ومعروفه، وأحقهم به؛ إما للرحم كذوي قرباه، أو لشدة حاجتهم وخفائها كالمساكين، أو لانقطاعهم وغربتهم كابن السبيل، ونهت عن التبذير وإنفاق المال بغير الوجه الذي أمر الله؛ كحال أهل الجاهلية سرفا وبطرا ورياءً!
﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾
🔹أكّدت الآية وجوب الإنفاق على المذكورين بفعل الأمر (آت) وبوصف المدفوع لهم بالحق وإضافته إليهم إضافة استحقاق ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين﴾ وذكّرت بالأوصاف التي هي أدعى للعطف عليهم؛ وهي وصف القربى؛ وما تقتضيه من صلة الرحم، والمسكنة وما تقتضي من الرحمة، والسبيل وما يقتضيه من غوث المنقطع!
🔹خصّ الله بالذكر ذوي القربى؛ لما يتجملون به عادة أمام ذوي رحمهم؛ فلا يظهرون حاجتهم لهم أنفة منها، ومحافظة على مكانتهم؛ فلا يفطنون لهم؛ ولهذا يغفل أكثر الناس عن الفقراء من قرابتهم، ويتصدقون على غيرهم؛ إذ يرون حاجة البعيد.
🔹وخصّ الله المساكين بالذكر دون الفقراء لظهور فاقة الفقراء وسؤالهم الناس عادة وتعاطفهم معه ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ دون المساكين الذين لا يظهرون حاجتهم تجملا وتعففا وكذا خص ابن السبيل حيث يحج الناس من كل مكان إلى مكة فتتقطع بكثير منهم السبل ولا تعرف حالهم فوجب لهم حق الضيف الغريب.
🔹نهت السورة عن تبذير المال ﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ وكان النبي ﷺ (أجود من الريح المرسلة) (وما سُئل شيئا قط فقال لا) وكان ينفق كل ما بيده في وجوه الخير ومصالح الأمة حتى لا يبقى عنده شيء، كما في الصحيح عن أنس، أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: «أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر»؛ وعن عمر رضي الله عنه: «أن رجلا جاء إلى النّبي ﷺ فسأله أن يعطيه فقال النّبيّ ﷺ ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته فما كلّفك الله مالا تقدر عليه، فكره ﷺ قول عمر فقال رجل من الأنصار يا رسول الله «أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا» فتبسم رسول الله ﷺ وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثم قال: بهذا أمرت»؛ فدل ذلك على أنه لا تبذير في الخير والمعروف؛ بل فيما نهى الله عنه فقط.
🔹نهى الله المؤمنين بمكة قبل الهجرة عن التبذير للمال بصرفه في المحرمات والمكروهات مطلقا أو صرفه في المباحات مع الإسراف وتجاوز قدر الحاجة من الأكل والشرب والاستمتاع ﴿خذوا زينتكم .. وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ لأهمية المال في قيام دولة الإسلام وقوام الأمة ومصالحها؛ فأعدهم لحسن إدارته!
🔹وصفت الإسراء وهي مكية المبذرين الذين ينفقون أموالهم فيما حرم الله؛ ليصدوا عن سبيل الله؛ كمشركي مكة الجاهليين بأنهم ﴿إخوان الشياطين﴾، ووصفت سورة البقرة وهي مدنية الذين يأكلون الربا كيهود المدينة المرابين؛ بأنهم كمثل ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ ومن تدبر الواقع رأى تكرر المشهد!
🔹وصفت الإسراء العرب المبذرين للأموال بمكة بأنهم إخوان الشياطين ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ ووصفت سورة البقرة اليهود المرابين بالمدينة بأنهم كمن ﴿يتخبطه الشيطان من المس﴾، ووصفت المنافقين بأنهم ﴿إذا خلوا إلى شياطينهم﴾ من اليهود في المدينة ﴿قالوا إنا معكم﴾ فظهرت العلاقة جلية بين المبذرين والمرابين والمنافقين!
﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾
روى ابن جرير في تفسيره (١/ ٣٩٧): (عن ابن عباس: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم) قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول (قالوا إنا معكم) ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه (إنما نحن مستهزئون)).
🔹وصف الله العرب المبذرين بمكة بأنهم ﴿إخوان الشياطين﴾ اليهود بالمدينة وخيبر، ولم يقل (إخوة)؛ وذلك أن الإخوان جمع أخ لغير النسب، وهذا حال الفريقين؛ بينما وصف المؤمنين على اختلاف أممهم وأنسابهم بأنهم إخوة ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ مع أن إخوة جمع أخ من النسب؛ فنزلهم منزلة الإخوة من أصل واحد!
قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾: (و«التبذير» إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى: المبذرين أن يكون اسم جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى: إخوان يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبدا ساع في فساد، وإخوان جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور أو إخوانهن أو بني إخوانهن [النور: ٣١] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه قوله تبارك وتعالى: إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: ١٠] وقرأ الحسن والضحاك «إخوان الشيطان» على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعبا بينا).
🔹كان اليهود المرابين يستنزفون أموال إخوانهم العرب المبذرين ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾؛ فيزدادون بها ثراءً ويمدونهم بها؛ لإشعال الحروب والفتن؛ كما فعلوا يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان تحالف الفريقين ظاهرا؛حتى قصم الله كلا الطائفتين: المبذرين يوم بدر والمرابين يوم الأحزاب وخيبر!
كما جاء في سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٤-٢١٥): (إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله... : فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه، من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان، من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه...).
🔹كشف العلاقة بين العرب المبذرين - للأموال سفها وبطرا ورياء وصدا عن سبيل الله - واليهود المرابين طمعا وشحا وإرصادا للأموال لتمويل من حارب الله ورسوله وتحالف الفريقين كالأخوين ومشابهتهم للشياطين والممسوسين في شدة عدائهم للمؤمنين وغيظهم من هذا الدين تكاد تكون وحدها آية ومعجزة خبرية!
﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾
﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾
﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾!
🔹أرشدت السورة من لم يجد ما يؤتيه سائليه أن يقول لهم قولا طيبا كريما ﴿وإما تعرضن عنهم﴾؛ لعدم وجود مال عندك تعطيهم منه ﴿ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾؛ انتظارا منك لرزق يأتيك به الله فتنفق عليهم؛ ﴿فقل لهم قولا ميسورا﴾؛ كما في الصحيحين: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة).
🔹ويحتمل أن الإعراض هو عن المبذرين من مشركي مكة ﴿وإما تعرضن عنهم﴾؛ استجابة لأمر الله؛ كما قال: ﴿فأعرض عنهم﴾ وعما هم فيه من تبذير وبطر وكفر، ﴿ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾ باتباعك هديه وشرعه؛ ﴿فقل لهم قولا ميسورا﴾ كريما جميلا؛ كقوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾.
🔹مما يؤكد أن الضمير في ﴿تعرضن عنهم﴾ يعود على ﴿المبذرين.. إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾ هو أنهم أقرب مذكور، والأصل أن يعود الضمير على الأقرب؛ كما إن الأمر بالإعراض كان عنهم -لا عن ذوي القربى والمساكين كما ذهب إليه أكثر المفسرين- والسياق يقتضي التحذير من سبيل المبذرين!
﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾
🔹كما أمرت السورة بالصراط المستقيم الذي يحبه الله ويرضاه في الاقتصاد والإنفاق للمال في وجوه الخير؛ بلا سرف وخيلاء؛ كشأن المبذرين المسرفين من العرب، ولا شح؛ كحال المرابين البخلاء من اليهود ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ وهذا وعيد بحق كلا الفريقين!
🔹تحقق الوعيد الوارد في السورة ﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ بالمبذرين العرب أهل السرف والخيلاء، وإخوانهم المرابين اليهود البخلاء الذين حذرت من سبيلهم؛ وهو ما حل بهم بعد الهجرة من حسرة وخسارة ولوم ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾!
روى ابن المنذر في تفسيره (٢/ ٧٠٦-٧٠٧) لقوله تعالى: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ إلى ﴿وكان الله بهم عليما﴾ عن محمد بن إسحاق: قال (وكان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع، ويحيى بن عمر، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد التابوت، يأتون رجالا من الأنصار، كانوا يخالطونهم، فيتنصحون لهم، من أصحاب رسول الله، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله بهم عليما﴾).
🔹ذكرت السورة الحكمة من وفرة المال بأيدي المشركين المبذرين بمكة وندرته بيد النبي ﷺ وكانوا يزدرونه بذلك ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ ويتواصون بعدم الإنفاق على من معه ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾، قال تعالى: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء﴾ ليبتليهم أيشكرون ﴿ويقدر﴾ ويضيق على من يشاء أيصبرون ﴿إنه كان بعباده خبيرا﴾ بما يصلحهم ﴿بصيرا﴾ بأحوالهم وأعمالهم
🔹كل ما سيأتي من آيات في السورة في بيان المحرمات؛ كقتل الأولاد، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرم الله هو مما كان شائعا بين أهل الجاهلية؛ مما يؤكد أن الخطاب فيها، وإن كان للنبي ﷺ والمؤمنين إلا أنه تحذير لهم من سبيل المشركين، وإخوان الشياطين والوعيد فيها هو في حق هؤلاء ومن سلك طريقهم!
﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾...
🔹حذرت الإسراء-كما كل السور المكية- من الموبقات والمحرمات القطعية؛ فهي من سبيل الشيطان، ومنها؛ قتل الأولاد صغارا؛ خشية أعباء النفقة عليهم؛ كما يفعله الجاهليون، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ وفقر؛ فالله هو الذي خلقهم وهو يرزقهم ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾.
🔹﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾
بدأت الآيات بتحريم قتل الأولاد قبل قتل غيرهم؛ لضعفهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم، وعدم وجود من يقتص أو يثأر لهم ممن قتلهم، وعدم اقترافهم ما يسوغ قتلهم مع ما فيه من قطيعة الرحم؛ فهي أشد حرمة وأبشع جناية وأعظم جريمة؛ ومازالت المجتمعات الجاهلية تقترف هذا الإثم العظيم إلى اليوم خشية الفقر!
🔹حيث كان سبب قتل الأولاد خوف النفقة عليهم بدأ بذكرهم وضمان رزقهم قبل آبائهم؛ قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾، وحيث كان سبب قتلهم الخوف على مشاركتهم آباءهم رزقهم بدأ بذكر الآباء وضمان رزقهم؛ قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾؛ فلا تخافوا على رزقكم؛ فلن ينقص بسبب أولادكم ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ وجرما عظيما.
🔹كان العرب في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الافتقار ويقتلون بناتهم خوف العار ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾؛ فلما جاء الإسلام قضى بهداياته على هذه الموبقات الشنيعة بالإيمان بالله والخوف من عذابه وعقابه، مع عدم وجود عقوبة دنيوية زاجرة بحق الآباء؛ لعدم إمكانية إثبات هذه الجناية!
🔹من صور قتل الأولاد الاجهاض وإسقاط الحمل بعد أربعة أشهر - وبعد نفخ الروح فيه بلا ضرورة تقتضيه كالخوف على حياة الأم - وهو شائع اليوم في الأمم الجاهلية الغربية بسبب الزنا والإباحية وطغيان الحياة المادية، وكذا قتل البنات في الأمم الجاهلية الشرقية كالصين بعد تحديد النسل رغبة في الولد!
﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾
- ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ [الإسراء: ٣١-٣٣]
🔹بعد تحريم قتل الأولاد ذكرت السورة مباشرة تحريم الاقتراب من الزنا ﴿ولا تقربوا الزنا﴾؛ وذلك أن الزنا هو أحد أهم أسباب إجهاض الحمل، وقتل النفس عدوانا وظلما؛ لإخفاء جريمة الزنا، ولشدة تحريمه؛ حرّم القرآن الاقتراب من أسبابه وسبيله الذي يفضي إليه، وسد ذرائعه؛ كالاختلاط وإبداء الزينة والسفور.
🔹وصفت الآية الزنا بأنه ﴿فاحشة وساء سبيلا﴾؛ فهو (فاحشة)؛ لشناعة قبحه وعظيم خطره وشيوع ضرره على الفرد والأسرة والمجتمع؛ فهو عدوان من الزاني على حرمة غيره، وهدم أسرته، وتعريض الحمل السفاح للقتل أو الضياع (وساء سبيلا)؛ لأنه طريق سوء لا ينتهي عند وقوع الزنا؛ بل تظل آثاره وتبعاته ممتدة زمنا!
🔹لم يصف القرآن جريمة بهذا الوصف الشنيع (فاحشة وساء سبيلا) إلا الزنا، والزواج من امرأة الأب؛ كما كان يستحله بعض أهل الجاهلية؛ فحرمه الإسلام ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وزاد القرآن في وصفه بالمقت ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾؛ لشدة حرمة نساء الأب على فروعه؛ كحرمة أمهاتهم.
🔹حرم القرآن قتل النفس مطلقا، وجعل قتلها كالشرك بالله؛ كما في سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ واستثنى من ذلك فقط ما كان بالحق منه؛ وهو ما كان قصاصا ﴿النفس بالنفس﴾، أو عقوبة على جناية حدها القتل؛ كحد الحرابة، أو دفعا لعدوان، أو في حرب، وقتال مشروع.
🔹كل نفس بشرية معصومة محرم قتلها؛ كما تقرر في الخطاب المكي وسوره التي كانت تخاطب المشركين أصلا، وتحرم عليهم الشرك والقتل؛ سواء كانت النفس مؤمنة، أو غير مؤمنة مسالمة، أو معاهدة، أو لا عهد لها؛ لا يخرجها عن عصمتها القطعية إلا الحق، وحيث أذن الله؛ قصاصا، أو حدا، أو دفعا لعدوان، أو في قتال مشروع.
🔹وصف ﴿النفس التي حرم الله﴾ ليس قيدا يخرج النفس التي لم يحرمها الله! إذ لا توجد نفس لم يحرمها الله؛ بل كل نفس قد حرمها الله يوم خلقها؛ وإنما هذا وصف؛ لبيان جهة العصمة من حيث هي نفس، ومن حيث أن الله هو الذي حرم قتلها؛ فهو تعظيم لحرمتها وعصمتها، وللنهي عن قتلها؛ وإنما القيد هو إلا بالحق!
🔹لشدة حرمة النفس الإنسانية وعصمتها؛ أمر الله بدفع القتل حتى عن النفس التي أذن بقتلها﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل﴾؛ فحث في القصاص على العفو، وشرع الدية، وجعل الإشارة بالأمان في الحرب؛ عصمة لدم العدو المحارب، والنطق بالشهادة منه؛ ولو تعوذا من القتل عصمة لدمه، وكذا في كل الصور.
🔹جعل الله لولي المقتول ظلما ﴿سلطانا﴾؛ حجة وحقا مشروعا بالقصاص من القاتل، وعبّر عن الحق والحجة هنا بالسلطان؛ إشارة إلى منع استيفاء الحق بالنفس دون السلطة التي تقضي بالحق لصاحبه وتستوفيه له ﴿فلا يسرف في القتل﴾ بالقصاص من غير القاتل؛ كثارات أهل الجاهلية، أو بالتمثيل بالقاتل وتعذيبه.
🔹وعد الله ولي المقتول ظلما بالنصر ﴿إنه كان منصورا﴾ شرعا وحكما؛ بأن أوجب الله على المؤمنين بحكم ولايتهم العامة، وعلى إمامهم بحكم ولايته الخاصة؛ نصرته واستيفاء الحق له بالقصاص من القاتل، ولو كان السلطان نفسه و(منصورا) قضاء وقدرا في الدنيا، أو الآخرة؛ فلا بد أن يقتص من القاتل ولو بعد حين!
🔹جرت سنة الله أنه ما من مقتول عدوانا وظلما إلا ويثأر الله له في الدنيا قبل الآخرة ﴿إنه كان منصورا﴾ ويقتص لوليه من قاتله؛ إما بيد الولي؛ وذلك بالقصاص منه بحكم الله وشرعه، أو بيد ظالم مثله يسلطه الله عليه قضاء وقدرا؛ فيقتله ويشفي غيظ أوليائه؛ ولهذا قيل (بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين)!
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء:٣٤]
🔹بعد أن حرمت السورة الاعتداء على دين الله بالشرك، والاعتداء على النفس بالقتل، والاعتداء على الأعراض بالزنا؛ أتبعت ذلك بتحريم الاعتداء على الأموال، وابتدأت بمال اليتيم؛ فحرّمت الاقتراب منه، والتصرف فيه إلا بأحسن ما يحقق مصلحته؛ وذلك لضعفه وضيعته، وعدم إمكان حفظ حقه إذا خان الولي عليه أمانته!
🔹توعّد الله من أخذ شيئا من مال اليتيم بغير وجه حق بنار جهنم ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وسمّى ذلك الأكل لأموالهم ﴿حوبا كبيرا﴾ وإثما عظيما، ولم يأذن لولي اليتيم في التصرف إلا بالأحسن فقط؛ فأبطل كل تصرف حسن في ماله مع إمكان الأحسن!
🔹بعد أن حرّمت السور المكية؛ ومنها الإسراء والأنعام التعرض لمال اليتيم تحريما قطعيا إلا بالتي هي أحسن؛ فصّلت السور المدنية: البقرة والنساء؛ أحكام تصرف الولي على اليتيم ومخالطته، وإصلاح ماله، والأكل منه بالمعروف لمن احتاج، والتعفف عنه للغني، وعدم دفعها لليتيم حتى يرشد، واختباره في إدارته لماله..
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم﴾.
وقال ﷻ في سورة النساء: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا﴾.
🔹حددت الآية في السورة الأمد الذي يجب عنده دفع مال اليتيم إليه؛ وهو أن ﴿يبلغ أشده﴾؛ وهو بلوغ القوة في بدنه وعقله؛ وفسّرته سورة النساء بأنه بلوغ سن الزواج والرشد في التصرف معا ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها﴾ والخطاب للجميع ولي اليتيم وغيره.
🔹اتخذ عمر رضي الله عنه من هذه الآيات في مال اليتيم أصلا في تصرف السلطة في مال الأمة؛ من حيث شدة الحرمة، ووجوب إدارته بالتي هي أحسن، وأنه يبطل من تصرفاتها ما كان حسنا إذا قصرت عن الأحسن مع إمكانه، وأنه ليس للإمام في بيت المال إلا كما لولي اليتيم؛ إن احتاج أخذ منه بالمعروف، وإن استغنى عف عنه!
كما روى ابن أبي شيبة (عن أبي إسحاق، عن حارثة العبدي، قال: قال عمر: «إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت منه استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف») (٦/ ٤٦٠)
وروى (عن الأسود بن قيس، عن نبيح قال: «اشترى ابن عمر بعيرين فألقاهما في إبل الصدقة فسمنا وعظما، وحسنت هيئتهما» قال: فرآهما عمر فأنكر هيئتهما فقال: «لمن هذان؟» قالوا: لعبد الله بن عمر فقال: «بعهما وخذ رأس مالك، ورد الفضل في بيت المال») (٦/ ٤٦٠)
وروى (عن أبي عثمان، قال: «لما قدم عتبة أذربيجان بالخبيص فذاقه فوجده حلوا»، فقال: لو صنعتم لأمير المؤمنين من هذا، قال: فجعل له سفطين عظيمين، ثم حملهما على بعير مع رجلين فبعث بهما إليه، فلما قدما على عمر قال: أي شيء هذا؟ قال: هذا خبيص، فذاقه فإذا هو حلو، فقال: أكل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قالوا: لا، قال: فردهما، ثم كتب إليه: أما بعد، فإنه ليس من كدك ولا من كد أبيك، لا من كد أمك أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك") (٦/ ٤٦٠)
وروى (عن الأحنف بن قيس قال: "فكنا جلوسا بباب عمر فخرجت جارية فقلنا: سرية عمر " فقالت: إنها ليست سرية لعمر، إني لا أحل لعمر، إني من مال الله فتذاكرنا بيننا ما يحل له من مال الله، قال: فرقى ذلك إليه، فأرسل إلينا فقال: «ما كنتم تذاكرون» فقلنا: خرجت علينا جارية، فقلنا: هذه سرية عمر، فقالت: إنها ليست بسرية عمر، إنها لا تحل لعمر، إنها من مال الله، فتذاكرنا ما بيننا ما يحل لك من مال الله فقال: " أنا أخبركم بما أستحل من مال الله: حلة الشتاء والقيظ، وما أحج عليه وما أعتمر من الظهر، وقوت أهلي كرجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، أنا رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم") (٦/ ٤٥٩).
🔹ثم ذكّرت الآية ولي اليتيم ووصيّه ومن يقوم على رعايته بالعهد ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ والعهد هنا معرف بأل الاستغراقية؛ فأكّدت وجوب عموم الوفاء بكل عهد؛ سواء أخذه الله على الإنسان فيما أوحاه إلى رسله وأنزله في كتبه وذكرهم الله به، أو قطعه إنسان لإنسان، أو ألزمه على نفسه لربه!
🔹أعظم العهود هو ما كان بين الله وعبده بالشهادة له بالوحدانية ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾ والبيعة على طاعته ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ والبيعة على الجهاد ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا﴾.
🔹أبرز صفات أهل الإيمان الصدق مع الله والوفاء بعهدهم له والثبات على بيعتهم حين شهدوا له بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة؛ وجاهدوا على ذلك ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾؛ فالجهاد في سبيل بالنفس والمال واللسان هو معيار الصدق والوفاء بالعهد؛ وهو الفيصل بين الإيمان والنفاق!
🔹أكثر الناس نقضا للعهود مع الله ومع الخلق: المنافقون واليهود؛ كما قال تعالى على بني إسرائيل: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ ﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾، وكما في الصحيح: (آية المنافق -وذكر منها- إذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان) وفي رواية: (وإذا عاهد غدر) وبسبب التجانس بين الفريقين في الأفعال والتشابه في الأحوال؛ صاروا إخوانا يوالي بعضهم بعضا في حرب الله ورسوله ودينه وعباده المؤمنين!
﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم﴾
🔹أعظم عقوبة في الدنيا لمن نقض عهده مع الله بعد أن آتاه الله من فضله ألا يقبل الله منه عملا؛ ولهذا لا يكاد يخلف أحد عهده مع الله عامدا، فيعود الإيمان إلى قلبه أبدا؛ فإما أن يرتد كلية، أو يورثه الله نفاقا في قلبه عقوبة ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾!
🔹العهود أعظم حرمة من العقود؛ ولهذا استفاض التذكير بها في القرآن، والتحذير من نقضها؛ فهي أكثر ما تستعمل فيما كان من تواثق على خير وصلاح وبر بين الإنسان وربه، أو مع بني جنسه، أو مما ألزم به نفسه بلا عوض مالي؛ بينما العقود تستعمل؛ فما كان من توافق على انتقال مال أو منفعة بتبرع أو معاوضة..
🔹بعد تحريم الاعتداء على أموال اليتامى والنهي عن التصرف فيها إلا بالتي هي أحسن؛ أمرت سورة الإسراء بالوفاء بالكيل والميزان في البيوع والتجارة؛ والوفاء هو بلوغ الكمال في أداء الحقوق، وعدم بخس أموال الناس بالباطل بالتطفيف في كيل أو وزن؛ وهو أكثر صور الاعتداء على الأموال شيوعا في المجتمع الجاهلي.
﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [الإسراء: ٣٥]
🔹أمرت سورة الإسراء البائع بالعدل في المعاملة؛ وذلك بالوفاء والكمال عند كيل المكيلات بلا نقص، والوزن بالقسط والعدل باستواء كفتي الميزان في الموزونات بلا تطفيف، وأمرت سورة الشعراء والأعراف وهود - وكلها مكية - المشتري بعدم بخس سلعة البائع وهضمها قيمتها وسعرها ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾.
🔹أمرت السورة بالوزن بالقسطاس ووصفته بالمستقيم؛ ليعمّ العدل في كل موزون مادي أو معنوي في الأموال والأقوال والأفعال؛ كما قال تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾ بالعدل في كل شئونكم؛ لتستقيم حياتكم؛ ولهذا توزن كلها يوم القيامة ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا﴾.
🔹ذكرت الآية عاقبة الوفاء والقسط وأنه ﴿خير وأحسن تأويلا﴾؛ فهو أفضل عاقبة، وأحسن مآلا وخير جزاء في ثواب الآخرة، وفي الدنيا بالأمن والازدهار، واستقرار المجتمعات التي تقيم العدل، واضطراب التي يشيع فيها التظالم؛ كما روى ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ؛ فقال: (يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: -ذكر منها- ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم..).
🔹بعد الهدايات القرآنية في الأحكام الجنائية والمالية؛ تحدّثت الإسراء عن العلل المعرفية والسلوكية التي تؤدي بالإنسان إلى الشرك بالله، والفساد في الأرض، وقتل النفس، والزنا، وأكل الأموال بغير حق؛ فهي ترجع إلى خلل في مصدر المعرفة والتصور؛ وهو (العقل) أو خلل في مصدر الإرادة والتصرف؛ وهي (النفس)!
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٦]
🔹الخلل في اكتساب المعرفة الصحيحة هو أس الانحراف في السلوك الإنساني؛ فما يصدر عن الإنسان من شر وخير هو انعكاس لما يؤمن به من أفكار، ويصدقه من حقائق وظنون وأوهام عن الوجود وغاياته ونهاياته وعلاقته بالخالق وبالمجتمع من حوله؛ ولهذا بدأت السورة بإصلاح مصادر المعرفة: السمع والبصر والفؤاد.
🔹قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ هو المدخل الرئيس لإصلاح خلل المعرفة الإنسانية، وانحراف تصوراتها عن ذاتها، والوجود من حولها؛ فالعلم - وهو إدراك الأشياء الطبيعية والعقلية والغيبية على ما هي عليه تحقيقا أو تقريبا - الطريق للمعرفة الصحيحة، وضده الجهل، وتقليد الإنسان غيره والقول بلا علم!
🔹حرّمت الآية القول بلا علم، واتباع الآراء والأهواء بلا دليل؛ كما حرمت الشرك والقتل والفواحش؛ إذ هما السبب في اقترافها؛ ولهذا ورد تحريم القول على الله بلا علم في سياق المحرمات القطعية ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾؛ فذلك من سبيل الشيطان واتباع خطواته حيث يأمر بالسوء والفحشاء والجهل!
﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾.
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾.
🔹السمع والبصر والفؤاد منافذ العلم ومصادر المعرفة، فإذا صلحت؛ صحّت المعرفة، واستدّ الرأي، ورشد العقل؛ وأثمرت هدى وخيرا ورشدا، وإذا اختلت؛ ضلّ العقل، وفسدت المعرفة؛ فأنتجت بغيا وشرا وغيا، وبدأت الآية بالسمع؛ لأنه سبب القفو وهو القول بلا علم تقليدا لما سمع واتباع غيره بلا دليل وعامة المعارف سمعية!
🔹قدّم القرآن السمع على البصر في عامة مواردهما معا ﴿وجعل لكم السمع والأبصار﴾ فالسمع أول حواس الإنسان استقبالا للمعرفة منذ اكتمال خلقه في بطن أمه وولادته مباشرة؛ ليستقبل بعدها أهم العلوم الإنسانية على الإطلاق؛ وهي اللغة والبيان الإنساني المعجز بالسماع لها ﴿خلق الإنسان علمه البيان﴾!
🔹تكرر في القرآن كثيرا ذكر الفؤاد بعد السمع والبصر كمصدر للمعرفة والإدراك ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾﴿فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء﴾؛ وذلك أن الفؤاد محطة الاستقبال الأخيرة لما يدركه الإنسان من حوله بسمعه وبصره ومركز الاستدلال والتفكر والاستنتاج للمعرفة!
🔹ورد الفؤاد في القرآن مغايرا للقلب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا .. لولا أن ربطنا على قلبها﴾ وقال عن المشركين: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ بينما قال: ﴿قلوب لا يفقهون بها﴾ ﴿تعمى القلوب التي في الصدور﴾ ﴿ختم الله على قلوبهم﴾؛ فالفؤاد يكون فراغا وهواءً؛ بينما القلب يَعمى ويُغلق!
🔹جاء الربط في القرآن للقلب ﴿وليربط على قلوبكم﴾ والتثبيت للفؤاد ﴿نقص عليك... ما نثبت به فؤادك﴾ ﴿لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾؛ فالربط على القلب يمنع اضطرابه وانقلابه؛ وهذا يؤدي لتثبيت الفؤاد على الحق، وعدم الربط على القلب يجعل الفؤاد فارغا، والختم على القلب يجعل الفؤاد هواءً!
🔹ذكر القلب مع السمع والبصر في سياق الختم عليه ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾ ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾؛ فدلّ على أن القلب أداة؛ كالعين والأذن؛ قد تحجب عن المدركات الحسية والعقلية؛ فيصبح الفؤاد فارغا من الإدراك، خاليا من الفهم، هواءً لا شيء فيه!
🔹فرق النبيﷺ؛ كما في الصحيحين بين الفؤاد والقلب في قوله عن أهل اليمن: (أرق أفئدة وألين قلوبا)؛ فاللين والقسوة للقلب ﴿ثم قست قلوبكم﴾ ﴿تلين جلودهم وقلوبهم﴾ بينما وصف الفؤاد بالرقة وهي الرهف واللطف، وبالفراغ ﴿فؤاد أم موسى فارغا﴾ خاليا، وبالهواء ﴿وأفئدتهم هواء﴾؛ لخفتها وانعدام وزنها!
🔹جعل الربط على القلب ﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾؛ ليستطيع التعقل والتفكر ﴿لتكون من المؤمنين﴾ ﴿وربطنا على قلوبهم.. فقالوا ربنا رب السموات﴾ وجعل الختم عليه ﴿وختم على قلوبكم﴾؛ ليحول بينهم وبين الفهم والفقه؛ فدلّا على أن الفؤاد هو قدرة القلب على التبصر والتدبر، ومصدر استنتاج المعرفة.
🔹عضلة القلب للبصيرة كالعين للبصر ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾؛ فهي آلات وأدوات قد تكون صحيحة حسَّا، محجوبة عما تراه وتسمعه إدراكا وشعورا وتفاعلا وتفكرا؛ وهنا تتعطل قوى العقل مناط التكليف، ويفرغ الفؤاد مركز البصيرة، ويصبح هواءً أجوف بلا إدراك!
🔹باستقبال السمع للمسموعات، والبصر للمرئيات، والقلب للتصورات والتصديقات، والتفاعل بين هذه المدركات وتنسيق الدماغ بينها؛ تتشكل من مجموعها قوى الإنسان العاقلة، فإذا اختلت هذه القدرات ضلّ العقل ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ ﴿تعمى القلوب﴾؛ فتصبح الأفئدة هواءً؛ فهي مسئولة ابتداء والفؤاد انتهاء.
🔹ليس العقل في حقيقته إلا ثبات الفؤاد واتزانه عند اضطراب القلب واختلاله بسفه وهلع وخوف وفجع؛ ولهذا كان السفيه خفيف العقل، والخائف طائش العقل، والمفجوع مدهوش العقل، ومنه سُمّي العقل عقلا؛ لمنعه صاحبه من الاضطراب والاختلال؛ فتتزن أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا تكرر فهي القرآن ﴿نثبت به فؤادك﴾!
🔹أمر القرآن الإنسان باجتناب الباطل كله قولا كان أو فعلا سواء كان كذبا في حديث أو قذفا لعرض أو شهادة زور وعن قفو ما ليس له به علم واتباع ما لا برهان له وتقليد ما لا دليل عليه لأن ذلك كله سبب الزلل في إدراك المعرفة الصحيحة فالتقليد يفضي إلى الخلل في التصورات التصديقات والإرادات
🔹﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ القفو هنا يحتمل كما في اللغة:
١- الرمي والقذف من قفاه يقفوه إذا رماه وقذفه بالباطل وبما ليس فيه.
٢- أو من قفا أثره إذا اتبعه فيما يقوله أو يفعله على عمى وعلى غير هدى وكلاهما مما ذمه القرآن ونهى عنه وحرمه فجاء بلفظ واحد يعم كلا المعنيين المنهي عنهما.
🔹علل القرآن حكم النهي عن أن يقفو الإنسان ما ليس له به علم بأن السمع والبصر والفؤاد كل ذلك سيكون الإنسان مسئولا عنه يوم القيامة وهل شكر نعمة الله عليه باستعمال هذه الآلات فيما جعلت له من إدراك العلوم الصحيحة والأعمال الصالحة أم استعملها فيما نهاه الله عنه فأتبع الحكم بحكمته وعلته
🔹ويحتمل أن يكون معنى ﴿كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ أن كل عضو من السمع والبصر والفؤاد مسئول يوم القيامة عما فعل الأنسان به من أعمال صالحة أو سيئة فيشهد عليه بما اجترح به الإنسان كما قال تعالى: ﴿شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ..قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾
🔹إيمان الإنسان بأن كل عضو منه سيشهد له أو عليه يوم القيامة كاف في زجره عن اقتراف ما نهى الله عنه قولا كان أو فعلا أو الاقتراب منه سواء كان ظاهرا للعيان أو مضمرا بالجنان وذلك خير رقيب على الإنسان يضبط سلوكه ويقوم خلقه حين يكون وازعه ذاتيا من نفسه وضميره وهذا أدعى لإصلاح حاله وفلاحه
🔹قدم هنا ذكر السمع على البصر والفؤاد للمناسبة بين التقليد بلا دليل والاتهام بلا بينة المنهي عنهما والسمع الذي هو مصدر لهما غالبا فإنهما لا يكونان عادة عن بصر العين ومشاهدتها ولا عن بصيرة الفؤاد وتفكره بل عن أخبار كاذبة تتقاذفها الألسن (وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم)!
- ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ [الإسراء: ٣٦-٣٧]
🔹 كما نهت سورة الإسراء الإنسان عن القفو بغير علم والتقليد بلا دليل نهته أيضا عن نقيضه وهو الاعتداد بالرأي كبرا والإعجاب بالنفس اختيالا والمشي في الأرض فخرا ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ فكلا الخلقين ذميم يحول بين الإنسان والوصول إلى إدراك الحقيقة!
🔹 لما نهى القرآن الإنسان عن القفو وهو اتباع المقلد قفا متبوعه وتقليده بلا دليل ولا يكون إلا من إمعة ضعيف الرأي كما في الحديث(لا يكون أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت وإنما وطنوا أنفسكم) نهاه أيضا عن الاعتداد بالنفس بطرا (الكبر بطر الحق - رده - وغمط الناس) احتقارهم.
🔹 جاء تفسير ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ في سورة لقمان ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ فليس المرح الفرح بل هو الاختيال والغرور بالنفس استكبارا في الأرض ولهذا وصف الله المؤمنين ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ بتواضعهم وحسن خلقهم.
🔹 نعى القرآن على من يمشي في الأرض اختيالا وكبرا بأن ذلك لن يؤثر في الأرض شيئا، فمهما بلغ اغترار الإنسان بنفسه؛ فلن يستطيع خرق الأرض التي يمشي عليها وقطعها، ولن يبلغ الجبال طولا؛ للإشارة إلى ضعفه وعجزه. فكم طوت الأرض مثله؛ مما يقتضي منه الاعتراف بالعبودية لربه واتباع حكمه والتواضع لخلقه!
🔹 كلا الأمرين: التقليد ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ والغرور بطرا وكبرا ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾؛ من صوارف النفس عن هدايات الله واتباع رسله؛ كما هو شأن كل الأمم كلما جاءهم رسول إما ﴿قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ أو ﴿قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾!
🔹 عجّل الله عقوبة المتكبرين في الدنيا؛ فصرفهم عن هداياته جزاءً وفاقا ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾ وحرم عليهم الجنة في الآخرة (لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر)!
- ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ [الإسراء: ٣٨]
🔹 بعد أن ذكرت السورة الواجبات ثم المحرمات ابتداء من الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل الولد خشية الفقر وقتل النفس التي حرم الله والزنا وأكل مال اليتيم وتطفيف الكيل ونقض العهد والاستكبار في الأرض؛ ذكرت علة النهي: وهو أن ذلك مما يكرهه الله وكفى به زاجرا ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾.
🔹ويطلق المكروه على ما هو أعم من الحرام وهو المكروه في اصطلاح الفقهاء؛ كما في الصحيح: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) فاستعمل التحريم في الحرام الذي لا تتفاوت حرمة أفراده، والكراهة فيما تتفاوت آحاده في درجة تحريمه.
🔹المكروه في لغة القرآن يطلق على الحرام كما هنا ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ وهي محرمات وكما في الحجرات ﴿وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فجعل ذلك محرما مكروها للمؤمنين حكما وشرعا، وكذاك أعانهم على اجتنابه قدرَا وطبعا؛ فصار بعد تحريم الله له مكروها عندهم مبغوضا في نفوسهم.
🔹قوله: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ تأكيد بأن كل هذه الأحكام هي من عند الله وحده؛ وهو لا يرضى لعباده اجتراح السيئات، وذلك أدعى لمن آمن بالله وأحبه؛ أن يحب ما يحبه الله مما أمره به، ويكره ما يكرهه الله له مما نهاه الله عنه. فكان كالتعليل للأحكام يوجب تعظيم شأنها والوقوف عند حدودها.
🔹بعد أن فصلت السورة في الأحكام التشريعية سواء الواجبات أو المحرمات؛ أثنت عليها من جهة مصدرها وهو الله المشرع لها والغاية منها ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾؛ فهي أحكام من الله محكمة شرعت لمصلحة معقولة، وحكمة ظاهرة؛ ففيها حفظ الضروريات التي بها استقامة حياة الإنسان فردا أو مجتمعا.
🔹﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٢٢-٣٦]
اشتملت هذه الآيات من الإسراء ٢٢- ٣٦ على حفظ الضروريات العشر وهي:
١- حفظ الدين؛ بإيجاب التوحيد وتحريم الشرك بالله.
٢- حفظ الأسرة والنسل؛ بتحريم عقوق الوالدين وإيجاب برهما والرحمة بهما وبالأولاد.
٣- حفظ المجتمع؛ بصلة الأرحام والإحسان إلى ذي القربى والرحمة بالأيتام والمساكين وابن السبيل.
٤- حفظ النفس؛ بتحريم القتل والعدوان.
٥- حفظ السلطان الذي به قوام المجتمع وعدم تجاوزه في القصاص والقضاء.
٦- حفظ المال؛ بتحريم الإسراف فيه وأكل أموال الناس بالباطل والتطفيف بالكيل وأكل أموال اليتامى.
٧- وحفظ العرض؛ بتحريم الزنا والقذف والفواحش.
٨- حفظ العقل؛ بتحريم التقليد وقفو الباطل.
٩- حفظ العهود والمواثيق الخاصة والعامة.
١٠- حفظ الخلق الكريم للنفس البشرية وتحريم كل خلق ذميم كالخيلاء والفخر والبطر والكبر.
ومن تدبر هذه المقاصد العشرة الكلية لهذه الأحكام؛ علم يقينا أن القرآن حكمة بالغة، فإن الضروريات للفرد والمجتمع لا تخرج عن هذه الآيات، وما شرع فيها من الأحكام!
- ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا﴾ [الإسراء: ٣٩]
🔹 بعد تفصيل الإسراء للأحكام التشريعية للمحافظة على الكليات العشر الضرورية لقيام الحياة الإنسانية (النفس والدين والعقل والعرض والمال والخُلق والأسرة والمجتمع والسلطان والعهود) جاءت الخاتمة بالأمر بالتوحيد ﴿ولا تجعل مع الله إلها آخر﴾ كما الفاتحة به ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾.
🔹أصل الأمر كله توحيد الله في عبادته وطاعته ولا يعرف ذلك كله إلا بأمره ونهيه وحكمه، فاقتضى ذلك بعد تشريع الأحكام؛ التحذير من الإشراك به في الألوهية ووجوب توحيد الله بها وهي تعم إفراده بكل ما أوجب على عباده إفراده به، ومن ذلك؛ الحكم والأمر ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾.
🔹كان أهل الجاهلية يشركون مع الله في الحكم والتشريع والتحليل والتحريم والطاعة؛ كما نعى القرآن عليهم قولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ وحذر القرآن المؤمنين من طاعتهم ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ ونعى عليهم قولهم: ﴿أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾!
🔹الإله في لغة القرآن يطلق ويراد به:
١- المعبود بحق وهو الله أو بباطل وهو ما سواه كما قال اليهود ﴿اجعل لنا إلها﴾ وقال مشركو العرب ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾.
٢- والمطاع طاعة مطلقة كفرعون ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ وهذا التأله البشري الذي ينازع ملوك الأرض فيه الله!
🔹كل شرك بالله كبيرا كان أو صغيرا ظاهرا أو باطنا في ملكه أو ربوبيته أو عبادته أو طاعته أو حكمه أو دعائه أو ذاته أو أسمائه أو صفاته؛ فإنه يناقض الحكمة الرسالية النقلية والفطرية العقلية، ولا يحتاج إثبات بطلانه أكثر من إدراك حقيقة الخلق وحدوثه وفنائه، وحقيقة الحق ووجوب وجوده وبقائه!
🔹التوحيد سر انتظام الوجود ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾؛ ولهذا كان انتظام وجود الأمة بالوحدة والجماعة والاجتماع؛ لذا جعل النبيﷺ توحيد الأمة الإنساني رديف توحيد الله الإيماني؛ كما في الصحيح: (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..).
🔹الحكمة العقلية الإنسانية توجب الوحدة والاجتماع؛ فضلا عن الحكمة الشرعية القرآنية ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾؛ ولهذا كان افتراق الأمة إلى دول بلا وحدة جامعة مناف للحكمتين، ومن أمر الجاهلية؛ ولهذا أمر النبيﷺ بقتل من فرق وحدتها ﴿إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما﴾!
- ﴿أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾ [الإسراء: ٤٠-٤٣]
🔹استطردت السورة - بعد التحذير من الشرك - في إبطال ما كان عليه المشركون من عبادة الملائكة بدعوى أنهم بنات الله ﴿أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما﴾ في الافتراء على الله وادعاء ما يناقض ما يقضي به العقل والحكمة بنسبة الولد لله الواحد الأحد الصمد!
🔹احتج القرآن على المشركين في إبطال ألوهية الملائكة بالحكمة العقلية ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ ولنازعوا الله على الملك والعرش بالمغالبة والامتناع؛ فاضطرب نظام الوجود، فلما لم يضطرب هذا العالم المشاهد؛ دل على بطلان وجود آلهة آخر مع الله الخالق له!
🔹ويحتمل أن يكون المعنى كما في آية ٥٧ ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم المشركون لابتغت هذه الآلهة المزعومة الوسيلة والطريقة إلى الله وتقربت إليه زلفى بعبادته ولما خرجت عن أمره ونهيه؛ فأحرى بكم أنتم يا من لا تدعون الألوهية لأنفسكم أن تبتغوا إلى الله الوسيلة بعبادته وطاعته!
🔹نزهت السورة مقام الله جل جلاله عن الشريك والولد بأبلغ صيغة وهو قوله ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾ والتسبيح هو التمجيد والتعظيم والتقديس وتنزيه الله عما لا ينبغي نسبته له ذاتا وصفة وفعلا و(سبحان) صيغة فعلان فيها معنى الكمال والتمام وبلوغ الغاية في هذا التقديس والتنزيه، وعطف بقوله ﴿وتعالى﴾؛ للدلالة على أن تقدسه وعلوه ذاتي واجب له كوجوب ذاته قبل وجود من يسبحه ويقدسه، وأكد الفعل (تعالى) بمعنى المصدر (علوا) وتعاليا ذاتيا لنفي المجاز عنه وإثبات حقيقة العلو المطلق لله ذاتا وقدرا ومكانة؛ فهو خالق المكان والزمان وهو العلي الأعلى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾.
- ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ [الإسراء: ٤٤]
🔹أكدت السورة شهادة الوجود كله بألوهية الله خالقه وتسبيح كل شيء له ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ وهو تسبيحان:
١- ظاهر مشاهد؛ وهو انتظام الوجود وسجوده لله بأداء كل شيء فيه لوظيفته التي خلق لها ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾.
٢- وسجود غيبي وهو تسبيح كل شيء بحمد الله كل ولغته ونطقه وعدم سماع الإنسان تسبيحه وعدم فهمه له لو سمعه لا يدل على عدم وجوده؛ ولهذا آتى الله داود وسليمان القدرة على سماع ذلك منها ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير﴾ ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ وقال سليمان: ﴿عُلمنا منطق الطير﴾!
🔹كشف الله للنبي محمد ﷺ عن نطق كل شيء بحسبه فكان الحصى يسبح بيده ﷺ وسمع حنين الجذع بين يديه وسلم عليه الشجر والحجر وسمع ذلك أصحابه معه وهو من معجزاتهﷺ التي تواترت عنه وإنما يؤمن بذلك من يؤمنون بأن عالم الشهادة أوسع من أن تحيط به مداركهم وعقولهم القاصرة فضلا عن عالم الغيب المحجوب!
🔹قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ يفيد العموم لكل شيء في الوجود، وأنه يسبح لله بحمده ويثني عليه ويمجده و(إن) هنا بمعنى (ما) النافية للجنس ودخلت على (شيء) وهي نكرة فأفادت ظاهر العموم وسُبقت بمن (من شيء)؛ فصارت نصا في العموم، وجاءت بعدها (إلا يسبح)؛ فكانت من أقوى أدوات القصر والحصر!
🔹ذهب قتادة والحسن البصري إلى أن المراد بقوله: ﴿من شيء﴾ يعني: من كل شيء حي فيعم الحيوان والنبات وكل ما فيه حياة ونمو فهو يسبح بحمد الله دون ما عداه فهو عام أريد به خاص
وذهب عكرمة إلى ظاهر النص وعمومه!
وهو الظاهر؛ فكل شيء في الوجود يسبح بحمد الله من الذرة إلى المجرة ويسجد له كل بحسبه!
🔹غير المؤمن بالله يسبح لله ويسجد سجود تسخير؛ فلا يخرج عن عموم سجود كل موجود طوعا وكرها ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها﴾ وليس هو ممن يسجدون له ويسبحونه باختيارهم ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾.
🔹عدم سجود غير المؤمن الاختياري الطوعي لله إنما هو لعدم استحقاقه شرف السجود ﴿يسجد له من في السموات ومن في الأرض .. وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم﴾؛ فالسجود لله طوعا شرف وتكريم واصطفاء إلهي لمن طهرت سريرته وسلم قلبه من الكبر بتواضعه لربه وشكره لنعمه!
- ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا﴾ [الإسراء: ٤١-٤٥]
🔹بعد ذكر تسبيح الوجود كله بحمد الله، وعدم فقه الإنسان لهذا التسبيح؛ لقصور مداركه عن سماع ذلك، وعن عجزه عن فهمه حتى لو سمعه؛ جاءت خاتمة الآية بصفات الجمال الإلهي ﴿إنه كان حليما غفورا﴾؛ لمناسبتهما لحال الإنسان وجحوده، وحلم الله عليه وسعة رحمته به وصفحه عنه، وتتابع نعمه عليه مع كفره به!
🔹جاء ذكر القرآن بعد الحديث عن الإشراك بالله ونسبة الولد له ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا﴾ ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا﴾؛ لبيان أن الإيمان بالله هو اصطفاء إلهي واجتباء لا يعود فقط إلى عقل وذكاء بل صفاء نفس وزكاء!
🔹مع ظهور حجج القرآن في إثبات قضية توحيد الله وإفراده بالخلق والرزق واستحقاقه وحده العبادة والطاعة والحكم ونفي الولد عنه والشريك إلا أن ذلك كله لم يزد كثيرا من المشركين إلا نفورا وإعراضا حتى كأنما بينهم وبين القرآن حجاب مستور لا تنفذ منه أنواره إليهم لانطماس بصائرهم وفساد سرائرهم!
🔹قوله تعالى: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن﴾ بتشديد الراء وتخفيفها، والتصريف يشمل معاني التنويع والتكرير والتبيان؛ فجاءت حجج القرآن منوعة من كل ضروب الاستدلال الحسي والفطري والعقلي، ومكررة في كل سوره ومبينة بكل صور البلاغة والبيان الموجز والمعجز، ومع ذلك؛ لم يزد المشركين إلا كفورا ونفورا!
🔹في الآيات تسلية للنبيﷺ بأن من أعرضوا عن هدايات القرآن مع وضوح حججه في أوضح قضية بدهية على الإطلاق وهي توحيد الله؛ فمن باب أولى عدم تصديقهم بحادثة الإسراء والمعراج، وليس هذا راجعا إلى خفاء هدايات القرآن؛ بل لانطماس قلوبهم وانطباعها بالكفر؛ فلا يؤثر فيها نور القرآن ولا بلاغة البيان!
- ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ [الإسراء: ٤٦]
🔹 لما جعل الله بين المشركين والقرآن حجابا مستورا يحول بينهم وبين أنوار هداياته مع ظهورها وسطوعها؛ لانطماس بصائرهم وانتكاس ضمائرهم: بيّن العلة لذلك؛ وهو ما جعله الله عليها من أكنة، وهو جمع كنان وهي الأغطية التي تمنعهم من التفكر في الآيات والتدبر ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾!
🔹 جعل الله على قلوب المشركين أكنة كثيرة تحجبها عن إدراك حقائق الأشياء وليس فقط كنانا واحدا؛ فتعم كل الحجب التي تغلق القلب عن التدبر والعقل عن التفكر؛ كما في قوله تعالى: ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ كحُجب الشهوات والشبهات، وهوى النفوس وكبرها، وحب الدنيا وزينتها، وتقليد الآباء، وتعظيم الزعماء، وتأليه الرؤساء!
🔹 ذكر القرآن صوارف العقل عن التفكر وموانع القلب عن التدبر؛ ومنه: هوى النفوس وكبرها الذي يعميها عن الحق مهما بدا واضحا جليا؛ كحال الطغاة ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾!
🔹 كلما طغى الإنسان زاد عمهه واشتدت حيرته وعماه؛ فلا يهتدي إلى الحق سبيلا ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ ﴿لفي سكرتهم يعمهون﴾ فللطغيان سكرة هي أشد على العقل من سكرة الخمر يغيب فيها الوعي عن الواقع وعن إدراك عواقب الأمور وعن حسن التصرف حتى يبدو أشد الملوك قوة أضلهم رأيا وأخفهم عقلا! كما قال تعالى عن فرعون: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ وقال عن قومه: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾!
🔹 أسندت الآية الفعل إلى الله ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾؛ لأنه سبحانه الخالق للإنسان وفعله ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ وذلك وفاء بوعده لهم بأن ييسر لكل فريق سبيلهم الذي أرادوه ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ وجزاء على إعراضهم عنه ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾ ولا يظلم ربك أحدا!
🔹 ثم ذكرت السورة سبب إعراض المشركين عن القرآن وهداياته -وما حال بينهم وبينه فهمه حتى كأنما قلوبهم في أكنة منه وفي آذانهم صمم عنه فلا ينفذ إليها شيء من وعظه وتذكيره- وهو دعوته إلى توحيد الله ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾!
🔹أشار في خاتمة هذا الآية إلى ثلاثة أفعال تصدر عن المشركين إذا دعوا إلى توحيد الله وهي: التولي والإدبار والنفور وصاغها في جملة فعلية واحدة؛ فابتدأ بالفعل الماضي ﴿ولوا﴾ بالإعراض عنه وعدم الاقتراب منه، ثم لم يكتفوا بذلك حتى كان إعراضا منهم بالاتجاه المعاكس؛ وذلك بالإدبار عنه وجعلهم إياه خلف ظهورهم؛ فقيده بالجار والمجرور ﴿على أدبارهم﴾ ثم زادوا على ذلك بالنفور منه ﴿نفورا﴾؛ وهو وقوع التولي عن القرآن والإعراض عن هداياته والإدبار منه بفزع وانزعاج واضطراب وعجل. وقوله: ﴿نفورا﴾ حال من الفاعل في تولوا يعني: تولوا حال كونهم نافرين منه أو مصدر مؤكد لفعل محذوف من لفظه، يعني: ونفروا منه نفورا، أو مؤكد لمعنى فعله، وهو: تولوا توليا، فجاء بدلا منه بالمفعول المطلق لمرادف له، وهو: النفور؛ لزيادة المعنى الذي يفيده النفور؛ مما لا يفيده مجرد التولي والإعراض!
🔹 ذكر القرآن الحال التي تعتري المشركين كلما دُعوا إلى التوحيد؛
فتارة ينفرون منه على أدبارهم، وتارة يشمئزون منه ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾!
وتارة يستكبرون ﴿إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾!
وتارة يكفرون ويجحدون ﴿إذا دعي الله وحده كفرتم﴾!
وتارة يعظم عليهم الأمر بالتوحيد ويثقل على نفوسهم ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾!
وتارة يستشيطون غضبا ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾!
🔹 هذه الحال النفسية -من اشمئزاز القلب وضيق الصدر واستشاطة الغضب وكبر النفس وكفر العقل- التي تعتري المشركين كلما ذكر الله وحده كاف بعضها فضلا عن جميعها في الحيلولة دونهم ودون فهم القرآن والاهتداء به حتى كأن بينهم وبينه حجابا مستورا!
🔹 فسّر القرآن هذه الحال التي تعتري المشركين بأبلغ صورة بيانية تمثيلية في قوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ فكذا حال المشرك كلما زاد صعودا وارتفاعا في سماء عالم الروح والغيب والإيمان والتوحيد الذي يتحدث عنه القرآن زاد ضيقا به وحرجا منه!
🔹 مما يؤكد أن هذه حال نفسية محضة يصاب بها المشرك لا ترجع إلى استدلال عقلي ولا إلى برهان منطقي؛ هو أن هذه الحال تنقلب إلى الضد تماما إذا آمن بالقرآن، فإذا ما كان يجده حال كفره وشركه بالله من ضيق وحرج إذا سمع القرآن يتحول فجأة بعد الإيمان إلى فرح به وانشراح صدر عند قراءته وغبطة بتلاوته؛ وهي حال يعرفها المشركون من أنفسهم!
- ﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ [الإسراء: ٤٧]
🔹 بعد أن ذكرت السورة حال المشركين عند سماع القرآن حتى كأنما صمّت آذانهم عنه، وحجبت قلوبهم بأكنة عن فهمه والاهتداء به، ذكرت علم الله بما وراء ذلك الإعراض من أسباب نفسية خفية -والله الذي خلقهم أعلم بهم من أنفسهم- وبالحال التي كانوا عليها حين استماعهم للقرآن.
🔹 استعمل هنا ضمير (نحن)؛ تعظيما لله ربهم الذي أحاط بهم علما، وتعظيما لعلمه الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، وتعظيما لشأن القرآن الذي حيل بينهم وبين فهمه.
وأفعل التفضيل (أعلم) ليست على بابها في أن علم الله أوسع من علمهم؛ إذ لا مقارنة أصلا بين علم الله وعلمهم ليصح التفاضل بينهما، بل أعلم هنا بمعنى العالم بهم علما محيطا ببواطنهم وظواهرهم، فليس كعلم الله شيء!
🔹 وقوله: ﴿أعلم بما يستمعون به﴾ يعني الله أعلم باستماعهم للقرآن عند قراءتك له، وإصغائهم إليه خفية، وإنصاتهم له، واستسرارهم من بعضهم لسماعه، وشدة تأثيره في نفوسهم، واندهاشهم منه، وعجزهم عن الاتيان بمثله.
🔹 وحرف الجر (به) يحتمل أنه بمعنى (له) من باب تناوب حروف الجر، وحسُن التناوب هنا؛ لأن الأصل في (سمع) تعديتها بالباء، فيقال: (سمع به وبالخبر)، بينما (استمع) تعدى باللام، فيقال: (استمع إليه)، فجاء هنا بالفعل (يستمعون) وبحرف الجر (به) التي لسمع؛ لإفادة كلا المعنيين السماع به والاستماع له في عبارة واحدة ليشمل:
١- العلم بسماعهم بالقرآن ونبأه العظيم وتجادلهم في شأنه.
٢- والعلم باستماعهم إليه، وما يعتريهم من حال تنبئ عن عجزهم عن معارضته، وإقرارهم في دواخل نفوسهم بأنه حق من عند الله، لولا ظلمهم لأنفسهم وجحودهم به!
ويحتمل أن (به) لبيان حالهم حين الاستماع، وأنهم يستمعون إليه باستهزاء وكبر صرفهم عن الاهتداء به.
ويحتمل أن تكون (بما يستمعون به) بمعنى بما يتكلمون به، من باب التضمين، وحسن استعماله هنا؛ لأنه لا يكون استماع عادة إلا لكلام يستمع، فحذف الكلام اختصارا؛ لدلالة الاستماع عليه، وأتي بحرف الجر الباء للإشارة إليه كقوله: ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾!
🔹 وقوله تعالى: ﴿إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ تفصيل لما أجمل في قوله: ﴿نحن أعلم بما يستمعون به﴾ في كل أحوالهم، حين السماع بالنبأ العظيم، وحين الاستماع إليه وهو يتلى، وحين الفراغ من سماعه، وحين تجادلهم وتناجيهم فيما بينهم بشأنه، فيقول الظالمون منهم للذين آمنوا واتبعوه -حين أعيتهم الحيلة وأعجزهم القرآن- إن تتبعون إلا رجلا مسحورا!
فتركوا الرسالة والمعجزة حين لم يجدوا فيها ما يستطيعون قوله أو رده ونقضه، وطعنوا بالرسول بما يعلمون هم أنفسهم ببطلانه وعدم صحته فاتهموه بأنه مسحور كما قالوا عنه كاهن وساحر كذاب! ثم لم تمض السنون حتى آمن العرب به واتبعوه كلهم أجمعون!
- ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٨]
🔹 تولى الله جل في علاه الدفاع عن نبيهﷺ وعن كتابه الكريم بنفسه، ورد على المشركين ما ادعوه فيه، وما افتروه عليه، وفند ما ضربوه له من الأمثال حين شبهوه بالساحر تارة، وبالشاعر تارة!
وخاطبه ربه جل جلاله خطاب الحبيب حبيبه مباشرة ليشركه معه في النظر في حالهم ومآلهم بقوله: ﴿انظر﴾ يا محمد! كيف يهيمون على وجوههم في كل واد من أودية النظر، ويضربون لك بمثل لا يصدق عليك ولا على ما جئتهم به من الحق، فلا يزدادون بهذا النظر إلا ضلالا وجهلا، ولا يهتدون إلى الحق بمثل هذا القياس سبيلا!
🔹 وقد رتب هنا ضلالهم على ضربهم أمثالهم، بحرف الفاء في قوله: ﴿فضلوا﴾ لبيان أنهم أُتوا من قِبل الخطأ في المقدمات نفسها حين ضربوا لك الأمثال التي لا تصدق عليك، واستخدموا القياس في غير مناطه الصحيح، وهذا على خلاف سنن ضرب الأمثلة التي يراد منها أصلا الحكمة بأقصر طرق النظر بذكر المثل المناسب، والقياس والتمثيل للشيء بالشيء ليأخذ حكمه، فلما كان ضربهم المثل لك أصلا باطلا، والقياس عليه عاطلا؛ فاتتهم الحكمة، وكانت النتيجة عكسها تماما وهي أنهم ضلوا وخرجوا عن الطريق الموصل إلى الحق والصواب والحكمة، فلا يهتدون بمثل هذا النظر المختل والقياس المعتل سبيلا!
🔹 نفي الاستطاعة هنا ﴿فلا يستطيعون سبيلا﴾ ليس من باب التكليف بما لا يستطاع! وإنما هو نفي أن يكون مثل هذا النظر الضليل الكليل والقياس المختل العليل مما يتوصل به إلى الحق بأي حال من الأحوال، فاستفادة المعرفة الصحيحة بمثله معدومة تماما، فلا يتصور الاهتداء بما جاء به الرسول وبالرسالة وبالبلاغ عن الله لمن يرى بأن الرسول مسحور أو كاهن أو شاعر أو كذاب!
🔹 جاء لفظ (سبيلا) منكرا في سياق النفي (لا يستطيعون)؛ لإفادة العموم، فلا مخرج لهم أبدا مما هم فيه من غواية، ولا سبيل لهدايتهم مطلقا مما هم فيه من عماية، حين ضلت عقولهم عما هو من أوضح الواضحات، وعميت بصائرهم عن أصرح البينات، فاتهموا رسولهم الصادق الأمين بالجنون! وهو أصدق الخلق لسانا، وأفصحهم بيانا، وأكملهم عقلا، وأحسنهم فعلا!
وشبهوا القرآن بالسحر والشعر، وهو أهدى الكتب السماوية إلى الحق، وأوضح بينات الرسل وحجج الله على الخلق!
فلا يعمى عنه وعن هداياته وبيناته إلا الأعمى، ولا يضل عنه إلا الأشقى!
- ﴿وَقالوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبعوثونَ خَلقًا جَديدًا قُل كونوا حِجارَةً أَو حَديدًا أَو خَلقًا مِمّا يَكبُرُ في صُدورِكُم فَسَيَقولونَ مَن يُعيدُنا قُلِ الَّذي فَطَرَكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنغِضونَ إِلَيكَ رُءوسَهُم وَيَقولونَ مَتى هُوَ قُل عَسى أَن يَكونَ قَريبًا يَومَ يَدعوكُم فَتَستَجيبونَ بِحَمدِهِ وَتَظُنّونَ إِن لَبِثتُم إِلّا قَليلًا﴾ [الإسراء: ٤٩-٥٢]
🔹 لما طعن المشركون بالرسول ﷺ واتهموه -كما ذكرت هذه السورة- بأنه رجل مسحور، عادوا لإبطال الرسالة التي تقوم على أساس الإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، باستبعاد إمكان إعادة خلقهم من جديد، بعد أن بليت عظامهم في قبورهم، وصارت أجسادهم رفاتا، وترابا فتاتا، يستحيل معه بعثهم.
🔹 وقد أقروا بهذه المحاججة العقلية -من حيث لم يقصدوا- ببطلان طعنهم بالرسول، وعدم صحة دعاواهم عليه بأنه رجل مسحور، إذ مجادلة رجل مسحور فيما يقول، ضرب من الجنون، لا يصدر من ذوي العقول!
🔹 والشك في بعث الإنسان بعد الموت فرع عن الشك في قدرة الله الخالق على الإحياء أصلا، مع إيمانهم بالله وأنه الخالق لهم كما قال القرآن عنهم ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهو تناقض ظاهر، إذ الخالق لهم من العدم أقدر من باب أولى على إعادتهم وبعثهم من عظام ورفات!
🔹 فجاء الرد عليهم بما هو أبلغ في القدرة على بعثهم، فلم يجبهم عن سؤالهم ابتداءً، بل أعجزهم بما هو أشد منه، فقال: ﴿قُل كونوا حِجارَةً أَو حَديدًا * أَو خَلقًا مِمّا يَكبُرُ في صُدورِكُم فَسَيَقولونَ مَن يُعيدُنا قُلِ الَّذي فَطَرَكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنغِضونَ إِلَيكَ رُءوسَهُم وَيَقولونَ مَتى هُوَ قُل عَسى أَن يَكونَ قَريبًا﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]
🔹 والحجارة والحديد أبعد مواد الأرض عن معنى الحياة ورطوبتها، بخلاف العظام والرفات، ومع ذلك لو صاروا حجارة أو حديدا، أو أي شيء آخر مما يعظم في نفوسهم كالسموات والأرض، ولو الموت نفسه، كما قال ابن عباس، لأماتهم الله وأعاد بعثهم.
🔹 وهنا جاء السؤال عمن يفعل ذلك بهم ﴿فَسَيَقولونَ مَن يُعيدُنا﴾، بعد أن كانوا يستبعدون الإعادة نفسها، وهو اعتراف ضمني منهم بإمكان البعث مرة أخرى، فجاء الجواب ﴿قُلِ الَّذي فَطَرَكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فلم يقل (الله الذي يعيدكم) بل أسند الإعادة لمن فطرهم ابتداءً، وخلقهم من العدم أول مرة، وجعل وجودهم في حد ذاته دليلا عقليا وحجة على:
١- خلقهم من عدم.
٢ - وعلى وجود خالق لهم.
٣- وعلى بعثهم بعد الموت قياسا على فطرهم الأول.
٤ -وعلى الجزاء والحساب الذي يقتضيه البعث الثاني.
٥ - وعلى الغاية من الخلق والبعث وهو الإيمان والعمل الصالح الذي لا يمكن معرفته إلا بالوحي والرسالة والرسول.
🔹 وهنا انتهوا عن جادلهم ولجاجهم فهم أعقل من أن يكابروا في هذه المقدمات، فلزمتهم النتيجة، فلم يجدوا مخرجا للهروب من ذلك إلا هز رؤسهم إلى الأعلى والأسفل استهزاءً أو استغراباً وتعجبا ﴿فَسَيُنغِضونَ إِلَيكَ رُءوسَهُم﴾، ليطرحوا سؤالا ثالثا عن زمن البعث ﴿وَيَقولونَ مَتى هُوَ﴾ فقد تراجعوا عن لجاجهم عن إمكان البعث، وعن الباعث لهم بعد موتهم، ليصبح زمن البعث هو الفيصل في النزاع بين النبي ﷺ وبينهم!
🔹 فجاء الجواب محكما على مقتضى حالهم ﴿قُل عَسى أَن يَكونَ قَريبًا﴾ فلم يحدد لهم زمنا، إذ لا معنى لتحديده لهم وهم إنما يسألون من باب المجادلة وإثارة الشبهة حول إمكان البعث، فاقتضى ذلك أن يكون الجواب تهديدا لهم باقتراب وقته، ليكون ذلك أبلغ في الرد عليهم، وأشد على نفوسهم، وأقطع لحجاجهم.
🔹 ثم انتقل بهم إلى ما هو أولى من تحديد الزمن وهو ما سيجري لهم فيه من انبعاث سريع لا يحتاج إلى تكلف في إعادة خلقهم كما يتوهمون، بل ما هو إلا أن يدعوهم الله إلى يوم القيامة، ويأذن بنفخ الصور، فإذا هم يستجيبون لندائه، كأنما هم نيام فاستيقظوا، فلم يطل وقت لبثهم في قبورهم، حتى أنهم يظنون أن ما بين حياتهم وموتهم وبعثهم ساعة أو بعض ساعة ﴿يَومَ يَدعوكُم فَتَستَجيبونَ بِحَمدِهِ وَتَظُنّونَ إِن لَبِثتُم إِلّا قَليلًا﴾ [الإسراء: ٥٢]
🔹 والحمد هنا قيل الأمر، يعني يدعوكم بأمره، وقيل يدعوكم حال كونكم حامدين حينئذ على كل حال اعترافا بربوبيته، كما هو حال الخلق جميعا يوم القيامة ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ فكل الخلائق يحمدونه على نعمة خلقهم، وعلى عموم رحمته لهم، وعلى فضله عليهم، وعدله في حكمه بينهم، ولا يظلم ربك أحد، فكما ابتدأ الله الخلق للعالمين بالحمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، فكذلك تكون النهاية بالحمد له حالا ومقالا ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ إذ الوجود كله من فيض جوده الذي استحق به الحمد كله، كما قال سبحانه ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ لَهُ الحَمدُ فِي الأولى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [القصص: ٧٠].
- ﴿وَقُل لِعِبادي يَقولُوا الَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بَينَهُم إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلإِنسانِ عَدُوًّا مُبينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
🔹 بعد أن أبطل الله شبهة المشركين المجادلين للنبي ﷺ في إمكان البعث بعد الموت؛ أمره سبحانه بما يناسب مقام الجدل -لهداية عباده- بالقول الأحسن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
🔹 وعلل ذلك الأمر بأن الشيطان ينزغ بينهم، ويغري بوقوع الشر والفساد بينهم، وهو السبب فيما يقع في نفوس هؤلاء المجادلين بالباطل من شبه ووساوس، وذلك لشدة عداوته للإنسان وحرصه على غوايته، فكان من كمال الرحمة بهم، وإقامة الحجة عليهم، مجادلتهم وكشف شبهتهم بأحسن القول؛ لما فيه من قطع نوازع النفوس وأهوائها من كبر وبطر وحقد وحسد قد يحول بينها وبين رؤية الحق واتباعه، فكان القول الأحسن هو السبيل لذلك الذي يحبه الله ويرضاه لمن يدعو إلى سبيله، إلا مع من ظلم وتجاوز حد الجدل والبحث عن الحق إلى العدوان بالقول أو الفعل، كما قال تعالى ﴿وَلا تُجادِلوا أَهلَ الكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِلَّا الَّذينَ ظَلَموا مِنهُم﴾ [العنكبوت: ٤٦].
🔹 وكما جادل موسى فرعون بالقول اللين كما أمره الله: ﴿فَقولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشى﴾ [طه: ٤٤].
فلما أجابه موسى عن كل أسئلته، وأزال شبهته، وسخر منه فرعون واتهمه بالسحر وهددهم، رد عليه موسى وأغلظ بالقول ﴿قالَ لَقَد عَلِمتَ ما أَنزَلَ هؤُلاءِ إِلّا رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ بَصائِرَ وَإِنّي لَأَظُنُّكَ يا فِرعَونُ مَثبورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]
🔹 وقد أمر الله رسوله محمد ﷺ بذلك أيضا مع من ظلم وتجاوز حد الجدل والبحث إلى التدليس والتضليل فقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ وَالمُنافِقينَ وَاغلُظ عَلَيهِم وَمَأواهُم جَهَنَّمُ وَبِئسَ المَصيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
🔹 وإنما جهاد المنافقين هو بأن يغلظ عليهم بالقول الشديد، والتهديد بسوء العاقبة والوعيد، ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ المُنافِقونَ وَالَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ وَالمُرجِفونَ فِي المَدينَةِ لَنُغرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لا يُجاوِرونَكَ فيها إِلّا قَليلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠].
🔹 فالدعوة إلى الله والمحاججة عن دينه بالتي هي أحسن، لا تتنافى مع الشدة بالقول على المنافقين والظالمين، فقد تكون الشدة معهم أدعى لردعهم، وكفهم عن غيهم، وذلك خير لهم، بخلاف اللين معهم، فقد يزيد من طغيانهم، فيكون شرا لهم، فليست النفوس البشرية سواء، بل الله أعلم بما يصلح كل طائفة ﴿أُولئِكَ الَّذينَ يَعلَمُ اللَّهُ ما في قُلوبِهِم فَأَعرِض عَنهُم وَعِظهُم وَقُل لَهُم في أَنفُسِهِم قَولًا بَليغًا﴾ [النساء: ٦٣].
🔹 فمن اتخذ اللين ديدنا دائما مع كل أحد؛ فقد خالف هدى القرآن، وسبيل الفرقان في الدعوة إلى الله، وخالف هدي النبي ﷺ في الشدة مع من ظلم واعتدى، وربما كان الداعي في دعوته تلك أتبع لهواه وطبعه من سبيل الله وشرعه، ويكون السبب الذي يحمله على الرفق واللين مع كل أحد حتى مع المنافق والظالم جبنه وخوره وخشيته من الخلق والصدع بالحق!
🔹 وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلإِنسانِ عَدُوًّا مُبينًا﴾ تأكيد على أن ما يقع للإنسان من شبه عن الله، وعن أصل الخلق، وعن إمكان البعث، وما يطرأ على النفوس من شك واضطراب، إنما هو من فعل الشيطان ونفثه، فالاستغراق في الجدل مع من افتتنوا به لا يخرجهم من حيرتهم العقلية، وإنما يخرجهم منها المعالجة النفسية، بالرحمة والرفق بهم، واللين معهم، والقول الأحسن الذي يؤثر في النفوس ويسل حزازاتها وأضغانها.
🔹 ومع شدة عداوة الشيطان للإنسان وظهور هذه العداوة منه ظهورا بينا لا خفاء فيها، كما وصفه الله ﴿عدوا مبينا﴾ إلا إن أكثر الناس لا يرونها ولا يشعرون بها، بل لا يصدقون بوجود الشيطان نفسه! لتتحقق بذلك الحكمة الإلهية من خلقهم وتكليفهم واختبارهم، فلم يجعل الله للشيطان على الإنسان أكثر من الإغواء والنزغ والوسوسة، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء:٧٦]، وجعل الاستعاذة بالله وذكره كافيا في دفع نفثه وكف شره ﴿وَإِمّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ نَزغٌ فَاستَعِذ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ﴾ [فصلت: ٣٦]
- ﴿رَبُّكُم أَعلَمُ بِكُم إِن يَشَأ يَرحَمكُم أَو إِن يَشَأ يُعَذِّبكُم وَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم وَكيلًا ❂ وَرَبُّكَ أَعلَمُ بِمَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلَقَد فَضَّلنا بَعضَ النَّبِيّينَ عَلى بَعضٍ وَآتَينا داوودَ زَبورًا﴾ [الإسراء: ٥٤-٥٥]
🔹 بعد أن أمر الله عباده بالمجادلة والمحاورة بالتي هي أحسن من القول للوصول إلى الحق، وحذر من نزغ الشيطان بينهم؛ أتبع ذلك بالتعليل لهذا الأمر وهو أنه سبحانه أعلم بعباده، وبما يصلحهم، وما يصلح لهم من الأحكام التي بها هدايتهم ونجاتهم، فهو ربهم الذي خلقهم ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ﴾ [الملك: ١٤].
🔹 ثم ذكر سبحانه أن أمر هدايتهم إليه وحده ﴿إِن يَشَأ يَرحَمكُم﴾ فيهديكم في الدنيا إلى الحق، ويوفقكم إلى الإيمان به، ويدخلكم يوم القيامة جنته ورحمته، ﴿أَو إِن يَشَأ يُعَذِّبكُم﴾ بذنوبكم وكفركم، وفيه إشارة إلى ما سبق في أول السورة من وعيد لبني إسرائيل وتهديد إن عادوا للفساد في الأرض ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾!
🔹 ثم واسى الله رسوله ﷺ ﴿وَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم وَكيلًا﴾، وإنما عليك أيها النبي البلاغ والبيان والمجادلة لهم بالتي هي أحسن، وإقامة الحجة عليهم.
🔹 وبعد أن ذكر الله علمه بهم ﴿رَبُّكُم أَعلَمُ بِكُم﴾ الذي يقتضي طاعتهم له؛ أتبعه بالحديث عن علم الله بما هو أعظم منهم خلقا وحالا، وما يصلح له ولكل شيء في الوجود من الهداية المناسبة له -لتحقيق الغاية من خلقه فهو الذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[طه:٥٠]- فقال: ﴿وَرَبُّكَ أَعلَمُ بِمَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلَقَد فَضَّلنا بَعضَ النَّبِيّينَ عَلى بَعضٍ وَآتَينا داوودَ زَبورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].
🔹 وهذا العلم بهم وبحالهم وبما يصلحهم وبما هو أعظم منهم يقتضي منهم التسليم لحكمه، والإيمان بحكمته، وعدم منازعة رسوله بما جاءهم به من الأخبار والأحكام، وما جرى له من المعجزات، كالإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج الذي عرج به إلى السماوات العلى، وذلك لتفضيله سبحانه رسله بعضهم على بعض فيما أرسلهم به، وما أوحى به إليهم من الشرائع التي تناسبهم، وما خصّ كل واحد من الآيات والبينات والمقامات، كاتخاذ إبراهيم خليلا، وموسى كليما.
🔹 ومن ذلك التفضيل الذي يعرفه أهل الكتاب عامة، واليهود خاصة ما خصّ الله به داوود من الزبور التي أوحاها إليه وفيها حمده وتمجيده، وهي أول ما نزل على أنبياء بني إسرائيل بعد توراة موسى التي فيها الذكر والعلم والشرائع، وفي كلا الكتابين البشارة بالنبي محمد ﷺ وأمته وأنهم يرثون الأرض المباركة وهي أرض فلسطين والشام، ومسجد إبراهيم خاصة، وكل أرض بعد ذلك تفتح عليهم عامة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَد كَتَبنا فِي الزَّبورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]
قال ابن جرير الطبري: (أنها أرض الأمم الكافرة، ترثها أمة محمد ﷺ، وهو قول ابن عباس الذي روى عنه علي بن أبي طلحة).
🔹 وهذا القول هو أصح ما روي عن الصحابة، وأوفق الأقوال لسياق هذه الآيات، ولا ينفي ذلك عموم الوعد لكل أرض، فإن الله قد وعد عباده الصالحين وهم أمة محمد أن يرثوا الأرض في الدنيا، والجنة في الآخرة أيضا.
قال القرطبي في تفسيره: (وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد ﷺ).
وهذا يرجح قول الشعبي بأن الزبور في هذه الآية كتاب داود، والذكر توراة موسى.
🔹 وخصّ داود بالذكر هنا بقول: ﴿وَآتَينا داوودَ زَبورًا﴾ لأنه أول أنبيائهم الملوك الذي ملك الأرض المباركة ودخل القدس واتخذها عاصمة، كما وعدهم الله بإيمانهم وطاعتهم لرسله، وكما صدق الله وعده للمؤمنين من بني إسرائيل بأن أورثهم الأرض المباركة بعد موسى، كذلك سيورث الله عباده المؤمنين الأرض المباركة بعد وفاة محمد ﷺ بالوعد الذي وعدهم الله إياه، فالذي وعد موسى هو الذي وعد محمد ﷺ، والذي حقق الوعد والنصر لداود والمؤمنين معه مع قلة عددهم وضعفهم أمام جالوت وجيوشه حتى آتاهم الملك؛ هو الذي كذلك سيحقق للمؤمنين بعد وفاة محمدﷺ مع قلتهم وضعفهم: الوعد والنصر على الروم مع كثرة جيوشهم؛ ليرثوا الأرض المباركة في الشام وفلسطين!
﴿وَلَقَد فَضَّلنا بَعضَ النَّبِيّينَ عَلى بَعضٍ وَآتَينا داوودَ زَبورًا﴾
🔹 ذِكرُ داود هنا في سورة الإسراء له ارتباط في الوعد الوارد في أولها عن علو بني إسرائيل وفسادهم في الأرض بعد الملك العظيم الذي تحقق لهم على يد داوود، كما قال تعالى عن أصحاب طالوت: ﴿فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]
كما لذكره أيضا ارتباط ببعث الله عباده المؤمنين الذين سيورثهم الأرض المباركة وهم أمة محمدﷺ، حيث بشّر داود بهم في الزبور.
🔹 وقد ذكر القرآن داود كثيرا لما بينه وبين رسول الله ﷺ من تشابه في شأنه كله، فكلاهما رعى الغنم، واشتغل في كسب عيشه قبل النبوة، وكلاهما جاهد في سبيل الله، وقاتل الطغاة، حيث قتل داود جالوت وآتاه الله الملك واتخذ القدس عاصمته، وكذا قاتل النبي ﷺ طغاة المشركين يوم بدر، وكان له الظهور عليهم حتى فتح مكة!
وكلاهما وحّد قومه وجمع كلمتهم؛ فقد وحّد داود قبائل بني إسرائيل بعد افتراقهم وضعفهم، وكذا وحّد النبي محمد ﷺ العرب بعد جاهليتهم وافتراقهم، فامتد سلطانه من المدينة المنورة التي اتخذها عاصمة لدولته على جزيرة العرب كلها، وكلاهما تحقق على يده الظهور الكامل للشريعة وأحكامها، وكلاهما أقام دولة ومكن الله له في الأرض، وكلاهما صلى في القدس، داود بعد فتحه لها، والنبي محمد ﷺ ليلة الإسراء حين صلى بجميع الأنبياء إعلانا عن ولايته على الأرض المباركة وعلى القدس والمسجد الأقصى، وولاية أمته عليه بعده، وكلاهما تحقق لمن بعده الاستخلاف في الأرض وأقام العدل، فخلف سليمانُ داود، وخلف أبو بكر النبيﷺ.
🔹 أمر الله النبي محمدا ﷺ بالاقتداء بداود في صبره؛ إذ الرسالة التي كلف بها، والجهاد الذي أمر به، وما سيؤول إليه أمره من ملك وسلطان يحتاج إلى صبر وقوة ﴿اصبِر عَلى ما يَقولونَ وَاذكُر عَبدَنا داوودَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ [ص: ١٧].
🔹 وكما أوصى الله النبي محمدا ﷺ بالحكم بالعدل وعدم اتباع أهواء الناس فقال له: ﴿وَأَنِ احكُم بَينَهُم بِما أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِع أَهواءَهُم وَاحذَرهُم أَن يَفتِنوكَ عَن بَعضِ ما أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِن تَوَلَّوا فَاعلَم أَنَّما يُريدُ اللَّهُ أَن يُصيبَهُم بِبَعضِ ذُنوبِهِم وَإِنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
كذلك أوصى الله قبله داود بالحكم بالعدل ﴿يا داوودُ إِنّا جَعَلناكَ خَليفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذينَ يَضِلّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ لَهُم عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسوا يَومَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦]
🔹 كما بين النبي ﷺ وخلفائه من أصحابه، وموسى وخلفائه شبه من وجوه كثيرة، فكلاهما نبي مشرع، وكلاهما أُمر بالجهاد، وقد خلف موسى يوشعُ بن نون الذي دخل بقومه الأرض المباركة عبر الأردن، وكذا خلف أبو بكر النبي ﷺ الذي دخلت جيوشه الأرض المباركة، وتوفي وخلفه عمر واجتمعت جيوشه في اليرموك في الأردن، فهزم الروم وفتح القدس وملك مفاتيحها وطهر المسجد، كما جرى لداود حين ملكها واتخذها عاصمة له!
وكما تحقق وعد الله لموسى وقومه بأن يرثوا الأرض المباركة بالإيمان والعمل الصالح، تحقق الوعد لخلفاء النبي محمدﷺ وأمته بدخول الأرض المباركة الوارد في التوراة والزبور والإنجيل والقرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَد كَتَبنا فِي الزَّبورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ﴾ [النور: ٥٥]
﴿… وَلَقَد فَضَّلنا بَعضَ النَّبِيّينَ عَلى بَعضٍ وَآتَينا داوودَ زَبورًا . قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا. أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) [الإسراء: ٥٥- ٥٧]
🔹 لما كانت قريش تدفع نبوة محمد ﷺ، وتنفي نزول الوحي عليه؛ بسبب يتمه، وضعف حاله وفقره، ورعيه الغنم في أول أمره، حتى قالوا ﴿لَولا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ذكر الله داود الذي كان راعيا للغنم فاصطفاه الله وخصه بالنبوة والملك والحكمة، وكذلك سيكون حال محمدﷺ، وهم ما تحقق فعلا بعد سورة الإسراء التي كانت قبل الهجرة إلى المدينة وإقامة الدولة بثلاث سنين فقط!
🔹 ولما كان شأن الإسراء بالنبي ﷺ بين المسجدين: الحرام في الحجاز والأقصى في الشام، والمعراج إلى السموات العلى، أمرا عظيما خارجا عن التصور البشري المحدود، أشارت الآية إلى قدرة الله واختصاصه بالتفضيل لمن يشاء من عباده بما يشاء، وذكرت داود وما آتاه الله من المعجزات التي كان يؤمن بها أهل الكتاب كافة وبنو إسرائيل خاصة ومن ذلك تأويب الجبال والطير معه ﴿وَلَقَد آتَينا داوودَ مِنّا فَضلًا يا جِبالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيرَ وَأَلَنّا لَهُ الحَديدَ﴾ [سبأ: ١٠] فإذا كانوا يؤمنون بذلك وهم فعلا كذلك، مع خروج ذلك عن المألوف؛ فكذا ما جرى لمحمد ﷺ هو من جنس ما جرى لداود باختصاصه بخرق نواميس الطبيعة والأرض والجبال له، وبالزبور الذي يمجد الله بقدرته وعظمته، فخرق الله لمحمد نواميس الطبيعة والأرض والسماء بأعظم مما جرى لداود، وآتاه كتابا أعظم شأنا من الزبور، وسيكون له من رفع الذكر في العالمين والخلود، ما لم يكن لداود، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعنا لَكَ ذِكرَكَ﴾ [الشرح: ٤].
وهو ما يوجب الإيمان به واتباعه وطاعته فيما يدعو إليه من ملة إبراهيم والأنبياء من بعده بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإخلاص له بالعبادة، والإسلام إليه بالطاعة، وترك عبادة كل ما سواه من الأوثان والأضداد، وعبادة الأنبياء والأنداد؛ كما فعل أهل الكتاب الذين عبدوا المسيح وقالوا عنه ابن الله، واليهود الذين قالوا عزير ابن الله.
🔹 فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعَمتُم مِن دونِهِ فَلا يَملِكونَ كَشفَ الضُّرِّ عَنكُم وَلا تَحويلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]
🔹 فبعد أن ذكرت الآية السابقة داود وتفضيل الله له بالزبور، وكان كله تسبيح لله وتمجيد، وتعظيم لسلطانه وتوحيد -وهو ما آتى الله محمدا مثله بهذا القرآن الذي جمع بين الوحي بالتشريع والأحكام كما كانت التوراة، وبالبشارات والنبوءات كما كان الإنجيل، وبالتحميد والتمجيد كما هو شأن الزبور، وهو دعوة لتوحيد الله والتوكل عليه، حيث جاء في الزبور في المزمور الخامس والأربعين بعد المائة: (لا تتوكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص، فإن أرواحهم تفارقهم ويعودون إلى ترابهم، في ذلك اليوم تبطل أعمالهم)، وهو ما ذكرته سورة الإسراء في فاتحتها ﴿وَآتَينا موسَى الكِتابَ وَجَعَلناهُ هُدًى لِبَني إِسرائيلَ أَلّا تَتَّخِذوا مِن دوني وَكيلًا﴾ [الإسراء: ٢]- ناسب ذلك التذكر بذلك وإبطال التوكل على غير الله وعبادة من سواه.
🔹 احتج القرآن على المشركين بإبطال أوثانهم التي يدعون من دون الله بالتجربة المباشرة ليكون الشاهد عليهم من أنفسهم ﴿قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعَمتُم مِن دونِهِ فَلا يَملِكونَ كَشفَ الضُّرِّ عَنكُم وَلا تَحويلًا﴾ وهذه أوضح الحجج والآيات، وأوكد الأدلة والبينات، على بطلان زعمهم فيهم ودعوتهم إياهم، فإنهم حين يقع بهم الضر يرون بأنفسهم أن معبوداتهم لا يستطيعون كشفه عنهم كلية، ولا تحويله وتغييره جزئيا بأخف منه، أو بحال أفضل لهم، أو بغير ما هم عليه، إلا ما شاء الله من ذلك.
🔹 ثم احتج القرآن عليهم بحال أولئك المدعوين من دون الله من الأنبياء أو الملائكة وبأنهم هم أنفسهم يتوسلون إلى الله بعبادته وطاعته لا شريك الله، رجاء رحمته، وخوف عذابه فأحرى بأتباعهم اتباعهم بذلك والاقتداء بهم في توحيدهم ﴿أُولئِكَ الَّذينَ يَدعونَ يَبتَغونَ إِلى رَبِّهِمُ الوَسيلَةَ أَيُّهُم أَقرَبُ وَيَرجونَ رَحمَتَهُ وَيَخافونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحذورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]
🔹 فجاء الاستدلال على أكمل وجه وأوضحه أولا بإثبات عجز المدعوين عن دفع الضر ورفعه وكشفه، أو تغييره وتحويله، ثم بافتقار هؤلاء المدعوين إلى الله وحاجتهم إليه، واتخاذهم دعاء الله وعبادته وحده لا إله سواه، وسيلة لنيل رحمته ورضاه.
﴿أُولئِكَ الَّذينَ يَدعونَ يَبتَغونَ إِلى رَبِّهِمُ الوَسيلَةَ أَيُّهُم أَقرَبُ وَيَرجونَ رَحمَتَهُ وَيَخافونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحذورًا وَإِن مِن قَريَةٍ إِلّا نَحنُ مُهلِكوها قَبلَ يَومِ القِيامَةِ أَو مُعَذِّبوها عَذابًا شَديدًا كانَ ذلِكَ فِي الكِتابِ مَسطورًا﴾ [الإسراء: ٥٧-٥٨]
🔹 بعد أن أبطل القرآن ألوهية كل من يُدعى ويعبد من دون الله -سواء الأنبياء والملائكة كعيسى وروح القدس لدى النصارى، وعزير عند اليهود، والآباء الأولين الصالحين عند مشركي العرب، حيث اتخذوهم أربابا، وصوروا لهم أصناما، بدعوى أنهم يقربونهم إلى الله زلفى- أخبر بأن هؤلاء المدعوين أنفسهم هم كانوا يبتغون ويطلبون القربى إلى الله، ويتوسلون إليه بالعبادة والطاعة والعمل الصالح، ويجتهدون في ذلك أيهم يكون الأقرب؛ رجاء رحمة الله، وخوفا من عقابه، فكان اتخاذهم والحال هذه أربابا من دون الله خلاف ما تقضي به العقول، فالواجب الاقتداء بهؤلاء الأنبياء والأولياء في دعوة الله وحده وابتغاء الوسيلة إليه بالعمل الصالح الذي يحبه ويرضاه، وليس دعاءهم وعبادتهم من دون الله واتخاذهم أربابا!
🔹 ولما كانت فتنة أهل الكتاب عامة، واليهود خاصة: ادعاءهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وخاصته، كما أخبر القرآن عنهم ﴿وَقالَتِ اليَهودُ وَالنَّصارى نَحنُ أَبناءُ اللَّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُل فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنوبِكُم بَل أَنتُم بَشَرٌ مِمَّن خَلَقَ يَغفِرُ لِمَن يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما بَينَهُما وَإِلَيهِ المَصيرُ﴾ [المائدة: ١٨]، وكانوا يدعون أنهم أولى بإبراهيم وبالأنبياء من بعده؛ جاءت الآية لتبطل هذه الدعوى، وبأنهم ليسوا على ما كان عليه هؤلاء الأنبياء من التوحيد والإخلاص في الدين والدعاء والعبادة لله وحده، فلا نسبة لهؤلاء المشركين بالمدعوين، بل محمد ﷺ هو الوريث وأمته لدعوة الأنبياء كلهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَورَثنَا الكِتابَ الَّذينَ اصطَفَينا مِن عِبادِنا فَمِنهُم ظالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سابِقٌ بِالخَيراتِ بِإِذنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] ، وهو كذلك الأولى وأمته بإبراهيم وموسى وعيسى وداود ومساجدهم في الأرض المباركة من هؤلاء الذين ينتحلونهم كذبا وزورا، كما قال تعالى: ﴿ما كانَ إِبراهيمُ يَهودِيًّا وَلا نَصرانِيًّا وَلكِن كانَ حَنيفًا مُسلِمًا وَما كانَ مِنَ المُشرِكينَ . إِنَّ أَولَى النّاسِ بِإِبراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذينَ آمَنوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤمِنينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨]
🔹 ثم جاء الإنذار بالوعيد لكل قرية كفرت بالله وعصت رسله ﴿وَإِن مِن قَريَةٍ إِلّا نَحنُ مُهلِكوها قَبلَ يَومِ القِيامَةِ أَو مُعَذِّبوها عَذابًا شَديدًا كانَ ذلِكَ فِي الكِتابِ مَسطورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]
وهو تفصيل للعذاب المحذور في الآية التي قبلها ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحذورًا﴾ وفيه إشارة لما سيحل قريبا باليهود في جزيرة العرب -بعد هجرتهم إليها فرارا من الرومان وإفسادهم فيها- حيث حل بهم العذاب بعد خمس سنين من نزول سورة الإسراء التي نزلت قبل الهجرة بثلاث سنين! فكان إجلاء يهود بني قينقاع من المدينة بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، ثم إجلاء يهود بني النضير بعد غزوة أحد في السنة الثالثة، ثم حصار يهود بني قريظة بعد الأحزاب والخندق في السنة الخامسة، ثم فتح حصون اليهود في خيبر في السنة السابعة، فتحقق الوعد المذكور في أول السورة ﴿وَقَضَينا إِلى بَني إِسرائيلَ فِي الكِتابِ لَتُفسِدُنَّ فِي الأَرضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعلُنَّ عُلُوًّا كَبيرًا . فَإِذا جاءَ وَعدُ أولاهُما بَعَثنا عَلَيكُم عِبادًا لَنا أُولي بَأسٍ شَديدٍ فَجاسوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعدًا مَفعولًا﴾ [الإسراء: ٤- ٥]
﴿وَإِن مِن قَريَةٍ إِلّا نَحنُ مُهلِكوها قَبلَ يَومِ القِيامَةِ أَو مُعَذِّبوها عَذابًا شَديدًا كانَ ذلِكَ فِي الكِتابِ مَسطورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]
🔹 هذا وعد إلهي بما كتبه وقضاه وقدره في اللوح المحفوظ، وأنذره به في كتبه التي أوحى إلى رسله، وأن كل قرية ظالمة على وجه الأرض مشمولة بهذا الوعد، وجاز حذف الصفة وهو الظلم، للدلالة عليه في آيات أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهلِكَ القُرى حَتّى يَبعَثَ في أُمِّها رَسولًا يَتلو عَلَيهِم آياتِنا وَما كُنّا مُهلِكِي القُرى إِلّا وَأَهلُها ظالِمونَ﴾ [القصص: ٥٩]
🔹 ويحتمل أن الآية عامة لكل قرية، وهو الظاهر من صيغة العموم، وهو مجيء النكرة (قرية)، في سياق النفي (إن) بمعنى ما النافية، المؤكد بحرف الجر (من)، فصارت الآية نصا في العموم، وتقييدها بوصف الظلم الوارد في آيات أخرى، وتقدير حذفه هنا هو خلاف الظاهر، فليس في تلك الآيات مطابقة لمعنى هذه الآية يصلح معه التخصيص بالوصف، وإنما فيها نفي أن يهلك الله قرية ظالمة بعذاب قبل الإنذار والوعيد، بينما هنا إخبار بوعيد في اللوح المحفوظ أن يهلك الله كل قرية أو يعذبها قبل يوم القيامة بلا استثناء.
🔹 والتفريق بين الهُلك والعذاب يؤكد العموم لكل قرية، فالعذاب خاص بالقرى الظالمة، والهلك وهو الفناء والزوال يعم كل قرية لم تؤخذ بالعذاب، إذ حق على الله ألا يعمر شيء في هذه الدنيا فيدوم إلا وينتهي بالفناء والزوال، ليخلف أهل الأرض بعضهم بعضا فيها، فتفنى أمم وحضارات، وتخلفها أمم وقرى جديدة على آثارها، إلى يوم القيامة.
🔹 ومناسبة ذكر هذا الوعيد هنا هو إشارة إلى ما جاء مثله في التوراة والزبور، وأنه كله يصدر عن مشكاة واحدة وهو الوحي الإلهي، وأن الوعيد بخراب قرى بني إسرائيل في جزيرة العرب قد اقترب ببعثة النبي محمد ﷺ وبالإسراء به إلى المسجد الأقصى إيذانا بولايته عليه وولاية أمته من بعده، وأنه سيقع ببني إسرائيل ما وقع بهم في الوعيد الأول بخراب مملكة داود بعده، حين أفسدوا في الأرض وعصوا، مع ما أراهم الله من الآيات والمعجزات وكثرة الأنبياء فيهم فلم تمنعهم من الفساد في الأرض، وهو ما جعل آية النبي محمد هذا القرآن وهو الرسالة والآية والبيان الخاتم للعالمين، ولهذا علل ذلك بقوله تعالى:
﴿وَما مَنَعَنا أَن نُرسِلَ بِالآياتِ إِلّا أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلونَ وَآتَينا ثَمودَ النّاقَةَ مُبصِرَةً فَظَلَموا بِها وَما نُرسِلُ بِالآياتِ إِلّا تَخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
🔹 فقد أراد المشركون والكافرون من النبي محمد ﷺ معجزات كما سيأتي بيانه في آخر السورة ﴿وَقالوا لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]
فرد عليهم احتجاجهم هذا بأن الآيات لم تجد مع الأمم قبلهم، فهذه ثمود لم يؤمنوا بمعجزة صالح وهي الناقة حتى عقروها فحل بهم العذاب، وهم أقرب الأمم للعرب مكانا وزمانا، ويعرفون خبرهم وخبر الناقة، كما هو شائع ذكره في أشعارهم، حتى ضربوا المثل في الشؤم بقاتل ناقة ثمود، كما قال زهير في معلقته:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ...
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
وعاد هنا أراد ثمود وهي عاد الثانية.
🔹 وكما لم تجد مع بني إسرائيل الآيات التي أراهم الله على يد رسلهم وأنبيائهم بل ما زادهم ذلك إلا كفورا، فجعل الله آية النبي محمد الخاتم للأنبياء معجزة خاتمة، وبينة دائمة، وهو هذا القرآن الذي هو الحجة الظاهرة، والآية الباهرة، على صدق هذا النبيﷺ، وعلى أن هذا الوحي من عند الله سبحانه.
- ﴿وَإِذ قُلنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتي أَرَيناكَ إِلّا فِتنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلعونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إِلّا طُغيانًا كَبيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]
🔹 جاءت هذه الآية على نحو فريد في أسلوبها وخطابها للنبي ﷺ ﴿وَإِذ قُلنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ مع أن القرآن كله قول من الله له! فهذه المخاطبة المباشرة إنما هي لبيان بلوغه ﷺ مقام الخلة من ربه جل جلاله، وتوطئة لتبشيره بالمقام المحمود بعد ١٨ آية ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك بعد أن قضى النبي ﷺ عشر سنوات من الدعوة إلى الله، والصبر والمجاهدة في سبيل الله، ولما كان قد بلغ بالنبي ﷺ من شدة الحزن والأسى على قومه حين كذبوه، وآذوه، وسخروا منه، فكان الإسراء والمعراج تثبيتا له وتطمينا، وتكريما عظيما، فجاءت هذه الآية بهذا الأسلوب الفريد لتواسيه، وتسليه، وتصل به في الخطاب إلى مقام عظيم، وهو مقام الخلة، وتؤكد أنه نبي كريم، يخاطبه ربه، ويوحي إليه مباشرة، ويخصه بهذا القول الكريم، والقرآن العظيم، ويطمئنه بأن الله أحاط به وبقومه وبالناس جميعا علما وقدرة، وليس بغافل عنهم، وأن أفعالهم كلها بقضائه وقدره وحكمته، فلن يضروه، ولن يصلوا إليه، وليس هو ببدع من الرسل، ولا قومه ببدع من الأمم التي كذبت رسلها، وسألوا الآيات ثم جحدوا بها!
🔹 والرؤيا هنا التي أراه الله إياه فكانت فتنة لقومه هي كل ما شاهده في الإسراء والمعراج، كما ورد في أول السورة ﴿سبحان الذي أسرى بعبده .. لنريه من آياتنا﴾، وهي رؤيا عين حقيقة، فلما قص على أهل مكة ما رأى في ليلة الإسراء كذبوه، وسخروا منه، حتى ارتد بعض من آمن به، ولو كانت رؤيا منام ما استبعدوها، ولا عجبوا منها، إذ النائم قد يرى ما لا يمكن حدوثه عادة، فلما سألوه عن صفة المسجد الأقصى، ووصفه لهم، والطريق إليه، كأنه يراه رأي العين، ولم يسبق أن زاره قبل ذلك كما يعلمون، بهتوا وكابروا، فأخبره ربه بأنه قد أحاط بهم علما، وبأنهم لن يؤمنوا حتى يقع بهم ما وعدهم ربهم يوم الفرقان، وإنما الرؤيا فتنة لهم، وتمحيص لمن آمنوا منهم.
🔹 وقد قيل بأن المراد بالرؤيا هنا ما آراه الله النبي ﷺ في منامه بشأن فتح مكة، كما قال تعالى: ﴿لَقَد صَدَقَ اللَّهُ رَسولَهُ الرُّؤيا بِالحَقِّ لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرامَ إِن شاءَ اللَّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُءوسَكُم وَمُقَصِّرينَ لا تَخافونَ فَعَلِمَ ما لَم تَعلَموا فَجَعَلَ مِن دونِ ذلِكَ فَتحًا قَريبًا﴾ [الفتح: ٢٧]
🔹 وأبعد من هذا التأويل قول الزمخشري بأن الرؤيا ما بشره الله به من قتل رؤوس المشركين يوم بدر، وأن الله أراه مصارعهم، فكان فتنة لهم!
🔹 والصحيح أنها رؤيا الإسراء والمعراج فالسورة مكية بلا خلاف، بينما رؤيا فتح مكة حدثت بالمدينة، ولم يقع في شأنها فتنة كما حدث في شأن الإسراء حتى ارتد بعض من آمن، وعلى هذا القول إجماع الحجة من المفسرين، كما قال الطبري: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها).
🔹 وكما جعل الله الإسراء والمعراج فتنة لهم؛ كذلك جعل شجرة الزقوم في الجحيم وخبرها فتنة أخرى، وذلك أن النبي ﷺ شاهد فيما شاهد -حين عرج به إلى السماء- النار وأهلها، وأهوالها، فقص عليهم ما رآه فيها، ومن ذلك شجرة الزقوم، كما ورد وصفها في سورة الصافات ﴿أَذلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَم شَجَرَةُ الزَّقّومِ . إِنّا جَعَلناها فِتنَةً لِلظّالِمينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخرُجُ في أَصلِ الجَحيمِ﴾ [الصافات: ٦٢- ٦٤]
وأن من كفر منهم دخل النار وكانت هي طعامه ﴿فَإِنَّهُم لَآكِلونَ مِنها فَمالِئونَ مِنهَا البُطونَ﴾ [الصافات: ٦٦]
🔹 فاستخفّ رؤساء المشركين بها، وعجبوا منها، كيف تكون شجرة في النار، والنار تأكل الشجر، كما جاء في تفسير قتادة (وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر حتى لا تدع منه شيئا، وذلك فتنة).
🔹 وعلى هذا المعنى بأن المراد شجرة الزقوم الواردة في القرآن أجمع الحجة من أهل التأويل، كما قال الطبري في تفسيره: (وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك).
🔹 ولفظ الشجرة الملعونة، إما على تقدير محذوف يعني الملعونة حال آكلها، أو حال أهلها، أو الملعونة بمعنى الضارة المكروهة، فالعرب تسمي كل ما كان من الطعام ضارا ملعونا، أو ملعونة بمعنى محل اللعنة، فلا يأكل منها إلا من كتب الله عليه اللعنة وطرده من رحمته، وهي تخرج في أصل الجحيم وقعرها وأبعد غور فيها حيث يكون أشد العذاب.
🔹 وقد جعل الله الزقوم شجرة في أصل الجحيم عقوبة بنقيض القصد، فإن الشجرة تقصد للاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والاستمتاع بجمالها، وكانت أول فتنة للإنسان بها حين نهى الله آدم وزوجه أن يقربا أو يأكلا من الشجرة، فأغواهما الشيطان بها، وبفتنة منظرها، وبجمال ورقها، وطيب ريحها، حتى جعل الشيطان أكلهما منها سببا لخلودهما في الجنة، وبلوغهما درجة الملائكة!
🔹 ولما كانت أول فتنة للإنسان هي الشجرة، وهي أبرز مظاهر الحياة الدنيا، وزينتها، وزخرفها، وفتنتها، وهي أيضا أبرز مظاهر النعيم في الجنة يوم القيامة، وكانت طوبى شجرة عظيمة فيها تخلب الألباب وتبهر الأبصار من جمالها؛ جعلت الشجرة كذلك أبرز مظاهر العذاب وأشده في جهنم!
🔹 ومع كل ما أراهم الله من الآيات على صدق رسوله، وكل هذا الوعيد لهم فإنهم لا يزدادون إلا طغيانا كبير، فأمر إيمانهم ليس متوقفا على رؤية المعجزات التي سألوها، وإلا لما كفرت الأمم التي قبلهم مع ظهور المعجزات لهم، حتى حل بهم العذاب، وإنما أمر إيمانهم راجع لهداية الله لهم، ولا يهدي الله إلا من أقبل بوجهه عليه، وأتى بقلبه السليم إليه، أما من أعرض عنه، وكذب به، فإن الله يوليه ما تولى جزاء وفاقا، ولا يظلم ربك أحدا؛ كما قال تعالى: ﴿سَأَصرِفُ عَن آياتِيَ الَّذينَ يَتَكَبَّرونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنوا بِها وَإِن يَرَوا سَبيلَ الرُّشدِ لا يَتَّخِذوهُ سَبيلًا وَإِن يَرَوا سَبيلَ الغَيِّ يَتَّخِذوهُ سَبيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُم كَذَّبوا بِآياتِنا وَكانوا عَنها غافِلينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]
- ﴿وَإِذ قُلنا لِلمَلائِكَةِ اسجُدوا لِآدَمَ فَسَجَدوا إِلّا إِبليسَ قالَ أَأَسجُدُ لِمَن خَلَقتَ طينًا . قالَ أَرَأَيتَكَ هذَا الَّذي كَرَّمتَ عَلَيَّ لَئِن أَخَّرتَنِ إِلى يَومِ القِيامَةِ لَأَحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلّا قَليلًا﴾ [الإسراء: ٦١- ٦٢]
🔹 بعد أن ذكرت السورة افتتان المشركين بحادثة الإسراء والمعراج إلى السماء، والتكريم السماوي للنبي ﷺ في الملأ الأعلى، ورفضهم تصديقه، ازدراء له، وفتنتهم بالشجرة الملعونة، وكيف أنه لم يزدهم ذلك كله إلا طغيانا كبيرا، أوردت مباشرة قصة الملائكة وسجودهم لآدم، وفتنة إبليس وطغيانه وهذه بداية الاختبار!
🔹 وتظهر المناسبة جلية بين الحدثين، فكلاهما جرى فيهما تكريم لنبي، ففي الأولى تكريم آدم أول نبي، وفي الثانية تكريم آخر نبي وهو محمدﷺ!
🔹 وكلاهما حدث التكريم له في السماء، وفي الملأ الأعلى، وبمشهد جبريل، فسجدوا في الأولى لآدم سجود تكريم وإجلال، وفتحوا أبواب السماء ورحبوا بمحمد ﷺ تكريما وإجلالا.
🔹 وكلاهما وقع فيه حسد وطغيان، وفتنة واختبار، فأبى إبليس السجود وتكريم آدم، وحسده واحتقره، بادعاء الخيرية لنفسه، وأن آدم من طين، وهو من نار، وكذا فعل أتباعه في الأرض من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب، حين أبوا طاعة محمدﷺ واتباعه، والقيام بما أوجب الله من تكريمه وتوقيره وتعزيره ﴿لِتُؤمِنوا بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَتُعَزِّروهُ وَتُوَقِّروهُ وَتُسَبِّحوهُ بُكرَةً وَأَصيلًا﴾ [الفتح: ٩].
وكان سبب كفرهم وإبائهم هو تعظيمهم أنفسهم وازدراء النبي ﷺ ﴿وَقالوا لَولا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
🔹 وفي كلا الحادثين ورد التكليف الإلهي، فكلف الله آدم وزوجه حين أهبطا إلى الأرض باتباع الأمر والنهي، وكلف الله النبي ﷺ بالصلوات الخمس وهي أعظم فرائض الطاعات والعبادات.
🔹 وفي كلا الحادثتين كانت الشجرة فتنة واختبارا، فقد ابتلى الله آدم بها ﴿وَقُلنا يا آدَمُ اسكُن أَنتَ وَزَوجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيثُ شِئتُما وَلا تَقرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكونا مِنَ الظّالِمينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
وكذا ابتليت ذريتها بها في الأرض ﴿وَإِذ قُلنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتي أَرَيناكَ إِلّا فِتنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلعونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إِلّا طُغيانًا كَبيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
🔹 والشجرة في كلا القصتين إشارة إلى الدنيا وفتنتها، والخلود إلى الأرض، والركون إليها، ونسيان جنة الآخرة ونعيمها؛ ولهذا كان مما اشترطه المشركون على النبي محمد ﷺ ليؤمنوا به أن تكون له جنة يأكل منها كما في هذه السورة نفسها ﴿أَو تَكونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجيرًا﴾ [الإسراء: ٩١]، وقالوا أيضا: ﴿أَو يُلقى إِلَيهِ كَنزٌ أَو تَكونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأكُلُ مِنها وَقالَ الظّالِمونَ إِن تَتَّبِعونَ إِلّا رَجُلًا مَسحورًا﴾ [الفرقان: ٨].
🔹 ويرشح هذا المعنى في الشجرة الملعونة وأنها إشارة إلى الدنيا وفتنتها، وطلب الخلود فيها وهو سبب كفر كل من كفر وعصى: حديث أبي هريرة عند ابن ماجه والترمذي وحسنة (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما).
🔹 نهى الله آدم وزوجه عن الاقتراب من الشجرة، وحرم عليهما الأكل منها، فلما وسوس إليهما الشيطان وزين لهما الاقتراب منها أكلا منها، فأخرجهما الله من الجنة، ووقع الشقاء الذي حذرهما الله منه ﴿فَقُلنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوجِكَ فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقى﴾ [طه: ١١٧].
🔹 وكذا كانت الشجرة الملعونة فتنة لذريتهما من بعدهما، ولهذا كانت شجرة الزقوم في أصل الجحيم مأوى من لم يؤمن بالله، ويتبع هداه، ﴿قالَ اهبِطا مِنها جَميعًا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى﴾ [طه: ١٢٣].
🔹 لا تعارض بين القول بأن الشجرة الملعونة في القرآن هي الدنيا وجنتها وفتنتها، والقول بأنها شجرة الزقوم التي في أصل الجحيم، فالأولى مظهر في عالم الشهادة للثانية التي هي في عالم الغيب، فمن أكل من الأولى وافتتن بها، وأخلد إليها، كانت مأواه الثانية التي سخر منها، وكفر بها!
🔹 وكما طغى إبليس وأبى وكفر؛ كذلك كان حال أتباعه في الأرض، فلا يزدادون مع ظهور الآيات إلا طغيانا كبيرا، للمشاكلة بين الفريقين في الطبيعة الشيطانية، ونزوعهما إلى الفساد والظلم.
- ﴿قالَ أَرَأَيتَكَ هذَا الَّذي كَرَّمتَ عَلَيَّ لَئِن أَخَّرتَنِ إِلى يَومِ القِيامَةِ لَأَحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلّا قَليلًا * قالَ اذهَب فَمَن تَبِعَكَ مِنهُم فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُم جَزاءً مَوفورًا * وَاستَفزِز مَنِ استَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ وَأَجلِب عَلَيهِم بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكهُم فِي الأَموالِ وَالأَولادِ وَعِدهُم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إِلّا غُرورًا * إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢- ٦٥]
🔹 ذكرت الآيات ما جرى من إبليس ورفضه التكريم الإلهي الذي حباه الله آدم بأمر الملائكة بالسجود له، واحتجاجه بأنه خير من آدم وأكرم في أصل خلقه ومادته التي هي النار، وقد سأل اللهَ أن يؤجله ولا يعجل عقوبته بامتناعه عن السجود حتى يثبت أنه ليس أحق منه بالتكريم، وأنه سيستحوذ على ذريته، ويستولي عليهم، ويضلهم عن طاعة الله، ليثبت بأنهم ليسوا أهلا لهذا التكريم العظيم!
🔹 وإباء إبليس هذا هو أول عصيان لله من مخلوق في هذا الوجود، وأول رفض واعتراض على أمر لله جل جلاله، وذلك بقضاء الله وقدره، وقدرته وحكمته؛ ليتحقق ما أراده سبحانه من الغاية والحكمة من خلق آدم واستخلافه وذريته في الأرض، واستعمارهم فيها، واختبارهم، وليفيض على هذا الوجود من جوده، ولتتجلى في عالم الشهادة، وفي السموات والأرض بعض آثار صفاته المحجوبة عن خلقه بحجاب عظمته وكبريائه، كصفة الرحمة والحلم والعفو، إذ لم يظهر لهم من آثار صفاته جل جلاله إلا صفات الجبروت والرهبوت؛ لخضوعهم المطلق لطاعته وعباده، وعدم وقوع العصيان منهم مطلقا ﴿لا يَسبِقونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧].
﴿وَلَهُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَمَن عِندَهُ لا يَستَكبِرونَ عَن عِبادَتِهِ وَلا يَستَحسِرونَ*يُسَبِّحونَ اللَّيلَ وَالنَّهارَ لا يَفتُرونَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠]
🔹 وقد اقتصر إبليس في توعده بالإغواء على ذرية آدم ﴿لَأَحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلّا قَليلًا﴾، دون آدم نفسه، وكأنه علم بما أعلمه الله بأنه مستثنى، وبأنه معصوم بالنبوة، وأنه ليس له عليه سلطان بالاحتناك، وهو الأخذ للشيء بالكلية، والتحكم فيه والسيطرة عليه، وأن أقصى ما يستطيع معه هي الوسوسة، وقوله: ﴿إِلّا قَليلًا﴾ يرجح أن هذا القول المحكي كان منه بعد قول الله له ﴿إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
فكأنه قال: إن جعلت لي عليهم سلطانا بالإغواء، فلن آلو جهدا في غوايتهم، حتى لا يكاد ينجو منهم إلا قليل الذين عصمتهم وهديتهم.
🔹 وقد آتى الله إبليس سؤاله، وجعل له قدرة على إغواء ذرية آدم، ليبتلي الله الفريقين، ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغوَيتَني لَأُزَيِّنَنَّ لَهُم فِي الأَرضِ وَلَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
وليس له من القدرة على ذلك إلا بالإغواء فقط وهو تحسين العصيان لهم، وتزيينه في نفوسهم، والاستفزاز لهم، وهو استخفافهم وتهييجهم وإثارتهم إلى الشر والفساد في الأرض ﴿وَاستَفزِز مَنِ استَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ وَأَجلِب عَلَيهِم بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكهُم فِي الأَموالِ وَالأَولادِ وَعِدهُم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إِلّا غُرورًا * إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا﴾.
🔹 وقد جعل الله للشيطان قدرة على الإغواء بالاستفزاز بالصوت والكلمة والصرخة والرنة والنغمة، والدعوة إلى سبيله الشيطاني، واتباع خطواته، بكل المغريات المحرمات، كما في قوله يوم القيامة ﴿وَقالَ الشَّيطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَما كانَ لِيَ عَلَيكُم مِن سُلطانٍ إِلّا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لي فَلا تَلوموني وَلوموا أَنفُسَكُم ما أَنا بِمُصرِخِكُم وَما أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنّي كَفَرتُ بِما أَشرَكتُمونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظّالِمينَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
🔹 وقد ذكرت سورة الإسراء هنا وسائل للشيطان في الإغواء لم ترد في السور التي ذكرت هذه القصة، كالاستفزاز لهم بالصوت، والإجلاب عليهم بالخيل والرجال، والمشاركة بالأموال، وذلك أن الإسراء النبوي، والمعراج السماوي، والتكريم الإلهي، هو استئناف وتجديد لدعوة الله لعباده التي بدأت مع آدم حين هبط إلى الأرض ﴿قُلنَا اهبِطوا مِنها جَميعًا فَإِمّا يَأتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وستكون أيضا هي الدعوة الإلهية الخاتمة مع النبي الخاتم لنبوة آدم، وهي الذكرى والتذكير الأخير بهذا القرآن والصوت السماوي، وستكون هي المواجهة الأخيرة للشيطان وجنده مع آخر الأنبياء وأعظمهم ومع أمته، وسيحشد لها إبليس كل قوته، بما لم يحشده لدعوة نبي من قبل وأمته، وسيكون ذلك بالإجلاب عليهم بالصوت الشيطاني، والتحريض على حربهم بالجيوش والخيول والرجال والأموال، وهو ما جرى فعلا بعد هذه الحادثة، فقد كان الإسراء في السنة العاشرة للبعثة، وكانت بيعة العقبة الثانية بمنى أيام الحج على النصرة والهجرة بعدها بسنتين، وصرخ الشيطان يتهددهم، كما في السيرة ومسند أحمد وصحيح ابن حبان والحاكم في خبر البيعة عن كعب بن مالك (لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب: المنازل في منى - هل لكم في مذمم والصباة معه؟ قد أجمعوا على حربكم! هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب، اسمع أي عدو الله أما والله، لأفرغن لك)!
وقد دارت الحرب منذ هاجر النبي ﷺ بينه وبين الشيطان وحزبه ممن اتبعوه ﴿استَحوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطانُ فَأَنساهُم ذِكرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزبُ الشَّيطانِ أَلا إِنَّ حِزبَ الشَّيطانِ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
وما زال المؤمنون يخوضون معهم المعركة، وما زال الصوت الشيطاني الإعلامي هو أقوى وأمضى أسلحة الشيطان وحزبه في الحرب على الله ورسوله والمؤمنين، وما زال تحريض الشيطان والطاغوت عليهم لحربهم، كما هو لم تنطفئ ناره، ولم يفتر أواره، ﴿الَّذينَ آمَنوا يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ كَفَروا يُقاتِلونَ في سَبيلِ الطّاغوتِ فَقاتِلوا أَولِياءَ الشَّيطانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطانِ كانَ ضَعيفًا﴾ [النساء: ٧٦]
﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [الإسراء: ٦٤].
🔹 أفعال الأمر في هذه الآيات (استفزز) (أجلب) (شارك) (عدْهم) لا يراد بها الطلب بإيقاع الفعل قطعا بلا خلاف بين أهل التأويل، وقال كثير منهم الأمر هنا هو للتهديد والوعيد، والذي يظهر أنه من باب الأمر الكوني القدري التسخيري، أي اذهب فسأجعل لك القدرة على استفزازهم بالوسوسة، والإجلاب عليهم بالصوت والدعوة إلى سبيلك، والمشاركة لهم بأموالهم التي رزقتُهم إياها بجعل بعضها لك فيما تدعوهم إليه من كفر بي وشرك بغيري معي، وما ينفقونها فيه من حرام وظلم، والقدرة على وعدهم بالغرور الكاذب بتزيين الحياة الدنيا في نفوسهم، والرغبة في الخلود فيها، حتى يكون لك ولهم فرصة في الاختبار والامتحان، لتثبت أنهم لا يستحقون التكريم الإلهي، أو يثبتوا أنهم أهل له!
ولهذا قال الشيطان ﴿فَبِما أَغوَيتَني لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المُستَقيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
والباء هنا قيل باء السببية يعني بسبب إغوائك لي وطردك من رحمتك من أجل عدم سجودي لآدم لأجتهدن في إغوائه وذريته، وقيل بل هي باء القسم فأقسم إبليس بفعل الله وقدرته على إغوائه، والذي يظهر أنها باء المصاحبة يعني فبما جعلت لي من القدرة على الإغواء لهم، وبما أمدتني من القوة والحول على تحقيق ذلك بالاستفزاز والإجلاب والإيعاد والمشاركة، لأجتهدن في صرفهم عن سبيلك!
ويؤكد هذا المعنى إسناد هذا الفعل إلى الله في قول نوح لقومه ﴿وَلا يَنفَعُكُم نُصحي إِن أَرَدتُ أَن أَنصَحَ لَكُم إِن كانَ اللَّهُ يُريدُ أَن يُغوِيَكُم هُوَ رَبُّكُم وَإِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [هود: ٣٤]، والمعنى: لا ينفعكم نصحي إن أراد الله أن يضلكم ولا يهديكم هداية توفيق ورشاد، بأن يكلكم إلى أنفسكم وإلى إغواء الشيطان لكم، فإنه لا عاصم منه إلا من عصمه الله، ولا يعصم الله من شره وفتنه إلا من استعاذ بالله واعتصم به.
🔹 والمشاركة بالأموال والأولاد هي فيما يصرفونه منها بوحي الشيطان لغير الله بالإشراك به، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمّا يُشرِكونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]
وكما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الحَرثِ وَالأَنعامِ نَصيبًا فَقالوا هذا لِلَّهِ بِزَعمِهِم وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِم ساءَ ما يَحكُمونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]
فكل شرك وقع في الأرض، وكل كفر بالله يقع فيها؛ إنما هو من الشيطان ووحيه ودعوته بصوته إلى سبيله، وكل ذلك بقضاء الله وقدره بالأمر التسخيري الذي جعله الله له؛ لتتحقق الغاية والحكمة من الاستخلاف في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالونَ مُختَلِفينَ. إِلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]
فقد خلقهم الله واستخلفهم ليبتليهم بعبادته وطاعته بالإصلاح في الأرض لتتجلى آثار حكمته في عالم الشهادة، وجعل لهم إرادة وقدرة على تحقيق ذلك، كما جعل للشيطان قدرة على صدهم عنه، ولا يزالون مختلفين فمنهم من يصلح كما أراد الله، ومنهم من يتبع خطوات الشيطان، ولذلك خلقهم ولولاه لجعلهم أمة واحدة على طريقة واحدة كما الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهذا خلاف الغاية من خلق آدم واستخلافه وذريته في الأرض!
🔹 وقد استثنى الله من فتنة الشيطان وإغوائه عباده المؤمنين ﴿إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].
فليس للشيطان على عباده الله سلطان بإغوائهم كلية عن سبيل الله، بل إن مسهم طائف منه ووسوس لهم بالشر تذكروا واستعاذوا بالله فأعاذهم، كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إِذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشَّيطانِ تَذَكَّروا فَإِذا هُم مُبصِرونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، بينما قال عن إخوان الشياطين: ﴿وَإِخوانُهُم يَمُدّونَهُم فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقصِرونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]
فسلطانه إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مؤمنون، ممن دعاهم بصوته وأمدهم بالغواية التي جعل الله له، فاستجابوا له بإرادتهم فأغواهم باختيارهم، وخلى الله بينهم وبين أنفسهم وأضلهم عن سبيله لما انصرفوا عنه، كما قال تعالى ﴿إِنَّما سُلطانُهُ عَلَى الَّذينَ يَتَوَلَّونَهُ وَالَّذينَ هُم بِهِ مُشرِكونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، وكما يقولون يوم القيامة: ﴿قالَ الَّذينَ حَقَّ عَلَيهِمُ القَولُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذينَ أَغوَينا أَغوَيناهُم كَما غَوَينا تَبَرَّأنا إِلَيكَ ما كانوا إِيّانا يَعبُدونَ﴾ [القصص: ٦٣].
- ﴿إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]
🔹 لم يجعل الله للشيطان سلطانا على عباده، إلا على من دعاه الشيطان فاستجاب له وتولاه فأغواه ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾[إبراهيم:٢٢]، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُون﴾[النحل:١٠٠]، فهم الذين أشركوا به بإرادتهم، واستجابوا له باختيارهم ورضاهم، مع أن الله جعل كيد الشيطان ضعيفا ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء:٧٦]، وكذا ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء:٢٨] فلما تخلى الله عنه ووكله إلى نفسه حين أعرض عنه؛ أضله الشيطان وأغواه بما غوي به هو حين عصى وأبى، وحين أعطاه الله ما سأله من أسباب الغواية، ولو شاء الله ما خلق الشيطان أصلا، ولا أمده بما سأل ليضل بني آدم، وإنما قضى الله ذلك كله وقدره ليبتليهم، ولا يتحقق الاختبار إلا بذلك.
🔹 وكما جعل الله كيد الشيطان ضعيفا حتى لا يفقد الإنسان قدرته وإرادته كلية أمام إغوائه وكيده؛ جعل الله كذلك الإنسان ضعيفا ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء:٢٨]، فهو لا يستغني عن الله طرفة عين، ولا حول ولا قوة له إلا بالله، وحاجته إلى الهداية كحاجته إلى الرعاية بل أشد، كما قال تعالى: ﴿قُلنَا اهبِطوا مِنها جَميعًا فَإِمّا يَأتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
﴿قالَ اهبِطا مِنها جَميعًا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى . وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤]
وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم).
🔹 وقد استثنى الله عباده المؤمنين خاصة بولاية خاصة، وهي عصمتهم من الغواية الشيطانية الكلية التي تخرجهم من ولاية الله، فليس للشيطان عليهم سلطان ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾[الإسراء:٦٥]، فالله وحده كافيهم وحافظهم وراعيهم، فلا يصل إليهم الشيطان ولا يضلهم؛ ما آمنوا بالله، واعتصموا به، وتوكلوا عليه.
🔹 وإضافة العباد إلى الله هنا إضافة تشريف وتكريم؛ لبيان سبب العصمة وهو عبوديتهم لله بالإيمان به وطاعته واتباع هديه ووحيه، وقد استفتح السورة بذكر عباد الله الذين سيبعثهم لفتح القدس والمسجد الأقصى وتطهيره من فساد بني إسرائيل ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا﴾[الإسراء:٥] وأنهم معصومون من الغواية الشيطانية ومهديون بالهداية الربانية.
🔹 وبعد أن ذكرت السورة هنا العاصم من الشيطان وهو الله، وكفى به وكيلا، ذكرت استحقاقه لهذا الوصف بالتوكل عليه، والركون إليه، فهو وحده الذي يحفظكم في بركم وبحركم ويجري سفنكم ويرزقكم ﴿رَبُّكُمُ الَّذي يُزجي لَكُمُ الفُلكَ فِي البَحرِ لِتَبتَغوا مِن فَضلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُم رَحيمًا . وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحرِ ضَلَّ مَن تَدعونَ إِلّا إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُم إِلَى البَرِّ أَعرَضتُم وَكانَ الإِنسانُ كَفورًا. أَفَأَمِنتُم أَن يَخسِفَ بِكُم جانِبَ البَرِّ أَو يُرسِلَ عَلَيكُم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدوا لَكُم وَكيلًا. أَم أَمِنتُم أَن يُعيدَكُم فيهِ تارَةً أُخرى فَيُرسِلَ عَلَيكُم قاصِفًا مِنَ الرّيحِ فَيُغرِقَكُم بِما كَفَرتُم ثُمَّ لا تَجِدوا لَكُم عَلَينا بِهِ تَبيعًا﴾ [الإسراء: ٦٦- ٦٩].
🔹 ذكرت الآيات هنا أوضح مظاهر عجز الإنسان وحاجته إلى الله، وافتقاره إلى عونه وغوثه وهدايته، وذلك أظهر ما يكون حين يركبون البحر، وتجري بهم السفن بنعمة الله، بدفع الرياح التي سخرها الله لهم، فإذا اضطرب البحر، واشتدت الريح، وأظلم الجو، وأدركهم الخطر، ومسهم الضر؛ لم يجدوا إلا الله يستغيثون به، ويتضرعون إليه؛ لينجيهم مما هم فيه، وهذا وحده كاف في استحقاقه التوكل عليه وحده، والإيمان به وطاعته، والاستعاذة به من الشيطان وشره، فالذي ينجيهم من البحر وأهواله وشدته وظلماته قادر على أن ينجيهم من الشيطان وفتنته وغوايته، لولا أن الإنسان كفور جاحد لنعمة الله عليه مع أنه لا يجد إلا الله عند الشدة، ولا يفزع لغيره عند الكربة!
🔹 ثم حذرهم القرآن في هذه الآيات وذكرهم بأن هذه الحاجة والافتقار إلى الله والاضطرار إليه دائم أبدا، فأنتم لا تأمنون أن يخسف بكم البر بالزلازل، أو يرسل عليكم ريحا عاصفا حاصبا بالحصى؛ فلا تجدون وكيلا غير الله من آلهتكم التي تدعونها من دونه، ولا تأمنون العود للبحر وركوبه مرة أخرى، فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيحطم سفنكم ويغرقكم بسبب كفركم أول مرة، ثم لا تجدون تبيعا يثأر لكم أو ينتقم لكم منا، وإذا كانت هذه هي حالكم؛ فالأولى بكم الإيمان بالله وحده والطاعة له وعدم الإشراك به.
﴿وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]
🔹 بعد أن ذكرت السورة حاجة الإنسان إلى الله، وشدة افتقاره إليه، وأنه هو الذي يحفظه في البر والبحر ويسخر له ما فيهما بلا حول منه ولا قوة إلا بالله؛ جاءت هنا آية التكريم الإلهي لهذا الإنسان، وأن الله شرّف هذا الإنسان، وبلغ به غاية الكمال في حسن الخلق ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾[التين:٤]، واصطفاه من دون أكثر الخلق وحباه، وفضله عليها تفضيلا كبيرا، بحسن القامة والصورة والهيئة والحركة، وبالعقل والإدراك، وبالعلم والتعلم والقدرة على الاحتفاظ به وكتابته، وبالنطق والبيان والإبانة عما بالنفس باللغات، وبالإرادة على الفعل وعدمه، وبالاختيار وعدم الإكراه، وبالتشريف بالاستخلاف، والتكليف بالإصلاح في الأرض، وبتسخير كل ما فيها له، وبالتملك فيها، والاحتياز لها، والتوريث لذريته، وبالوحي إليه وخطابه، وبإرسال الرسل لدلالته، وإنزال الكتب لهدايته!
🔹 وفي هذه الآية بيان صريح بأن تفضيل جنس الإنسان إنما هو على كثير من الخلق، لا على أكثرهم، فضلا عن تفضيله على جميع الخلق، ومن هذا المستثنى الملائكة، كما وصفهم الله بقوله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحمنُ وَلَدًا سُبحانَهُ بَل عِبادٌ مُكرَمونَ . لا يَسبِقونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦- ٢٧]، ولا يبلغ درجة الملائكة المكرمين أصلا إلا من اتصف بصفاتهم من غيرهم، بالعمل الدائم بأمر الله وطاعته، وخشيته، وهم المؤمنون من بني آدم الذين زادوا على التكريم الإلهي لهم في أصل خلقهم باكتساب صفات عباده المكرمين بالإيمان والعمل الصالح، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُم خَيرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ، فلا يستدل بآية تكريم جنس بني آدم على تفضيل الإنسان على الملائكة، فهي تدل لغة على خلاف ذلك، فهم كجنس أفضل من كثير من الخلق لا من كل الخلق، أما كآحاد فمنهم من هم خير البرية وخير الخلق، وهم المؤمنون، فإذا بلغوا درجة الملائكة المقربين، استحقوا أن يكونوا منهم، كما قال تعالى: ﴿لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبدًا لِلَّهِ وَلَا المَلائِكَةُ المُقَرَّبونَ وَمَن يَستَنكِف عَن عِبادَتِهِ وَيَستَكبِر فَسَيَحشُرُهُم إِلَيهِ جَميعًا﴾ [النساء: ١٧٢].
فدلت الآية على أن الملائكة المقربين لا يبلغ درجتهم حتى المسيح عيسى وهو من أولي العزم من الرسل، وأن الملائكة ليسوا على درجة واحدة من حيث الفضل، ففيهم المقربون كجبريل وميكائيل ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبريلَ وَميكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلكافِرينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ومنهم حملة العرش، ﴿الَّذينَ يَحمِلونَ العَرشَ وَمَن حَولَهُ يُسَبِّحونَ بِحَمدِ رَبِّهِم وَيُؤمِنونَ بِهِ وَيَستَغفِرونَ لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا وَسِعتَ كُلَّ شَيءٍ رَحمَةً وَعِلمًا فَاغفِر لِلَّذينَ تابوا وَاتَّبَعوا سَبيلَكَ وَقِهِم عَذابَ الجَحيمِ﴾ [غافر: ٧].
وكذلك المؤمنون ليسوا على درجة واحدة من الخيرية والأفضلية، ففيهم من يبلغ درجة بعض الملائكة، ومنهم من يصل إلى مقام محمود لا يكون إلا لواحد منهم، وهو النبي ﷺ كما قال تعالى لنبيه: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وكما في صحيح البخاري من حديث جابر عن النبي ﷺ: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وفي صحيح مسلم عن من حديث ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)!
🔹 وقد كان الإسراء به ﷺ، والمعراج إلى السماء توطئة لهذا التكريم السماوي، وتمهيدا لبلوغ المقام المحمود يوم القيامة، ففي الصحيحين في خبر المعراج قال النبي ﷺ: (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)، وسيأتي يوم القيامة لمقام كريم للشفاعة في الخلق، كما في الصحيح حين يقول الأنبياء للأمم (ائتوا محمدا ﷺ، عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا)، ثم يكون له في الفردوس الأعلى من الجنة المقام المحمود والدرجة الرفيعة التي لا يصل إليها أحد ﷺ!
- ﴿يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم فَمَن أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولئِكَ يَقرَءونَ كِتابَهُم وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا﴾ [الإسراء: ٧١]
🔹 بعد أن ذكرت السورة الامتنان الإلهي بتكريم الإنسان واستخلافه في الأرض، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[الإسراء: ٧٠] ابتداء من تكريم أبيهم آدم، وانتهاء بتكريم محمد ﷺ والاحتفاء به في المعراج في الملأ الأعلى، أتبعت ذلك بالغاية من هذا التكريم والاستخلاف، وهو اليوم الذي يظهر فيه أثر هذا التكريم ونتيجته للأنبياء وأممهم بأظهر صورة، وأعظم مشهد، وهو يوم القيامة، وهو اليوم الذي تدعى كل أمة مع إمامها، سواء كانوا هداة مصلحين، كالأنبياء والمرسلين ﴿وَجَعَلناهُم أَئِمَّةً يَهدونَ بِأَمرِنا وَأَوحَينا إِلَيهِم فِعلَ الخَيراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإيتاءَ الزَّكاةِ وَكانوا لَنا عابِدينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، أو كانوا طغاة مجرمين، كالجبابرة الظالمين الضالين، كما قال عن فرعون وهامان ﴿وَجَعَلناهُم أَئِمَّةً يَدعونَ إِلَى النّارِ وَيَومَ القِيامَةِ لا يُنصَرونَ﴾ [القصص: ٤١]، وقال عنه ﴿يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيامَةِ فَأَورَدَهُمُ النّارَ وَبِئسَ الوِردُ المَورودُ﴾ [هود: ٩٨].
🔹 وقد ذكر القرآن هذا المشهد كثيرا كما قال تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال سبحانه: ﴿وَيَومَ نَبعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهيدًا عَلَيهِم مِن أَنفُسِهِم وَجِئنا بِكَ شَهيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرى لِلمُسلِمينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَومَ نَبعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهيدًا ثُمَّ لا يُؤذَنُ لِلَّذينَ كَفَروا وَلا هُم يُستَعتَبونَ﴾ [النحل: ٨٤].
🔹 وكذا يطلق القرآن الإمام على الكتاب المتبوع، الذي يكون حجة عليهم في اتباعهم له، أو إعراضهم عنه، كما قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدعى إِلى كِتابِهَا اليَومَ تُجزَونَ ما كُنتُم تَعمَلونَ﴾ [الجاثية: ٢٨].
وكما في الحديث صحيح مسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه)، وقال: (والقرآن حجة لك أو عليك).
🔹 كما يطلق الإمام على الكتاب الذي تحفظ فيه أعمال العباد فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحنُ نُحيِي المَوتى وَنَكتُبُ ما قَدَّموا وَآثارَهُم وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَيناهُ في إِمامٍ مُبينٍ﴾ [يس: ١٢].
🔹 وبكل من هذه المعاني فسّر أهل التأويل هذه الآية، ورجّح ابن جرير الأول إذ هو المعنى المعلوم في لغة العرب، فالإمام هو الرئيس المتبوع في قومه، فقال في تفسيره بعد ذكر الأقوال كلها: (وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ﴿يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم﴾ الذي كانوا يقتدون به، ويأتمّون به في الدنيا؛ لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتم واقتدي به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها).
ورجّح ابن كثير الثالث بقرينة ذكر الكتاب باليمين الوارد في الآية، والظاهر أن المعنى قد يعم ذلك كله، فالنبي إمام يتبع ويرجع إليه في الحكم، والقرآن والكتاب الذي يأتي به النبي إمام يتبع ويتلى ويرجع إليه في العلم، واللوح المحفوظ إمام يتبع بإنفاذ ما كتب وقدر فيه، ويرجع إليه في معرفة ما حفظ فيه من أعمال العباد، إلا أن المعنى الأول يترشح بمناسبة ذكر التكريم والتفضيل قبله، فناسب ذكر أثر هذا التفضيل ونتيجته يوم القيامة وهو أخذ من استحقوا التكريم الكتاب باليمين، وليتحقق لهم التفضيل في دار الجزاء كما وعدهم الله، كما قال تعالى في أوائل السورة نفسها: ﴿انظُر كَيفَ فَضَّلنا بَعضَهُم عَلى بَعضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكبَرُ تَفضيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
🔹 وعليه يكون ﴿يَومَ نَدعو﴾ متعلقا بما قبله وهو قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا. يَومَ نَدعو﴾ بني آدم كلهم يوم القيامة حينئذ يكون التفضيل الأظهر، والتكريم الأكبر، وذلك لمن استحقه من المؤمنين، وأهل اليمين ﴿فَمَن أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولئِكَ يَقرَءونَ كِتابَهُم وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا﴾!
🔹 والفتيل فعيل بمعني مفتول، وهو ما يفتل بين الأصبعين من وسخ، وقيل هو خيط رقيق في شق نواة التمر، وقيل قشرة خفيفة بين البسرة والنواة، وهو إشارة لكل ما لا قيمة له، فلا يبخسون يوم القيامة من أعمالهم شيئا ألبتة، حتى ما لا يأبهون هم به ولا يلقون له بالا، لا يذهب عليهم، ولا يفوت حسابه، وذلك لكمال إحاطة علم الله سبحانه بهم وبأعمالهم وأحوالهم، ولكمال عدل الله المطلق، الذي لا يظلم أحدا، ولا يظلم عنده أحد شيئا من عمل، صغر أو أكبر، خف أو ثقل، وإن كان مثقال حبة من خردل!
- ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٧٢]
🔹 بعد أن ذكرت السورة أصحاب اليمين الذين يقرأون كتابهم ابتهاجا به، وبما فيه من أعمالهم الصالحة، وبما وجدوا من جزاء حسن عليها، يوم تبيض وجوههم، ويسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم؛ ذكر أصحاب الشمال، بأسوأ أحوالهم، وهو العمى الذي يصابون به حينئذ فلا يستطيعون معه قراءة كتبهم، كما كان حالهم في الدنيا، حين عموا عن نور الكتاب الذي جاء من عند الله لهدايتهم، وإخراجهم من ظلمات الجاهلية التي كانوا فيها، فأعرضوا عنه، وجعلوا أصابعهم في أذانهم، وحجبوا أبصارهم عن رؤية الحق، فكان الجزاء من جنس العمل في الدنيا والآخرة، بأن طمس على قلوبهم فلا تعقل، وأغشى أبصارهم فلا ترى، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم وَعَلى سَمعِهِم وَعَلى أَبصارِهِم غِشاوَةٌ وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وكما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلنا مِن بَينِ أَيديهِم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأَغشَيناهُم فَهُم لا يُبصِرونَ﴾ [يس: ٩]
🔹 الإشارة في (هَذِهِ) قيل: للنعم المذكورة في الآية التي قبلها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
فمن كان أعمى عن كل هذا التكريم وهذه النعم التي منّ الله بها على عباده من بني آدم، والتي هي حجج الله عليهم، والآيات البينات على ربوبيته لهم، وعمي عن الاهتداء بها على استحقاق الله سبحانه وحده للطاعة والعبادة، للنجاة والفوز؛ فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا عن الاهتداء إلى الجنة والنجاة من النار.
وقيل: بل الإشارة هنا هي إلى الدنيا، فمن كان فيها أعمى عن الاهتداء بنور الله وكتابه وما جاء به رسوله، فهو في الآخرة أعمى عن الاهتداء إلى طريق الجنة وأضل سبيلا.
🔹 وأعمى الأولى ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ هو من عمى البصيرة، إذ لم يستفيدوا من الأبصار التي رزقهم الله إياها ليروا آياته، فتعقل بها بصائرهم، وتهتدي قلوبهم بما ترى أبصارهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَم يَسيروا فِي الأَرضِ فَتَكونَ لَهُم قُلوبٌ يَعقِلونَ بِها أَو آذانٌ يَسمَعونَ بِها فَإِنَّها لا تَعمَى الأَبصارُ وَلكِن تَعمَى القُلوبُ الَّتي فِي الصُّدورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وليس في عمى البصر في حد ذاته ما يذم به صاحبه إذا اهتدت بصيرته، وليس عليه حرج فيما لا يستطيع من التكاليف، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾[الفتح:١٧]، وإنما الذم هو في عمى البصيرة وعدم الاهتداء بها إلى الحق فيما يعقل القلب، ويدركه العقل من حقائق الوجود.
🔹 وأعمى الثانية ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ من عمى البصر، فهو لا يرى يوم القيامة؛ لفقده النور الذي يبصر به، ولما يحيط به من ظلمات حتى إنه لا يستطيع قراءة كتابه، ولا يهتدي سبيلا، ﴿يَومَ يَقولُ المُنافِقونَ وَالمُنافِقاتُ لِلَّذينَ آمَنُوا انظُرونا نَقتَبِس مِن نورِكُم قيلَ ارجِعوا وَراءَكُم فَالتَمِسوا نورًا فَضُرِبَ بَينَهُم بِسورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرَّحمَةُ وَظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد: ١٣].
🔹 وقيل: بل ﴿أَعْمَى﴾ أفعل تفضيل بمعنى أشد عمى، وأعمى منه في حاله الأولى في الدنيا، ويرشح هذا المعنى المعطوف عليه ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ فأضل أفعل تفضيل بلا خلاف، إلا إن الجمهور على أن عمى البصر لا يدخله التفاضل لعدم وقوع التفاوت فيه، فلا يقال أعمى منه، كما لا يقال أسود منه في لون السواد، وأبيض منه، وأجازه بعض أهل اللغة.
وقيل: بل هو أعمى منه في البصيرة لا البصر، والبصيرة العلمية يقع فيها التفاوت، فيصلح فيها استعمال أفعل التفضيل، فهو أشد في الآخرة عمى في الرأي عن الاهتداء لسبيل النجاة منه في حال الدنيا.
🔹 وقيل: بل المعنى من كان أعمى عن شأن الدنيا وما يراه فيها من آيات وبينات؛ فهو أشد عمى عن شأن الآخرة والاستعداد لها، وأضل سبيلا عن الاهتداء إلى حقائقها، فمن لم يستطع إدراك ما يراه ويشاهده بعينه في الدنيا؛ فهو أشد عمى عن إدراك ما غاب عنه من أمر الآخرة الذي يقوم على الإيمان والإدراك العقلي والبصيرة القلبية.
🔹 وقوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ يدل على أن سبل الضلال لا حصر لها، فهي بعدد الضالين والمضلين، وبعضها أشد انحرافا من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطي مُستَقيمًا فَاتَّبِعوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فطريق الله واحد، وهو دين الإسلام، والذي جاء به النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء، فليس لله سبيل إلا هو، وكل ما عداه هي سبل الشيطان.
- ﴿وَإِن كادوا لَيَفتِنونَكَ عَنِ الَّذي أَوحَينا إِلَيكَ لِتَفتَرِيَ عَلَينا غَيرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذوكَ خَليلًا . وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَليلًا . إِذًا لَأَذَقناكَ ضِعفَ الحَياةِ وَضِعفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينا نَصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]
🔹 جاءت هذه الآيات الثلاث وعيدا عظيما لكل من كاد يركن للمشركين أو يداهن أعداء الله ورسوله أدنى ركون، وأقل مداهنة لهم على كفرهم وشركهم وباطلهم وظلمهم.
🔹 والخطاب وإن كان موجها للنبي ﷺ فالمراد به أمته، فإذا كان هذا النبي الكريم الخاتم للأنبياء يبلغ الوعيد له هذا الحد فمن دونه من باب أولى، فالله جل جلاله هو الجبار القاهر الذي لا واسطة بينه وبين أحد من خلقه ولا محاباة، ولا وسيلة إليه إلا خشيته وتقواه، وطاعته واتباع هداه، كما جاء في الصحيحين عن عائشة، قالت: (لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء: ٢١٤] قام رسول الله ﷺ على الصفا، فقال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم).
🔹 والمناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها، هي في بيان أن هذا التكريم وهذا التفضيل الإلهي لهذا النبيﷺ ولمن اتبعه من المؤمنين، ممن يدعون يوم القيامة بإمامهم ومع نبيهم ويقرأون كتابهم بأيمانهم؛ مشروط بالاتباع المطلق لما جاءهم عن الله، وعدم المقاربة بأدنى درجاتها إلى الركون للضالين، وأوليائهم من الشياطين، ممن عموا عن هدى الله وسبيل النجاة في الدنيا، وهم في الآخرة أشد عمى وأضلا سبيلا.
🔹 وقوله تعالى ﴿وَإِن كادوا لَيَفتِنونَكَ﴾ جملة مؤكدة (وإنْ) هذه هي للتوكيد، وهي المخففة من (إنّ) المشددة، فلما خففت ضعفت دلالة التوكيد فيها، وخشي التباسها بأداة (إنْ) النافية التي بمعنى (ما)، فأتي معها باللام الفارقة بينهما، ودخلت على جوابها (لَيَفتِنونَكَ).
🔹 وقد اختلف في المراد بالفتنة التي كاد يقاربها النبيﷺ لولا عصمة الله إياه، فقيل: دعاه المشركون أن يتمسح بآلهتهم إن أراد أن يسمحوا له أن يطوف بالبيت وإلا منعوه، وقيل: بل الفتنة هي أن يطرد الضعفاء من المؤمنين إن أراد أن يجلس إليه أشراف مكة من الملأ المشركين، وقيل: بل المراد ما اشترطته ثقيف حين أرادت أن تسلم في السنة التاسعة من الهجرة ألا يعشروا ولا يحشروا ولا يسجدوا، وكل ذلك لم يثبت من طريق صحيح مرفوع، بل الآية التي بعدها تفيد عدم وقوع شيء من ذلك!
🔹 وهو قوله تعالى: ﴿وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَليلًا﴾، و(لَولا) حرف امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر، فامتنع حدوث الركون منه ﷺ إليهم، وامتنع حدوث مقاربته لفتنتهم؛ لوجود التثبيت الإلهي له بالعصمة، وفي العبارة تقديم وتأخير، والمعنى: ولولا أن ثبتناك لوقع منك الركون وكدت تفتتن بهم؛ لشدة فتنتهم وكيدهم بك، إلا إننا عصمناك منهم، فلم يقع منك ركون لهم أصلا، ولو حدث شيء من ذلك منك، لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف العقوبة الدنيوية التي يستحقها من فعل مثل ذلك، وضعف عذاب الآخرة وبعد الموت لمن فعل ذلك.
🔹 وهذا وعيد عظيم، وبما أنه لم يقع أدنى عذاب أو عقوبة للنبي ﷺ في الحياة، بل فتح الله عليه ونصره ورفع ذكره، دلّ ذلك على عدم وقوع أدنى ركون منه ﷺ لهم، ولا أدنى مقاربة لما أرادوه منه بفتنتهم تلك، فأكد آخر الآية دلالة حرف الامتناع (لولا) في أولها.
🔹 وعليه فالفتنة المذكورة هي كل ما تعرض له النبيﷺ وأصحابه من محن ليرجعوا عن دينهم، أو يتركوا المشركين وما هم عليه ولا يتعرضوا لهم، وما حل بالمؤمنين من عذاب وقتل وحبس، وما وقع للنبي ﷺ وبني هاشم من حصار في الشعب، كما ذكرت ذلك سورة البروج ﴿إِنَّ الَّذينَ فَتَنُوا المُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ ثُمَّ لَم يَتوبوا فَلَهُم عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُم عَذابُ الحَريقِ﴾ [البروج: ١٠].
🔹 ونفي وقوع الفتنة منه ﷺ الذي يفهم من قوله تعالى: ﴿كادوا لَيَفتِنونَكَ﴾ وكاد فعل مقاربة للشيء دون حدوثه، مع ثبوت الفتنة والعذاب من المشركين للنبي ﷺ وأصحابه، يرجح أن المراد نفي وقوع أثر هذه الفتنة الصادرة منهم وهو افتتان النبي ﷺ بهم وبفتنهم واستجابته لهم، ليدع ما أوحي إليه من ربه ويفتري عليه غيره بمداهنته إياهم واتباع بعض ما أرادوه منهم.
وقوله: ﴿شَيئًا قَليلًا﴾ فيه بيان عصمته ﷺ، وعظيم حفظ الله له، فأقصى ما كان يطمع المشركون منه ﷺ أن يقارب الركون إليهم شيئا قليلا لو استطاعوا فتنته، أما أكثر من ذلك فلا، فقد تكفل الله بعصمته وكفاه ووقاه.
- ﴿وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَليلًا . إِذًا لَأَذَقناكَ ضِعفَ الحَياةِ وَضِعفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينا نَصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]
🔹 حذر الله رسوله محمدا ﷺ من الركون إلى المشركين ولو بأدنى ميل ومداهنة لهم، ونفى وقوع شيء من ذلك منه ﷺ لتثبيت الله له، وحفظه إياه بالعصمة، وأنه لو ركن لهم ومال عما أمره الله به، أدنى ركون وميل لهم، لعذبه ضعف عذاب الحياة الدنيا الذي يعذب به غيره ممن فعل مثل ذلك، وضعف عذاب الممات، وهو عذاب ما بعد الموت سواء في البرزخ قبل البعث، وهو عذاب القبر، أو يوم القيامة وبعد البعث، وهو عذاب الجحيم، وقد أثبت القرآن وقوع كلا العذابين لفرعون وجنوده ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾[غافر: ٤٥ -٤٦]، فعذبهم الله في الحياة الدنيا بالغرق، ثم بالعرض على النار بعد الموت في البرزخ غدوا وعشيا؛ كما تواترت به السنة عما يجده الإنسان بعد موته في القبر من نعيم برزخي، أو عذاب دائم إلى قيام الساعة، ثم أشد العذاب بعد البعث وقيام الساعة في نار الجحيم.
🔹 وقد سمعت شيخنا ابن باز رحمه الله في درسه في سورة المائدة من تفسير ابن كثير (سنة ١٤١١ - ١٩٩٠م) وقد سئل عن الجمع بين قول الله ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ وقوله عن الحواريين حين سألوا عيسى المائدة ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين﴾ وكيف يكون عذاب آل فرعون أشد العذاب، وعذاب من كفر من الحواريين أشد منه؟ فقال رحمه الله تحتاج الآية إلى تدبر! ومضى القارئ في القراءة، وصمت الشيخ مدة يتفكر فيها، ثم فتح الله عليه فقال: يجاب عن ذلك بأن عذاب آل فرعون أشد وعذاب هؤلاء أخص!
🔹 وقصد الشيخ رحمه الله بأن عذاب آل فرعون أشد من عذاب غيرهم، وإن شاركهم فيه من كان مثلهم في كفرهم، فليس في العذاب ما هو أشد منه جزاءً على شدة كفرهم، فإنهم أكفر الأمم وأشدها طغيانا في الأرض، فقد جاءهم موسى بتسع آيات كل آية هي أكبر من أختها، فجحدوا بها ظلما وعلوا، بينما عذاب من كفر من الحواريين أخص من عذاب غيرهم لا يشاركهم فيه أحد، فهو عذاب أليم مخصوص بهم لا يُعذب به أحد غيرهم، لاختصاصهم بنزول المائدة التي سألوها الله أن تكون آية خاصة لهم، فكان كفرهم بها بعد ذلك موجبا لعذاب خاص بهم، وهو وعيد عظيم وعذاب أليم!
- ﴿وَإِن كادوا لَيَستَفِزّونَكَ مِنَ الأَرضِ لِيُخرِجوكَ مِنها وَإِذًا لا يَلبَثونَ خِلافَكَ إِلّا قَليلًا سُنَّةَ مَن قَد أَرسَلنا قَبلَكَ مِن رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحويلًا أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ اللَّيلِ وَقُرآنَ الفَجرِ إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كانَ مَشهودًا﴾ [الإسراء: ٧٦-٧٨]
🔹 بعد ذلك ذكرت السورة استفزاز مشركي مكة للنبيﷺ، باستهزائهم به، واستخفافهم بدعوته، واضطهادهم أصحابه؛ ليضطروه للخروج من مكة؛ فتظل لهم فيها السيادة على العرب الذين يحجون إليها، وتبطل دعوته، وكادوا لشدة بغيهم وعدوانهم أن يستفزوهﷺ فيفز ويخفّ فيخرج فرارا منها قبل أن يأذن الله له، وقبل أن يهيئ الله له أسباب الهجرة، ويستكمل مدته فيهم، وأوشك أن يقع ذلك منه ﷺ لشدة ما يجد من أذاهم على نفسه، لولا أن ثبته الله، فلم يهاجر ﷺ حتى أوحى الله إليه بالهجرة، بعد أن انتظم أمر الأنصار في المدينة واستوسق، وشاع فيها الإسلام واستوثق، فخرج النبي ﷺ من بين ظهراني مشركي مكة، ونجاه الله منهم، وتحقق وعيد الله لهم، فلم يلبثوا بعد هجرته ﷺ إلى المدينة غير سنة، وكانت بعدها معركة بدر، ويوم الفرقان، وبداية نهايتهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم وأشرافهم، وصدق الله وعده، ونصر عبده، فلم يلبث مشركو مكة فيها بعد هجرة النبيﷺ إلا قليلا، وتحققت بذلك سنة الله المطردة مع كل أنبيائه وأتباعهم التي لا تتبدل، ولا تتغير باختلاف الزمان والمكان ولا تتحول، أن تكون العاقبة لهم، وأن يهلك الله من كفر به واضطهدهم، وأن تدور الدائرة عليهم، ﴿وَلَقَد سَبَقَت كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا المُرسَلينَ إِنَّهُم لَهُمُ المَنصورونَ وَإِنَّ جُندَنا لَهُمُ الغالِبونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
🔹 وهذا الوعد من الله بالنصر لرسله وأوليائه في الدنيا باق إلى قيام الساعة، ولما كان محمدﷺ آخر رسله، وأمته آخر الأمم، ولا تزال قائمة بالبلاغ والرسالة، لتقوم حجة الله على العالمين بها، ولا يزال منها طائفة ظاهرة بالحق والجهاد في سبيله، وهم غرس الله الذي يغرسه في الأرض ليستعملهم في طاعته، ويبتليهم ويبتلي بهم؛ كان لهم من النصر والظهور في الأرض بقدر ما يكون منهم من اتباع لرسله، وقيام منهم بأمره، فهم جنوده المنصورون بقيامهم بأعباء الرسالة ووراثة النبوة، فمن تخلى منهم عن حمل أعبائها وأعرض عنها؛ تخلف عنه من النصر والظهور بقدر ذلك، وأقوى أسباب الظهور بعد الإيمان والثبات عليه: الجهادُ في سبيله بالمال والنفس ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم﴾[محمد:٧]، فالجهاد سبب النجاة في الدنيا والآخرة، والظفر والفلاح فيهما، وتحقق النصر المذخور، والبشارة الموعودة، في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا هَل أَدُلُّكُم عَلى تِجارَةٍ تُنجيكُم مِن عَذابٍ أَليمٍ تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَتُجاهِدونَ في سَبيلِ اللَّهِ بِأَموالِكُم وَأَنفُسِكُم ذلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمونَ يَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَيُدخِلكُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدنٍ ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ وَأُخرى تُحِبّونَها نَصرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتحٌ قَريبٌ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾ [الصف: ١٠-١٣]
🔹 ثم شرعت السورة في بيان وجوب شكر نعمة الله هذه بالثبات، وإدامتها وإتمامها بالصلوات، فأمر الله رسوله ﷺ بالمحافظة عليها، والمواظبة على أوقاتها؛ فهي حبل الله، وسبيل النجاة، وأس الإيمان، ومظهر التوحيد والإسلام، وقد شرعت خمس صلوات في اليوم والليلة في ليلة الإسراء والمعراج الذي جاء تفصيل نبئه في هذه السورة، فكان بها كمال الدين في الخطاب المكي، الذي شرع أصول الأحكام، وأركان الإسلام، حيث هاجر بعدها النبي ﷺ إلى المدينة ليقيم فيها نظام الحكم الإسلامي، ويؤسس المجتمع الإيماني..
- ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ اللَّيلِ وَقُرآنَ الفَجرِ إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كانَ مَشهودًا وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾ [الإسراء: ٧٨-٧٩]
🔹 بعد أن ذكرت السورة شدة فتنة مشركي مكة واستفزازهم النبيَّ ﷺ، ليخرجوه من مكة، وتثبيت الله له، وحفظه إياه، ومنعهم منه؛ جاء الأمر مباشرة بإقامة الصلوات الخمس في أوقاتها فرضا، والتهجد بقيام الليل نافلة وزيادة في الزلفى إلى الله؛ إذ الصلوات من أعظم أسباب الفلاح والثبات على الحق، والعصمة من الفتن؛ ولهذا أمر الله من الإكثار من ذكره في مواطن الخوف والحرب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون﴾[الأنفال:٤٥].
🔹 والصلوات أجلّ صور ذكر الله وأوجبها، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾[طه:١٤] فهي كلها ذكر وتوحيد لله؛ ولهذا لم تسقط عن المكلف حتى وقت قتال العدو ﴿حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسطى وَقوموا لِلَّهِ قانِتينَ فَإِن خِفتُم فَرِجالًا أَو رُكبانًا فَإِذا أَمِنتُم فَاذكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُم ما لَم تَكونوا تَعلَمونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨-٢٣٩]
🔹 وورد في سورة الإسراء هنا فرض الصلوات الخمس وتحديد أوقاتها على ما استقرت عليه آخرا، كما شرعها الله لرسوله ﷺ في المعراج، ثم نزل جبريل فأمّ النبي ﷺ في أول كل وقت وآخره، وقال له: (الصلاة ما بين هذين الوقتين).
🔹 ودلوك الشمس هو زوالها وميلها نحو الغروب وأول الدلوك الظهر، ثم الدلوك الثاني العصر، ثم غسق الليل أوله المغرب، وآخره العشاء، ثم الفجر قبل طلوع الشمس.
🔹 وكانت الصلاة قد شرعت في أول العهد المكي قبل الإسراء: ركعتين في الفجر قبل طلوع الشمس، وركعتين في العصر قبل غروبها، وصلاتي الليل: المغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، وصلاة الظهر ركعتين أطراف النهار، وهي الصلوات والأوقات المذكورة في سورة طه، وهي مكية، ومن أوائل ما نزل من القرآن: ﴿فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُروبِها وَمِن آناءِ اللَّيلِ فَسَبِّح وَأَطرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرضى﴾ [طه: ١٣٠]
🔹 وكذا ذُكرت الصلوات الخمس بأوقاتها في سورة هود وهي مكية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكرى لِلذّاكِرينَ﴾ [هود: ١١٤] وطرفا النهار: الظهر والعصر، وزلف الليل: أوله المغرب، وأوسطه العشاء، وآخره الفجر.
🔹 وجاءت كذلك هذه الأوقات في سورة الروم وهي مكية ﴿فَسُبحانَ اللَّهِ حينَ تُمسونَ وَحينَ تُصبِحونَ وَلَهُ الحَمدُ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَعَشِيًّا وَحينَ تُظهِرونَ﴾ [الروم: ١٧-١٨]، فالمساء هنا: المغرب والعشاء، والصباح الفجر، والعشي العصر، وحين تظهرون وقت الظهر، وهذا إخبار يراد منه الأمر بتوحيد الله وتسبيحه في هذه الأوقات بالصلوات والأذكار التي شرعها لعباده.
🔹 وعلى هذا فالصلوات الخمس شرعت قبل الإسراء والمعراج، وكانت ركعتين ركعتين في أوقاتها بلا تحديد أول الوقت وآخره، ثم فرضت على الجميع بعد الإسراء والمعراج، وحدد أول كل وقت وآخره، وصارت الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا، وهذا معنى حديث عائشة في الصحيحين: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر)، وإنما حدثت الزيادة أربعا في المعراج، لا بعد الهجرة، كما وقع في بعض الروايات، وإنما الذي حدث بعد الهجرة قصر الرباعية في السفر، لا زيادتها أربعا.
🔹 وخصّ وقت صلاة الفجر بإضافته إلى القرآن، ﴿وقرآن الفجر﴾ ووصفه بالشهود؛ لعظيم شأنه، وشهود الملائكة له، وجاءت السنة بإطالة القراءة للقرآن في الفجر.
🔹 ثم أمر الله رسوله ﷺ بالتهجّد وهو ترك الهجود وهو النوم، كالتأثّم ترك الإثم، والتحرّج ترك الحرج؛ استعدادا لحمل الرسالة على أكمل وجه، وما يقتضيه ذلك من استعداد نفسي وجسدي وروحي وذهني، لا يتحقق إلا بالاجتهاد والجهاد.
🔹 وخصّ الله رسوله ﷺ بوجوب قيام الليل عليه خاصة، زيادة له في الزلفى، ونافلة منه وفضلا، ليبعثه المقام المحمود الأسمى؛ فكان لزاما عليهﷺ ليستحق ذلك الفضل أن يقوم لله في العبودية المقام الأوفى، فهو ﷺ أحمد الناس لربه، وأكثرهم ذكرا وشكرا له، فاستحق المقام المحمود صاحبه، وهو مقام الشفاعة بين يدي الله يوم القيامة.
🔹 والمقام المحمود الذي يبعثه الله له لا يقتصر على مقام يوم القيامة فقط؛ ولهذا جاء هنا منكّرا غير معرّف؛ ليعم كل مقام محمود يقيمه الله فيه، ومن ذلك ما فتحه الله عليه من الفتوح المحمودة، والمقامات المشهودة، والظهور في الأرض حتى رفع الله ذكره مع اسمه، واستحق مدحه مع حمده، إلى أن يبعثه المقام المحمود يوم القيامة، الوارد في الصحيح معرفا (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته).
- ﴿وَقُل رَبِّ أَدخِلني مُدخَلَ صِدقٍ وَأَخرِجني مُخرَجَ صِدقٍ وَاجعَل لي مِن لَدُنكَ سُلطانًا نَصيرًا وَقُل جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا﴾ [الإسراء: ٨٠-٨١]
🔹 بعد الأمر بإقامة الصلوات الخمس في وقتها، والحث على الاجتهاد في قيام الليل والتهجد فيه؛ جاء الأمر بالدعاء بعده، إذ الصلوات أحرى مواطن استجابة الدعاء، كما في وصية النبي ﷺ لمعاذ ألا يدع دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).
🔹 وهذا الدعاء ﴿وَقُل رَبِّ أَدخِلني مُدخَلَ صِدقٍ وَأَخرِجني مُخرَجَ صِدقٍ وَاجعَل لي مِن لَدُنكَ سُلطانًا نَصيرًا﴾ من جوامع الدعاء القرآني، وهو سؤال العبد ربه أن يدخله في كل أمر يحبه ويرضاه الله له في دينه ودنياه، ويقدره عليه في مماته ومحياه، مدخل صدق، لا رياء فيه، ولا شرك، ولا كل ما ينافي كمال الإيمان من كبر، أو بطر، أو أشر، وأن يخرجه منه مخرج صدق بأدائه له على أكمل وجه يحبه الله ويرضاه له، وأن يجعل له الله في كل ما يأتي من ذلك ويذر سلطانا من عند الله، لا يلتبس فيه عليه الحق والباطل، وناصرا يعينه على ما يريده من الحق، والخير، والعدل.
🔹 وهذا الدعاء في حق النبي ﷺ هنا يدخل فيه دخولا أوليا سؤال الله أن يخرجه من مكة مهاجرا في سبيله مخرج صدق، لا إثم فيه، ولا جرم، ولا ذم، بل مخرج خير، وهدى، وفتح، وعز، وأن يدخله مدخل صدق في مهجره الذي قدر له هجرته إليه وهي المدينة، وأن يجعل له سلطانا ناصرا، وهو كما قال الحسن وقتادة: الملك الظاهر، والسلطان الناصر، الذي يظهر به الإسلام، وتقام به الأحكام، ويأمن فيه الأنام.
🔹 قال الطبري في تفسيره: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: واجعل لي ملكا ناصرا ينصرني على من ناوأني، وعِزّا أقيم به دينك، وأدفع به عنه من أراده بسوء) ثم ذكر عن الحسن قوله: (يُوعِده لَيَنزعَنَّ مُلك فارس، وعزّ فارس، وليجعلنه له، وعزّ الرّوم، ومُلك الروم، وليجعلنه له)، وعن قتادة قال: (فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله عزّ وجلّ، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم).
🔹 وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ وتحقق وعده إياه، فأخرجه مخرج صدق من مكة حتى كانت هجرته خير هجرة هاجرها إنسان على هذه الأرض، وأعمها بركة وخيرا، وأعظمها في تاريخ العالم أثرا، وأصدقها فيما قصدته من الخير، والحق، والعدل مظهرا، وكان دخوله ﷺ المدينة أبرك قدوم قدمه إنسان على أهل أرض، وكان أهلها خير نصير، وأكرم ظهير، وأصدق وزير، فاجتمع فيها خير أمة أخرجت للناس، وقامت فيها أرحم دولة، وأعدل سلطة.
🔹 ثم بشّر الله رسوله ﷺ باستجابة دعائه مباشرة بقوله: ﴿وَقُل جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا﴾، وهو ما كان فعلا، فلم يكن بين حادثة الإسراء والمعراج ونزول هذه السورة وهجرة النبي ﷺ وظهور دينه الحق، وقيام دولته الصدق في المدينة إلا ثلاث سنين فقط، ولم يمض على هجرته ثمان سنين إلا وقد فتح مكة، وطاف بالبيت يطهره من الأصنام حوله وهو يتلو هذه الآية، فأبطل الشرك والظلم والجاهلية!
🔹 والحق الذي جاء في هذه الآية يعمّ كل حق دعا إليه النبي ﷺ، وبشر به، ووعده الله به، ومن ذلك قيام الدولة في المدينة، والجهاد في سبيل الله الذي أذن له فيه بعد الهجرة مباشرة، وتحقق به السلطان والنصير الذي دعا الله أن يجعله له!
🔹 وبذلك تحققت المعجزة في الإسراء والمعراج على أكمل وجه، فقد جاء الحق، وأوشك أن يظهر أمر محمد ﷺ -كما أخبر قومه منذ بعثه الله بالإسلام بشيرا ونذيرا- ظهورا لم يعرف العالم مثله لمهاجر خرج من أرضه شريدا، وأخرجه قومه منها طريدا، فعاد إليها فاتحا حميدا!
🔹 وهذا الوعد بظهور دينه ﷺ والحق الذي بعثه الله به، وزهوق كل باطل يتصدى له، وعد دائم، وشرط قائم، لكل من قام بنصرته ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾[محمد: ٧] وهو ما تحقق بعد وفاتهﷺ، حين قام أصحابه الراشدون بخلافة النبوة، فتحقق لهم من الظهور للدين والاستخلاف في الأرض ما لم يتحقق في حياته ﷺ، كما وعد الله ﴿هُوَ الَّذي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهيدًا﴾ [الفتح: ٢٨].
- ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إِلّا خَسارًا ﴾ [الإسراء: ٨٢]
🔹 بعد أن ذكرت السورة شأن الصلوات الخمس وأوقاتها، وقيام الليل، وهي هدايات الله للمؤمنين بأحكامه القرآنية الشرعية، ثم البشارات لهم بالنصر والفتح، وظهورهم بالحق، وذهاب الباطل، وهي أحكامه الكونية القدرية؛ ذكرت مصدر هذه الهدايات والبشارات كلها وهو القرآن العظيم.
🔹 فذكرت أن القرآن تنزيل من عند الله، يمنّ به على من يشاء من عباده بهداياته، وجاء بصيغة ننزّل بالتشديد، لإفادة معنى التدرّج وتكرر حدوث ذلك، بحسب حاجة المؤمنين وقدرتهم على أداء شرائعه وشعائره، وتثبيتا لهم بوعوده وبشائره، وردا لشبهات المشركين، وهذا على خلاف حال نزول التوراة والإنجيل دفعة واحدة.
🔹 وقد أثار المشركون هذه الشبهة، وهو عدم نزول القرآن على النبي ﷺ جملة واحدة، فرد الله عليهم: ﴿وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلًا وَلا يَأتونَكَ بِمَثَلٍ إِلّا جِئناكَ بِالحَقِّ وَأَحسَنَ تَفسيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢-٣٣].
🔹 وهذا القرآن وتنزيله على هذا النحو هو علاج وشفاء للمؤمنين من داء الكفر والشرك وكل شبهات العقول وأهوائها، ومن داء النفاق والرياء والحسد والكبر وكل علل القلوب وأدوائها، ومن أمراض النفوس والأبدان وأسقامها الحسية والمعنوية.
🔹 وقد خصّ تعالى المؤمنين بالانتفاع والشفاء بالقرآن، فالإيمان به واليقين بأثره شرط لعلاج الأمراض الحسية والمعنوية، بينما في آية النحل ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾[النحل:٦٩] كان التدواي بالعسل عاما للناس.
🔹 و﴿مِنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنَ القُرآنِ﴾ بيانية للاسم الموصول المفعول بعده ﴿ما هُوَ شِفاءٌ﴾ أي: وننزل ما هو شفاء: وهو القرآن، فكل القرآن شفاء لهم، وقيل هي تبعيضية، فمن القرآن ما هو شفاء، ومنه ما هو عذاب وحسرة على الكافرين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا.
🔹 وزيادة القرآن الظالمين خسارا؛ لأنه حجة عليهم، فلم ينتفعوا من هداياته شيئا بإعراضهم عنه، ولم يسلموا من تبعة ذلك بقيام الحجة عليهم بالبلاغ، وانقطاع عذرهم، وكلما نزل من القرآن شيء وأعرضوا عنه؛ زادت خسارتهم، واشتد حسابهم، وتضاعف عذابهم.
- ﴿وَإِذا أَنعَمنا عَلَى الإِنسانِ أَعرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئوسًا قُل كُلٌّ يَعمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُم أَعلَمُ بِمَن هُوَ أَهدى سَبيلًا وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا﴾ [الإسراء: ٨٣-٨٥]
🔹 ذكرت السورة هنا النعمة على الإنسان، وإعراضه عنها، بعد بيان شأن القرآن وتنزيله وأنه شفاء للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين بإعراضهم عنه إلا خسارا، للإشارة إلى أن القرآن والوحي هو النعمة التي ليس هناك نعمة لله أعظم منها على جنس الإنسان، ففيها هدايته وصلاحه ونجاته، كما في قوله تعالى عنها: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾[الضحى: ١١] بالبلاغ بها والبيان لها، كما أمرك الله بذلك، وكقوله: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون﴾[القلم:٢] كما يصفك المشركون الذين كفروا بالقرآن وكذبوك، ووصفوك بالجنون بسبب هذا الوحي الذي يأتيك، والقرآن الذي يتنزل عليك.
🔹 والإنسان هنا هو من العام الذي أريد به الخاص، والمراد المشركون الذين كذبوا وأعرضوا، أو هو على عمومه، والمراد جنس الإنسان، إلا من آمن وهم الأقل المستثنون من الإعراض ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾[سبأ: ١٣].
🔹 وإذا كان هذا حال الإنسان مع نعمة الوحي والرسول والقرآن، الذي هو أعظم نعمة على الإنسان، فهو في ما دونها من النعم أكثر كفرا وإعراضا بجانبه عن الله!
🔹 وقد جمعوا في كفرهم هذا وظلمهم أنفسهم، بين الإعراض والصد عن الحق الذي جاءهم، وعدم الالتفات إلى النبي ﷺ والوحي الذي نزل عليه، والقرآن الذي يدعوهم إلى اتباعه، والنأي والبعد عنه، وعدم الاقتراب منه، إمعانا منهم في شدة الاستخفاف به!
🔹 والإعراض بالجانب يعمّ كل جانب ركن له الإنسان، سواء كان جانب علمه وعقله وذكائه، كحال أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين نأوا عن القرآن والنبي ﷺ بما عندهم من العلوم الدينية، أو الأمم الأخرى الذين نأوا عن الإيمان بالأنبياء بما عندهم من العلوم الدنيوية ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾[غافر:٨٣]، أو ركن لماله كقارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، أو ركن لولده، كحال المشركين الذين قالوا ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا﴾[سبأ:٣٥]، أو الملأ منهم الذين نأوا إلى مكانتهم ورئاستهم وقالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾[الزخرف: ٣١]!
🔹 فإذا مسّ الإنسان ضر أو شر، من مرض أو مصيبة أو فقر، كان قنوطا يئوسا لا يرجو خيرا، ولا يطمئن لبشارة، ولا يرنو إلى أمل؛ لشدة ضعفه، وقلة حيلته، وعجزه عن الدفع عن نفسه، وعدم جدوى ماله وولده وجاهه في نفعه وكشف ضره!
🔹 وفي هذا دليل على شدة افتقار الإنسان وحاجته إلى الله في كل أحواله، وعدم غناه عنه، ففقره ذاتي لا عرضي، فلا ينفك عن الاضطرار إلى الله ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾[النمل: ٦٢]!
🔹 ومع كفرهم وإعراضهم، لم يعجل عقوبتهم، بل أملى لهم؛ ليعمل كل منهم على شاكلته، وطريقته ودينه ومذهبه؛ ليكون ذلك أقطع لعذرهم، ولتقوم حجة الله عليهم، بالبلاغ والرسالة والبيان، وبالاختيار وعدم الإجبار، فيختار كل إنسان ما يختاره من خير أو شر، أو إيمان أو كفر، بحريته وإرادته، بما يتوافق مع طبعه وطريقته ودينه؛ وهذا من كمال حلم الله عليهم، ورحمته ورأفته بهم.
🔹 وهو سبحانه أعلم بأهدى عباده إليه سبيلا، وأقومهم دليلا، وهو هنا محمد ﷺ والدين الذي جاء به، ومن آمن معه واتبعه، ولم يصرح بذلك، واكتفى بالتعريض بهم، ليكون ذلك أدعى لهم ليراجعوا أنفسهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويتحروا هذا السبيل الذي هو أهدى من سبيلهم، ولا يجعلوا من حسدهم لمحمدﷺ وعداوتهم له سببا في الإعراض عن سبيل الله، وهذا غاية الإنصاف في المجادلة والمحاججة للخصم.
🔹 ثم ذكر تعنتهم وسؤالهم عن الروح، بعد أن سألوا عن البعث بعد الموت في هذه السورة، وقالوا ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾[الإسراء: ٤٩]، فلم يجبهم عن حقيقة الروح، واكتفى بقوله: ﴿قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا﴾، فالروح سر الله في الخلق، وهي من أمره، وتوجد بنفخة من الملك الذي يرسله الله إليه وهو في بطن أمه بعد اكتمال الخلق، فتحدث الروح بالنفخة بلا تخلق كما يتخلق الجسد، من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما، بل هي شيء آخر ليست من عالم المادة، بل من عالم الملكوت الأعلى، فهي علاقة منه بين عالم الحس والشهادة وعالم الغيب، يُرى أثرها في الحياة ولا تُرى هي بالعيان، ويشعر كل إنسان بوجود روحه بين جنبيه، ولا يحسها كما يحس جسده ويجسّه ﴿قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا﴾!
🔹 وإضافة أمر الروح إلى الله إضافة تشريف وتكريم، ويفيد اختصاص الله وحده بالعلم بحقيقتها، وهي من دلائل قدرته ووحدانيته، وسعة علمه، وقصور علم الإنسان عن معرفة حقيقة الروح التي بها حياته، فضلا عن معرفة الله الذي خلق الروح بأمره!
- ﴿وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وَكيلًا إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا قُل لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلى أَن يَأتوا بِمِثلِ هذَا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرًا﴾ [الإسراء: ٨٥-٨٨]
🔹 كان اكتفاء القرآن بالإجابة عن سؤالهم عن حقيقة الروح بقوله تعالى ﴿قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ إعلانا عن عجز الإنسان كله، وقصور علمه عن فهم حقيقة نفسه وروحه، وأنها مما استأثر الله بعلمه؛ فهي من خاص سره، ولطيف أمره، اللهم إلا كون المعلوم عنها يقينا أنها ما به تكون حياة الإنسان، فإذا فارقت روحه جسده؛ فقد حياته.
🔹 وإعلانا أيضا عن أن النبي ﷺ لا يد له في النبوة والوحي، وأنه لا ينطق عن هواه، وأنه ليس بشاعر، ولا كاهن، كما يدعي المشركون، وإلا لأجابهم بما يستطيع قوله كل شاعر وكاهن في شأن الروح مما لا يعجز الشعراء قوله من عند أنفسهم، كما لو قال إنها شيء لطيف خفي وجسم نوراني لا يُرى يسري في الجسد حال الحياة، ويُقبض قبضا مؤقتا في النوم، ودائما في الموت.
🔹 فكان عدم الجواب والاعتراف بعدم العلم -وأنه لم يؤت الخلق من العلم إلا قليلا- أوضح دليل على أن النبي ﷺ لا ينطق بالقرآن من عند نفسه، وإلا فقد كان أحوج ما يكون للإجابة عن سؤالهم هذا بما يثبت لهم صدق نبوته، فلما رد الأمر إلى الله وعلمه؛ دل على أن الأمر كله لله وحده.
🔹 وقطع هذا الجواب القرآني الأطماع إلى يوم القيامة عن معرفة حقيقة الروح، وأنه لا يعلم أحد من شأنها -ولن يعلم أحد من الخلق- إلا أنها الدليل على أمر الله، والدليل من نفس الإنسان على وجود الله، وقدرته، وسعة علمه، فلو لم يكن من دليل على وجود الله إلا وجود الروح نفسه؛ لكان ذلك دليلا كافيا، وبرهانا شافيا، وكما أن كل إنسان يؤمن يقينا بوجود روحه، التي بها قوام حياته وحقيقة وجوده، مع عدم رؤيته لها، وإنما يرى آثارها في نفسه؛ كذلك وجود الله جل جلاله؛ فهو الذي به قوام هذا الوجود كله، وهو الحي القيوم، الذي يقيم العالم كله، ويقوم كل شيء بأمره، ومع ذلك لا يدرك أحد كنهه وحقيقته، ولا يحيطون بشيء من علمه!
🔹 ثم جاء الحديث مباشرة عن القرآن والوحي ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾، فهو أيضا روح من أمر الله وعلمه، وبه تكون الحياة الإنسانية الحقيقية، وهو الأحق بالسؤال عنه، والاهتمام والعلم به، كما قال تعالى عنه: ﴿أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾، وقوله: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره﴾، فهو روح ووحي من أمر الله يحيي به أرواح من آمنوا به، كما قال: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات﴾، فجعل العلم به حياة للإنسانية، ونور هداية لها من ظلمات الجاهلية، ورحمة من الله بعباده، حين يتيه الإنسان في غياهبها في عماية عن حقيقة وجوده، والغاية من حياته!
🔹 كما سمى القرآن جبريل روحا فقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ ﴿نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين﴾ ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾؛ لأنه وحده السفير بين الله وخلقه بالأمر والوحي الإلهي؛ فهو من أمر الله وروحه وسره؛ ولهذا سماه ورقة بن نوفل للنبيﷺ "الناموس الذي نزل على موسى"، والناموس هو صاحب سر الملك، والوحي الإلهي إعلام وإسرار خفي من الله، وجبريل هو الأمين عليه بالبلاغ عنه لرسله، فهو روح مطهر ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين﴾.
🔹 وكذا سمى القرآن عيسى روحا ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾.
🔹 ويطلق الروح أيضا على الرحمة، وعلى سر الشيء، كما قال تعالى عن عيسى: ﴿ولنجعله أية للناس ورحمة منا﴾ بهم، وقد كان لظهور دعوة المسيح عيسى في الإمبراطورية الرومانية، وشيوع قيمها الإنسانية، ودعوتها إلى العفو والصفح والرحمة والزهد والرهبانية، بعد طغيان الحياة المادية والطغيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في أوربا الوثنية؛ رحمة كبرى بتلك الأمم، وكل ما حدث بعد ذلك لشعوب أوربا منذ تحولت إلى النصرانية، حتى اليوم بما في ذلك الدعوة إلى حقوق الإنسان هو أثر من آثار تلك الرحمة السماوية!
🔹 وكذا كانت رسالة محمد ﷺ والوحي الذي أنزله الله عليه: روحا ورحمة للعالمين كافة؛ كما قال تعالى: ﴿ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما آتاهم من نذير من قبلك﴾، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ﴿إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك﴾؛ ولهذا امتن الله على رسوله ﷺ بالوحي والقرآن رحمة منه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك.. إلا رحمة من ربك﴾، أي: ولكن هذا الوحي والقرآن رحمة من ربك، والرحمة منه سبحانه لا يناسبها إلا ظهور أثرها في الوجود، لا الإذهاب لها ﴿إن فضله كان عليك كبيرا﴾ بالوحي إليك بهذا القرآن وبالنبوة والرسالة.
🔹 ومن معاني الروح في القرآن يظهر أنها كل أمر إلهي لطيف خفي، وسر لله في الوجود، ورحمة منه، لا ثاني له من جنسه: هو روح من أمره، وسر من خلقه، وكذلك كان جبريل في الملائكة روحا لا ثاني له، وعيسى في الرسل روحا ورحمة من أمر الله لا ثاني له، والقرآن في الكتب روحا ورحمة لا ثاني له، وكذلك روح الإنسان سر من أسرار الله في الوجود، ورحمة من الله على الإنسان، ليس لها في أرواح الخلق نظير في التكريم الإلهي!
🔹 ثم جاء الإعلان عن التحدي المعجز للخلق كافة بالإتيان بمثل هذا القرآن الذي هو من روح الله وأمره ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾، وما زال التحدي لهم قائما، وما زال الخلق كافة عاجزين عن الإتيان بسورة من مثله؛ وكان ذلك أقصر طريق لإنهاء الخصومة بين النبي ﷺ ومن كذبوه وكفروا به، وحجة كافية في إبطال ادعائه النبوة؛ فذلك أهون عليهم من قتاله وحرب المؤمنين به، فلما عجز العرب خاصة، والأمم الأخرى كافة، عن ذلك مع أن القرآن نزل بلغتهم، وهو من جنس كلامهم؛ دل ذلك على أنه وحي وروح من عند الله، ليس من كلام البشر، وليس مقدورا لهم!
- ﴿وَلَقَد صَرَّفنا لِلنّاسِ في هذَا القُرآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكثَرُ النّاسِ إِلّا كُفورًا وَقالوا لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعًا أَو تَكونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجيرًا أَو تُسقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمتَ عَلَينا كِسَفًا أَو تَأتِيَ بِاللَّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبيلًا أَو يَكونَ لَكَ بَيتٌ مِن زُخرُفٍ أَو تَرقى فِي السَّماءِ وَلَن نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَينا كِتابًا نَقرَؤُهُ قُل سُبحانَ رَبّي هَل كُنتُ إِلّا بَشَرًا رَسولًا﴾ [الإسراء: ٨٩-٩٣]
🔹 بعد أن تحدى القرآن الإنس والجن كافة بأن يأتوا بمثله، وأعجزهم عن ذلك، للدلالة على أنه من عند الله، لا من قول بشر؛ ذكر هنا وجه الإعجاز فيه وهو أنه صرّف للناس جميعا -على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم ولغاتهم وعصورهم- وجوه القول في هذا القرآن، ونوّع أغراض الكلام، وفصل الأحكام، وضرب الأمثال، حتى لم يبق باب هداية، ولا سبيل خير، ولا حكم حق وعدل، ولا كمال خلق، ولا حسن أدب، يحتاج الناس فيه إلى الدلالة والبيان في كل شئون الحياة، إلا وأحكم فيه القول؛ وهو ما يؤكد يقينا أنه ليس كلام بشر!
🔹 فلا يستطيع إنسان مهما أوتي من البلاغة والفصاحة، وأحاط بالعلم في كل فن، أن يتصرف في أغراض الكلام كله، وأفانينه بأبلغ عبارة، وأدق إشارة، وعلى نمط واحد: نهيا وأمرا، وحثا وزجرا، ووعدا ووعيدا، وإنذارا وتهديدا، وإخبارا وقصا، وإيجازا ونصا، وتمثيلا ووصفا، وأحكاما وحِكَما، ومواعظ وحججا، على هذا النحو المعجز! فالمعروف عن خطبائهم وشعرائهم، والمعهود من بلغائهم وفصحائهم، أن كل منهم إنما يجود القول في باب من أبواب الكلام الذي يحسنه، كالغزل أو الرثاء أو الوصف في الشعر، أو المفاخرة والمهاجاة في الخطب، ثم لا يحسن مثله في غيره من الأبواب!
🔹 ومع ذلك كله: من ظهور الإعجاز في هذا القرآن ظهورا بينا يؤكد أنه من عند الله، ومن تصريف وجوه البيان فيه في كل باب، والهداية لكل خير، بما لا يشك عاقل بأنه وحي سماوي من الله، أبى ﴿أَكثَرُ النّاسِ﴾ وهم مشركو مكة آنذاك، وهم نموذج لكل مجتمع جاهلي طاغ، إلا ﴿كُفورًا﴾ بهذا القرآن وبالنبي ﷺ، مع أنهم أعلم الناس بأنه هو الحق، وبأن ما جاءهم به محمدﷺ هو الصدق، فهم أعرف الناس بشأنه، وأعلمهم بحقيقة أمره، فمن باب أولى إباء من عداهم من الناس!
🔹 وهم لم يأبوا الإيمان به بعدم تصديقه وتركه -كما هو شأنهم مع كل من يخالفهم في دينهم من يهود ونصارى ومجوس وحنيفية، كورقة بن نوفل وزيد بن نفيل، حيث لم يكن يهم مشركو مكة أمر الدين واختلاف الناس فيه أصلا ما دام أمرهم في مكة ظاهرا، وسيادتهم على البيت محفوظة- وإنما أبوا إلا كفرا به، وجحدا له، وهو ما دعاهم لعداوته وحربه، لا اعتزاله وتركه، وهو ما كان موسى يريده من فرعون وقومه ﴿وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون﴾[الدخان:٢١].
🔹 وهذا الإباء دليل على علمهم بما هم عليه من كفر، وقصدهم لذلك الفعل، وإصرارهم لا عن جهل، وأنهم كقوم فرعون ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ [النمل: ١٤].
🔹 وبدلا من الإيمان، أو قبولهم التحدي بالإتيان بمثل هذا القرآن؛ أخذوا يقترحون على النبيﷺ ويشترطون ما يناقض حقيقة الإيمان بالغيب الذي أمروا أن يؤمنوا به! فتارة يقترحون أن يفجر لهم النبي ﷺ ينبوعا وعينا من الأرض فيجري أنهارا في مكة وجبالها القاحلة، والينبوع هو العين والنبع كثير اندفاق الماء، وهو صيغة مبالغة للدلالة على الكثرة والسعة والاشتداد، ولم يرد على هذا الوزن في القرآن إلا ينبوع ويحموم في قوله تعالى: ﴿وظل من يحموم﴾[الواقعة:٤٣] وهو دخان النار شديد السواد والحرارة، وكأن تفجير نبع واحد لا يفي بالغرض عندهم ولا يدل على نبوته، حتى يكون ينبوعا واسعا كثير الماء شديد الجريان!
🔹 ثم اقترحوا أيضا أن تكون للنبي ﷺ جنة من نخيل وأعناب فيفجر الأنهار خلالها تفجيرا، وهي صيغة مبالغة أيضا، تعنتا وعنادا منهم فيما يشترطونه للإيمان به، حتى لو فجر لهم نهرا لما كفى حتى يكون على النحو الذي أرادوه والصفة التي اقترحوها ﴿تفجيرا﴾!
🔹 ثم ازدادوا تعنتا فاقترحوا أن تسقط السماء عليهم قطعا منها عليهم، أو يأتي بالله والملائكة قبيلا فيرونهم عيانا، أو يكون له بيت من زخرف وذهب، أو يرقى في السماء، ولو فعل ذلك لما آمنوا به حتى ينزل عليهم كتابا من السماء فيقرأونه!
🔹 فرد عليهم بما هو أوضح دليل على نبوته وعدم ادعائه للنبوة ﴿سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ فنزه الله جل جلاله أن يشترط عليه أحد من خلقه شرطا، أو يقترح عليه أمرا؛ فهو بشر رسول لا يأتي إلا بما أوحى الله إليه، وليس له معجزة إلا هذا القرآن الذي هو الدليل الصادق على نبوته، والدليل إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، فمن اهتدى لنفسه، ومن ضل فعليها، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
- ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤمِنوا إِذ جاءَهُمُ الهُدى إِلّا أَن قالوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسولًا قُل لَو كانَ فِي الأَرضِ مَلائِكَةٌ يَمشونَ مُطمَئِنّينَ لَنَزَّلنا عَلَيهِم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسولًا قُل كَفى بِاللَّهِ شَهيدًا بَيني وَبَينَكُم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيرًا بَصيرًا ﴾ [الإسراء: ٩٤-٩٦]
🔹 بعد أن فند القرآن بأوجز رد، وأبلغ جواب، اقتراح المشركين واشتراطهم للإيمان بالنبي محمد ﷺ -أن يفجر لهم ينبوعا، أو تكون له جنة وأنهار، أو بيت من ذهب، أو يرقى في السماء، أو يأتي بالله والملائكة، أو ينزل عليهم كتابا من السماء- بقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا﴾، وأن وظيفة النبي هي البلاغ فقط للرسالة، وأنه فيما عدا ذلك بشر لا يملك شيئا من أمره إلا بإذن الله؛ أتبع القرآن ذلك ببيان أن هذا السبب الذي هو نفسه الذي منع الأمم الأولى من الإيمان بالله، وهو كون الرسل بشرا، فاستنكف المشركون من اتباعهم وطاعتهم، مع أن الإيمان بهم هو نفسه الاختبار الذي يبتلي الله عباده به، ليُعلم من آمن منهم بالغيب ومن كفر به!
🔹 والله جل جلاله قادر على أن يأتيهم بالآيات التي يقترحونها ويشترطونها ﴿وَقالوا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُل إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] بأن الحكمة تقتضي أن يكون الاختبار هو في الإيمان بالغيب والاتباع للرسل.
🔹 إذ نزول الملائكة حينئذ سيكون نهاية للاختبار ولن ينفعهم إيمانهم ﴿وَقالَ الَّذينَ لا يَرجونَ لِقاءَنا لَولا أُنزِلَ عَلَينَا المَلائِكَةُ أَو نَرى رَبَّنا لَقَدِ استَكبَروا في أَنفُسِهِم وَعَتَوا عُتُوًّا كَبيرًا يَومَ يَرَونَ المَلائِكَةَ لا بُشرى يَومَئِذٍ لِلمُجرِمينَ وَيَقولونَ حِجرًا مَحجورًا﴾ [الفرقان: ٢١-٢٢].
🔹 فحقيقة الإيمان الذي أرسل به الرسل جميعا هو التصديق بعالم الغيب: بالله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، فاقتراحهم أن يروا عالم الغيب برؤية الله والملائكة ورؤية كتبه وهي تنزل عليهم من السماء، كل ذلك مناف للإيمان المطلوب منهم!
🔹 ولو افترض أن في الأرض ملائكة مستخلفين فيها كما استخلف الله البشر ليعمروها ويصلحوها؛ لنزل عليهم رسلا منهم، وملائكة مثلهم، يبلغونهم هدى الله لبيان ما ينبغي عليهم فعله للإصلاح في الأرض.
🔹 وقوله: ﴿يَمشونَ مُطمَئِنّينَ﴾ يعني ساكنين مستقرين فيها، وهو قيد يفيد أن الملائكة في الأرض غير مستقرين، بل هم في حال حركة وسير دائم، ونزول وصعود بالأمر الإلهي من السماء إلى الأرض، ويتعاقبون -كما في الصحيحين- صباحا ومساء، ويشهدون أعمال العباد، ويرفعونها إلى السماء؛ ولهذا كان حكم الاطمئنان في الأرض بخلاف حكم السفر في القصر للصلوات، كما في سورة النساء: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة... فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ فجعل الاطمئنان في الأرض: الاستقرار، والسكون، وعدم الارتحال أو السفر.
🔹 والمشركون على اختلافهم أديانهم من العرب والأمم الأخرى يؤمنون بوجود الملائكة، إلا أنهم يشركون بهم، ويعبدونهم من دون الله، أو يعتقدون بأنهم بنات الله –تعالى الله-، فأمرهم القرآن بالإيمان بهم على حقيقتهم التي أخبرت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، وهو أنهم عباد لله، وعالم من عوالم الملكوت الأعلى، خلقهم الله من نور، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
🔹 ثم أمر الله رسوله محمدا ﷺ أن يرد على المشركين بالحجة الظاهرة ﴿قُل كَفى بِاللَّهِ شَهيدًا بَيني وَبَينَكُم﴾ وشهادة الله جل جلاله هي الصدق، وحكمه بين عباده هو الحق، ولو لم يكن محمدﷺ رسولا حقا؛ لأبطل الله استشهاده به، وكشف أمره لعباده، كما هي سنته المطردة في كل من افترى عليه سبحانه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينا بَعضَ الأَقاويلِ لَأَخَذنا مِنهُ بِاليَمينِ ثُمَّ لَقَطَعنا مِنهُ الوَتينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦].
🔹 والحال أن الله صدق رسوله بكل ما أخبر به، ونصره نصرا مؤزرا لم يحدث مثله لبشر من قبله، وأظهر أمره ظهورا لم يحدث لدين من قبل دينه الذي بعث به، ولا يتصور وقوع ذلك ممن افترى على الله وكذب عليه؛ فكان ذلك شهادة قاطعة من الله بأنه رسوله ونبيه، جاء بالوحي من عنده، وتحقق كل ما وعد به من آمن به، وكل ما توعد به من كفر به.
🔹 وليس كمثل الله خبيرا بعباده صادقهم وكاذبهم، بصيرا بهم وبما هم عليه من حق وباطل، وإيمان وكفر، وخير وشر؛ فشهادته سبحانه عليهم عن علم، وحكمه بينهم عن عدل، وكفى به شاهدا عليما، وحكما عادلا حكيما.
- ﴿وَمَن يَهدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهتَدِ وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُم أَولِياءَ مِن دونِهِ وَنَحشُرُهُم يَومَ القِيامَةِ عَلى وُجوهِهِم عُميًا وَبُكمًا وَصُمًّا مَأواهُم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَت زِدناهُم سَعيرًا ﴾ [الإسراء: ٩٧]
🔹 لما كان الله سبحانه وتعالى خبيرا بعباده وبما يصلحهم، ويصلح لهم، وعليما بما يخفى من نوياهم، وسرائرهم، بصيرا بأحوالهم وأفعالهم وما يأتون وما يذرون، قد أحاط بهم علما وسمعا وبصرا، وكان النبيﷺ يجد حرجا وضيقا في دعوة قومه لشدة حرصه على هدايتهم، وشدة إبائهم وتعنتهم في كفرهم، أخبره الله هنا بأن الهداية فضل الله ونعمته يمن بها على من يشاء من عباده، ويختص بها أهلها رحمة منه وفضلا، ويضل من يشاء من عباده عنها حكمةً وعدلا.
🔹 فمن هداه الله من عباده إلى الحق وسبيل الخير فقد اهتدى، ومن أضله الله عن السبيل فلا هادي له، مهما اجتهد النبي ﷺ في هدايته ودلالته إلى الطريق، ولن يجد له وليا من دون الله يهديه في الحياة الدنيا، وينجيه يوم القيامة، فهو في هذه الدنيا أعمى لا يبصر سبيل الله وصراطه المستقيم مع وضوح جادته، وأصم لا يسمع آياته وهي تتلى عليه في هذا القرآن مع فصاحته وبلاغته، وأبكم عن قول الحق والشهادة لله بالصدق بما هو أهله جل جلاله -من الإيمان به وتوحيده وطاعته- مع ظهور حجته؛ فكان الجزاء من جنس العمل يوم القيامة، إذ يحشرهم الله إلى نار جهنم عميا وبكما وصما.
🔹 وهذا كله من توحيد الله وإفراده وحده في أفعاله في الخلق، وعدم الإشراك به فيها، وأنه وحده الذي يدبر هذا الوجود بحكمته، بما في ذلك الهداية للمؤمنين، والغواية للكافرين، كما قال نوح لقومه: ﴿وَلا يَنفَعُكُم نُصحي إِن أَرَدتُ أَن أَنصَحَ لَكُم إِن كانَ اللَّهُ يُريدُ أَن يُغوِيَكُم هُوَ رَبُّكُم وَإِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [هود: ٣٤]. وكما قال إبراهيم لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَما تَعمَلونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فالهداية والغواية من كمال ربوبيته على عباده، ولهذا كانت الفاتحة للقرآن سؤال الله الهداية وصراطه المستقيم، والاستعاذة به من سبل الغواية؛ لأنه رب العالمين ﴿الحمد لله رب العالمين... اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
🔹 ولا يتصور سؤال الله الهداية، والاستعاذة به من سبل الغواية، والإجابة ليست إليه وحده! وليس في هذا إجبار وظلم لمن أضلهم الله وأغواهم من العباد، بل هذا هو العدل الإلهي المطلق؛ إذ يسّر لهم ما اختاروه من كفر مع نهي الله عنه شرعا وأمرا، وقدّر وقضى ما أرادوه لأنفسهم من شر مع كره الله له كونا وقدرا ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾[الأنعام:١١٢]، فالله هو ربهم الذي خلقهم، وقدّر أفعالهم التي فعلوها باختيارهم، وبعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ فانقطع عذرهم، وبطل اعتذارهم ﴿إِنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفورًا﴾[الإنسان: ٣].
🔹 فقد ساوى الله -وهو الملك الحق العدل- بين عباده في أسباب الهداية والنجاة كلها، فلم يفضل أحدا على أحد في أصل ذلك؛ فقد آتاهم من القدرة على الفعل للأفعال خيرا وشرا، ومن الإدراك والعقل للأشياء نفعا وضرا، ما يؤهلهم جميعا للتكليف، وأرسل لهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وعذرهم فيما لم تدركه عقولهم، أو تعجز عنه قدرتهم، ويسر لكل فريق ما اختاروه لأنفسهم، ودعاهم جميعا إلى هدايته ورحمته، وفتح لهم جميعا باب توبته، وهذا غاية العدل فيهم، ثم الله أعلم بهم وبقلوبهم وبمن هو أهل للهداية فيهديه، ومن هو أهل للغواية فيغويه ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَوَلَّوا عَنهُ وَأَنتُم تَسمَعونَ وَلا تَكونوا كَالَّذينَ قالوا سَمِعنا وَهُم لا يَسمَعونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعقِلونَ وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فيهِم خَيرًا لَأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضونَ﴾ [الأنفال: ٢٠-٢٣].
- ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُم بِأَنَّهُم كَفَروا بِآياتِنا وَقالوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبعوثونَ خَلقًا جَديدًا أَوَلَم يَرَوا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ قادِرٌ عَلى أَن يَخلُقَ مِثلَهُم وَجَعَلَ لَهُم أَجَلًا لا رَيبَ فيهِ فَأَبَى الظّالِمونَ إِلّا كُفورًا قُل لَو أَنتُم تَملِكونَ خَزائِنَ رَحمَةِ رَبّي إِذًا لَأَمسَكتُم خَشيَةَ الإِنفاقِ وَكانَ الإِنسانُ قَتورًا﴾ [الإسراء: ٩٨-١٠٠]
🔹 بعد أن فندت السورة شبه المشركين حول الوحي والنبوة، وما اقترحوه للإيمان بهما من شروط تنافي حقيقة الإيمان بالغيب؛ ذكرت شبهة أخرى للمشركين بالله الذين لا يؤمنون بالبعث واليوم الآخر، وهي السبب في كفرهم بآيات الله ونبيه وكتابه، ألا وهو استبعادهم بعث الأموات، واعتقادهم بأن الله لا يستطيع، تعالى عما يقولون، أن يعيد الأجساد -بعد أن تصير ترابا- بعثا جديدا، أو يحيها وقد صارت رفاتا ورميما.
🔹 فاحتجّ القرآن عليهم بالخلق الأول لهم، وأن الله الذي أوجدهم من العدم، وأحياهم أول مرة؛ قادر من باب أولى أن يعيدهم إلى الوجود ثاني كرة ﴿وَهُوَ الَّذي يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهوَنُ عَلَيهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعلى فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
🔹 وأن لذلك البعث وليوم القيامة أجلا لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، ولن يتعداه أحد من الخلق، بل كلٌّ صائر إليه، مهما أبى الكافرون تصديق ذلك، ومهما عاندوا في رد الآيات والمعجزات.
🔹 وقد وصفهم الله بالظلم والكفور ﴿فَأَبَى الظّالِمونَ إِلّا كُفورًا﴾ وذلك بظلمهم وإساءتهم لأنفسهم بعنادهم، واعتقادهم مثل هذا الباطل في الله ورسوله ﷺ وآياته، وبجورهم وميلهم عن طريق الحق مع وضوحه.
🔹 وكل ظالم هو كفور جاحد للحق، ساتر للحقيقة، جاحد لما يعلم في نفسه أنه الحق.
🔹 والإباء دليل صريح على أن ظلمهم وكفرهم بالله وآياته كان عن قصد، وامتناع منهم عن علم.
🔹 ثم أوردت السورة عليهم حجة أخرى كشفت حقيقة ضعفهم الذاتي، الذي لا يتناسب مع عنادهم وكفرهم وإبائهم، وهو ما هم عليه من شح وبخل وإمساك، حتى لو أن لهم ما في خزائن رحمة الله ونعمته من خير لا ينفد، لما أنفقوا منه خشية الفقر والفاقة والعُدْم.
🔹 فليس مثلهم من يتألى على الله الغني الحميد الذي بيده ملكوت كل شيء، فيقترحون عليه ما يهوونه من شروط للإيمان به، وهذا حالهم من الضعف الذاتي، والشح والخوف من الفقر، الذي يقتضي منهم الاعتراف بربهم الغني الذي يرزقهم، ويتولى شأنهم، ويدبر أمرهم، لا كفر نعمته، وجحد فضله، ورد رسوله ﷺ!
- ﴿وَلَقَد آتَينا موسى تِسعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَاسأَل بَني إِسرائيلَ إِذ جاءَهُم فَقالَ لَهُ فِرعَونُ إِنّي لَأَظُنُّكَ يا موسى مَسحورًا قالَ لَقَد عَلِمتَ ما أَنزَلَ هؤُلاءِ إِلّا رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ بَصائِرَ وَإِنّي لَأَظُنُّكَ يا فِرعَونُ مَثبورًا فَأَرادَ أَن يَستَفِزَّهُم مِنَ الأَرضِ فَأَغرَقناهُ وَمَن مَعَهُ جَميعًا﴾ [الإسراء: ١٠١-١٠٣]
🔹 كانت أسئلة مشركي مكة للنبي ﷺ عن الروح، واقتراحهم واشتراطهم للإيمان به بأن يفجر لهم ينبوعا، أو يكون له جنة، أو بيت من ذهب، أو يأتي بالله والملائكة قبيلا، كل ذلك بوحي شيطاني من يهود الحجاز، الذين كبر عليهم أن يبعث الله نبيا من العرب، بينما كانوا ينتظرونه منهم؛ فأخذوا يوحون إلى مشركي العرب من أوليائهم بهذه الأسئلة والاقتراحات لتعجيزهﷺ، وإثبات عدم صحة نبوته، وصد الناس عنه.
🔹 وقد ردّ القرآن عليهم بأن الله لا يعجزه شيء مما اقترحوه واشترطوه، وأن خزائن رحمته لا تنفد، ونعمه لا تتبدد، وليس لها حد، والتي لو كانت هذه الخزائن لهم لما تغير حالهم، ولبقوا على كفرهم، ولظلوا على شحّهم وبخلهم خشية الفقر من الإنفاق، كما هي طبيعة الإنسان بسبب فقره وضعفه الذاتي، ولمَا جادوا كما يجود الله الغني الحميد، فليس منعه سبحانه وتعالى ما سألوه واقترحوه لعجز منه، ولا لشح وبخل وخشية إنفاق من خزائنه على رسولهﷺ بأن يجعل له بيتا من ذهب، أو جنة تجري من تحتها الأنهار -كما يفتري اليهود ﴿الَّذينَ قالوا إِنَّ اللَّهَ فَقيرٌ وَنَحنُ أَغنِياءُ﴾[آل عمران: ١٨١]، وقالوا ﴿يَدُ اللَّهِ مَغلولَةٌ﴾[المائدة: ٦٤]- وإنما منع ذلك؛ لأن حكمة اختبارهم تقتضيه، فالله هو الذي يبتلي عباده ويختبرهم بما شاء، وليسوا هم الذين يبتلونه ويختبرون رسله!
🔹 ثم كشف القرآن عن حقيقة دور اليهود في هذا الوحي الشيطان الذي يوحونه إلى أوليائهم من العرب ليصدوهم عن الإيمان بالنبي محمد ﷺ، فذكر بأن شأن محمد ﷺ مع الملأ من قومه من أهل مكة، هو كشأن موسى مع الملأ من قوم فرعون وأهل مصر، وكما سأل فرعون موسى أن يأتيه بالآيات حتى جاءهم بتسع بينات، فالملأ من أهل مكة يسألون محمدا أن يأتيهم بآيات مثلها أكثر مما جاءهم به من الوحي القرآني المعجز، وكما لم تغنهم الآيات التي جاء بها موسى شيئا، ولم يؤمن فرعون وقومه مع ظهور تلك الآيات والمعجزات في دلالتها على صدق موسى، وأنه رسول من الله لهم، فلن ينفع الملأ من مشركي العرب أن يأتيهم محمد ﷺ بما اقترحوه واشترطوه؛ إذ كفرهم وكبرهم وعنادهم يحول بينهم وبين الإيمان واتباع النبي ﷺ مهما رأوا الآيات! وكما لم يكن كفر فرعون وقومه وجحدهم نبوة موسى حجة لهم، ودليلا على عدم نبوته؛ كذلك لن يكون كفر مشركي العرب وعنادهم حجة يبطلون بها نبوة محمد ﷺ.
🔹 وكل ذلك تعريض باليهود الذين أغاظهم شأن النبي محمد ﷺ، وحسدوا العرب أن يكون آخر الأنبياء وخاتمهم منهم ﴿أَم يَحسُدونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
🔹 فكل ما هم قائلونه في شأن محمد ﷺ من شبه لرد نبوته ومعجزاته؛ قيل مثله في شأن نبوة موسى ومعجزاته، وكل جواب يجاب عن موسى به؛ أجيب بمثله عن محمد ﷺ ونبوته؛ فهما أشبه نبيين في سيرتهما، وظهور أمرهما، وكتاب كل منهما، وفي شريعتهما: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِندِنا قالوا لَولا أوتِيَ مِثلَ ما أوتِيَ موسى أَوَلَم يَكفُروا بِما أوتِيَ موسى مِن قَبلُ قالوا سِحرانِ تَظاهَرا وَقالوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرونَ قُل فَأتوا بِكِتابٍ مِن عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهدى مِنهُما أَتَّبِعهُ إِن كُنتُم صادِقينَ﴾ [القصص: ٤٨-٤٩].
🔹 فتجاوزت السورة هنا مجادلة مشركي مكة في شأن ما اقترحوه من الآيات إلى اليهود الذين وراءهم يوحون إليهم بشبهاتهم، وأمرت النبيﷺ بسؤالهم عما جاءهم موسى به من الآيات التسع إلى فرعون وقومه، وكيف أنهم لم يزدادوا بعدها إلا كفرا وطغيانا، وهي:
- الآيتان الواردتان في أكثر قصة موسى: العصا ويده البيضاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَلقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعبانٌ مُبينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيضاءُ لِلنّاظِرينَ﴾ [الأعراف: ١٠٧-١٠٨].
- والخمس الواردة في الأعراف ﴿فَأَرسَلنا عَلَيهِمُ الطّوفانَ وَالجَرادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاستَكبَروا وَكانوا قَومًا مُجرِمينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣].
- والآيتان قبلها في السورة نفسها وهما انقطاع المطر دهرا، وشيوع الجوع بسب نقص الثمار والزروع ﴿وَلَقَد أَخَذنا آلَ فِرعَونَ بِالسِّنينَ وَنَقصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠].
🔹 وكما اتهم فرعون موسى بأنه ساحر ومسحور ليصد قومه عن دعوته؛ اتهم مشركو مكة النبيﷺ بالتهمة نفسها، وبأنه رجل مسحور، وساحر كذاب؛ فما زاد اليهود ومشركو مكة في موقفهم من النبي محمد ﷺ على ما كان من فرعون وملئه مع موسى وآياته، واتبعوا سبيلهم حذو القذة بالقذة!
🔹 وكما علم فرعون في قرارة نفسه أن موسى صادق فيما جاء به من الآيات البينات التسع، وأنها كلها من عند الله، حال كونها بصائر وهدايات يهتدي بها إلى الحق أولو البصيرة في العلم، وكأنما يدركون الحقائق الغيبية بأنوار عقولهم، كما يرون الحقائق الحسية بأبصارهم وعيونهم.
🔹 وكما كانت نهاية فرعون على النحو الذي توعده موسى به وهو الثبور في البحر، وثبر البحر يعنى جزر وتراجع عن اليابسة، وكذلك هلك فرعون بالغرق بعد أن جزر البحر وانفتح أمامه، حتى إذا دخل بجيشه ماج البحر بهم فأغرقهم، فصار مثبورا وهلك وذهب ملكه وماله وجاهه؛ وكذلك ستكون نهاية الملأ من مشركي مكة يوم بدر، وسيقتل فيها فرعون مكة عمرو بن هشام!
🔹 وكما أراد فرعون أن يستفز المستضعفين من بني إسرائيل من قوم موسى، ويخرجهم من مصر ويبيدهم، بعد أن ذبح أبناءهم، وأخذ نساءهم، فدارت عليه دائرة السوء؛ أراد مشركو مكة سجن النبي ﷺ أو قتله أو إخراجه من أرضهم وإبادة أصحابه فدارت عليهم الدائرة ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَروا لِيُثبِتوكَ أَو يَقتُلوكَ أَو يُخرِجوكَ وَيَمكُرونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
- ﴿وَقُلنا مِن بَعدِهِ لِبَني إِسرائيلَ اسكُنُوا الأَرضَ فَإِذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ جِئنا بِكُم لَفيفًا وَبِالحَقِّ أَنزَلناهُ وَبِالحَقِّ نَزَلَ وَما أَرسَلناكَ إِلّا مُبَشِّرًا وَنَذيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٤-١٠٥]
🔹 أعادت السورة في خواتيمها هنا الحديث عن الوعد الذي وعده الله بني إسرائيل في أول السورة، وكيف جعلهم آية للمستضعفين وتحقق لهم النصر على فرعون وقومه بالإيمان بالله والصبر كما وعدهم الله، حتى أورثهم الأرض المباركة في فلسطين، ثم جعلهم آية أيضا لكل من أعرض عن كتابه وهداياته، وأنه بعد أن أنجاهم من فرعون وقومه، واستخلفهم في الأرض، وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، كما آتى داود وسليمان، فلما كفروا بالله، وقتلوا أنبياءه، ونقضوا ميثاقه؛ لعنهم، وضرب عليهم الذلة، وقطعهم في الأرض وفرقهم في أصقاعها، وكتب عليهم الجلاء من كل أرض، كلما ظلموا وطغوا، وأفسدوا وبغوا، كما توعدهم الله بذلك ﴿وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبعَثَنَّ عَلَيهِم إِلى يَومِ القِيامَةِ مَن يَسومُهُم سوءَ العَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَريعُ العِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفورٌ رَحيمٌ وَقَطَّعناهُم فِي الأَرضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحونَ وَمِنهُم دونَ ذلِكَ وَبَلَوناهُم بِالحَسَناتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُم يَرجِعونَ﴾ [الأعراف: ١٦٧-١٦٨].
🔹 و﴿وَعْدُ الأَخِرَةِ﴾ هنا هي الكرة الثانية المذكورة في أول السورة ﴿إِن أَحسَنتُم أَحسَنتُم لِأَنفُسِكُم وَإِن أَسَأتُم فَلَها فَإِذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ لِيَسوءوا وُجوهَكُم وَلِيَدخُلُوا المَسجِدَ كَما دَخَلوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّروا ما عَلَوا تَتبيرًا﴾ [الإسراء: ٧].
🔹 قال العز بن عبد السلام في تفسيره: (﴿وَعدُ الآخِرَةِ﴾ القيامة وهي الكرة الآخرة، أو تحويلهم إلى الشام، أو نزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- ﴿لفيفا﴾ مختلطين)، وهذا التفسير -الذي ذكره العز بن عبدالسلام احتمالا، وقدمه أبو السعود في تفسيره- هو الموافق لظاهرة القرآن، ولسياق القصة في سورة الإسراء، ولم يرد لفظ: (وَعدُ الآخِرَة) إلا مرتين، وكلاهما ورد في سورة الإسراء، فحمله على يوم القيامة ليس بظاهر، وهناك فرق بين لفظ: (الآخِرَةِ) وهو يوم القيامة ولفظ: (وَعدُ الآخِرَةِ) وهو الوعد الذي توعد الله به بني إسرائيل.
🔹 وقوله هنا: ﴿اسكُنُوا الأَرضَ﴾ يعم كل الأرض، فهو اسم جنس، وليست أل هنا عهدية لأرض موصوفة كما في ﴿ادخُلُوا الأَرضَ المُقَدَّسَةَ﴾[المائدة:٢١]، وفي: ﴿مَشارِقَ الأَرضِ وَمَغارِبَهَا الَّتي بارَكنا فيها﴾[الأعراف:١٣٧]، فهذا وعده لهم حين كانوا مؤمنين مسلمين، فلما كفروا؛ قطعهم في الأرض، ونزع منهم الولاية على مساجد إبراهيم ﷺ، وخصّ به النبي محمد ﷺ ومن آمن به واتبعه، فهو أولى الناس بإبراهيم ودينه ومساجده.
🔹 وقوله: ﴿جِئنا بِكُم لَفيفًا﴾ يعني: جمعناكم مختلطين من كل صقع وبلد وقبيلة؛ وهو ما حدث لهم في هذا العصر، فجاءوا من كل حدب وصوب لفلسطين ليفسدوا فيها الإفساد الثاني، ويتحقق فيهم الوعد الرباني ﴿فَإِذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ لِيَسوءوا وُجوهَكُم وَلِيَدخُلُوا المَسجِدَ كَما دَخَلوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّروا ما عَلَوا تَتبيرًا﴾.
🔹 وبالحق أنزلنا هذا القرآن فلا شك فيه، ولا ريب يعتريه، ولا باطل من بين يديه، وبالوعد الحق المذكور في شأن بني إسرائيل نزل، ولن يخلف الله وعده، بل هو كائن كما أخبر على النحو الذي بين وفصل.
🔹 وما أرسلنا محمدا ﷺ إلا بشيرا بوعد الله لمن آمن به واتبعه وأطاعه، ونذيرا لمن كفر به وعصاه وخالف أمره؛ وهو ما وقع فعلا، فتحققت البشارة بالنصر لمن آمنوا به من المستضعفين بمكة؛ حتى جعل لهم الولاية على المسجدين الحرام والأقصى، وتحققت النذارة فيمن كفروا به وعصوه من العرب المشركين من أهل مكة، فانتزع منهم الولاية على المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، وجعلها للمسلمين عام الفتح سنة ٨ من الهجرة، ثم بعدها بسبع سنين فتحوا القدس والمسجد الأقصى، فانتزعوا ولايتها من النصارى، كما أجلا اليهود من المدينة وخيبر وتبوك، على النحو الذي أخبرت به سورة الإسراء وهي مكية، وذلك قبل هجرته ﷺ بثلاث سنين، وقبل ظهور دينه، واستحكام أمره، يوم الفرقان ببدر، ثم يوم فتح مكة!
- ﴿وَقُرآنًا فَرَقناهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكثٍ وَنَزَّلناهُ تَنزيلًا ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
🔹 كررت السورة في الخاتمة تأكيد الوعد الحق الذي وعده الله وتوعّد بني إسرائيل في أول الإسراء، ونوّهت السورة بعده بشأن هذا القرآن الذي نزل بالحق، وبالحق نزل، فأخبر بوعد الآخرة هذا، وبالنبي محمدﷺ -الذي أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليصلي بالأنبياء فيه؛ للإعلان عن إمامته العامة، ونبوته العالمية، ورسالته لكل الأمم والأديان، وولايته على مقامات إبراهيم ومساجده كلها، ولأنه هو الذي سيتحقق الوعد الحق له وبه وبأمته وهم عباد الله- بقوله تعالى: ﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا مُبَشِّرًا وَنَذيرًا﴾ [الفرقان: ٥٦].
🔹 ثم تحدثت السورة بعده عن هذا القرآن المعجز وأنه نزل ﴿قرآنًا﴾ يتلى ويقرأ، وليس من جنس معجزات الأنبياء الأخرين؛ فهو كلام الله يتلوه النبي ﷺ عليهم، ويسمعه الناس منه، ومع أنه من جنس كلامهم إلا أنه معجز لا يستطيعون أن يأتون بمثله ولا بسورة واحدة.
🔹 و ﴿وَقُرآنًا﴾ حال من الضمير المفعول في ﴿فَرَقناهُ﴾، أي: أنزلناه فرقانا بالحق بيانا للأحكام والأخبار، حال كونه قرآنا يتلى عليكم، أو فرقناه وفصلناه شيئا بعد شيء حال كونه قرآنا، وقرئت فرقْناه بالتخفيف بمعنى بيّناه وفصلنا فيه الحق أحكاما وأخبارا وحججا، وبالتشديد فرّقناه قطعناه ونجمناه في التنزيل على فترات، بحسب الحاجة لا جملة واحدة؛ ليكون أدعى لضبطه في الصدور حفظًا، وفي السطور كتابةً، ثم فهمه وفقهه، ثم العمل به، وتثبيت قلوب المؤمنين بدفع كل شبهة ترد عليهم، والإجابة عن أسئلتهم، والمحاججة به من كفروا وجادلوا فيه، ولا يكون ذلك كله إلا بتفريقه بحسب الوقائع والمناسبات، وهذا على خلاف التوراة التي نزلت جملة واحدة، إذ لم يكن يراد منها إلا تشريع الأحكام لقوم موسى؛ بخلاف القرآن فهو المعجزة، والدليل على صدق النبي محمد ﷺ، والحجة في الرد على كل من كفر به، والبيان لكل ما عليه أمم الأرض كافة من أحكام جاهلية أبطلها الإسلام؛ فناسب أن ينزل كلاما وقرآنا يحفظ في الصدور، ويحاجج به الخصوم في المجادلة، ويستدل به في الأحكام، ويذكر به في المواعظ.
🔹 وأكّد معنى ﴿قرآنا﴾ بقوله: ﴿لِتَقرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكثٍ﴾، فأمر بالقراءة له على تؤدة وترسل وفي مدة حتى يفهم ويفقه، فتقوم به حجة البلاغ والبيان، كما قال: ﴿لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَينا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ فَإِذا قَرَأناهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَينا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩].
🔹 ﴿وَنَزَّلناهُ تَنزيلًا﴾ عظيما يليق به؛ لأنه كلام الله تعالى، نزل به على محمد ﷺ جبريل أمين الملائكة ﴿نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُ عَلى قَلبِكَ..﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، فالذي أنزل القرآن على محمدﷺ هو الله ﴿تَبارَكَ الَّذي نَزَّلَ الفُرقانَ عَلى عَبدِهِ لِيَكونَ لِلعالَمينَ نَذيرًا﴾[الفرقان: ١]، وهذا نفي لكل شبهة يوردها المشركون عليه، وأنه من عند محمد، وأنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا! فنفى الله عن كتابه العزيز كل شبهة، ونسب تنزيله لنفسه جل جلاله.
🔹 كما يفيد لفظ التنزيل: التدرج في النزول به شيئا فشيئا، وهذا أدفع للشبهة، وأظهر للحجة، فإنه لو نزل عليه جملة واحدة لقيل: ربما وجده في كتب الأولين، ولا يستطيع أن يأتي بغيره، ولما تأتّى له ما تأتّى مع نزوله مفرقا حسب الحاجة، وبحسب الأسئلة والشبه التي يوردونها، فكلما نزل منه شيء جديد، تجدد البلاغ به، والبيان لأحكامه وهداياته، والتحدي بسوره وآياته، والإعجاز لهم أن يأتوا بمثله!
🔹 ثم إن نزول القرآن مفرقا على مكث ومدة طويلة دامت ٢٣ سنة أوضح دليل على أنه ليس من قول البشر؛ إذ مهما أوتي الإنسان من علم وذكاء وقوة فإنه لا يستطيع أن يكون على نمط واحد في الأداء للعلم، وعلى سنن واحد في البيان له، والتأليف فيه، بل تتفاوت درجاته في القوة والوضوح بتفاوت حال الإنسان قوة وضعفا، وفراغا وانشغالا، وهو ما لم يحدث مثله في القرآن، مع طول المدة التي تنزل فيها على النبي ﷺ، بل أوله كآخره، ومكيه كمدنيه، وطوال سوره كقصاره، في إحكامه، وإعجازه، وبيانه، ووضوحه، وجماله، وتناسبه مع كل مرحلة، مما يقطع العقل بأنه ليس من قول البشر ولا في قدرتهم ولا طاقتهم!
- ﴿قُل آمِنوا بِهِ أَو لا تُؤمِنوا إِنَّ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ لِلأَذقانِ سُجَّدًا وَيَقولونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا وَيَخِرّونَ لِلأَذقانِ يَبكونَ وَيَزيدُهُم خُشوعًا۩﴾[الإسراء: ١٠٧-١٠٩]
🔹 بعد أن نوّهت السورة بشأن القرآن، وما خصّه الله به من الفرقان، والبلاغة، والإعجاز، والبيان، سواء في قراءته وتنزيله، أو في إحكامه وتفصيله، على نحو فريد لا عهد للبشر بمثله؛ احتجت على مشركي العرب الذين كفروا به -وهم أميون لا علم لهم ولا كتاب- بإيمان أهل العلم به من أهل الكتاب الأول، وهما: التوراة والإنجيل؛ حيث ذكر فيهما خبر بعثة النبي محمدﷺ، والبشارة به، وبالقرآن الذي يوحى إليه، وبالأمة التي تؤمن به، وبالوعد الذي يتحقق بهم بما في ذلك دخول المسجد الأقصى المرة الأولى والمرة الآخرة!
🔹 وفي هذه الآية تنويه بالعلم وأهله الصادقين، الذين يشهدون بالحق، ويقولون بالصدق، ويورثهم العلم خشية من الله، وخشوعا له، وإنابة إليه، وتواضعا للحق.
🔹 ولرسوخ علم أهل الكتاب الصادقين بالنبي محمدﷺ، وإيمانهم به، ومعرفتهم بأوصافه حتى أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ احتج القرآن بهم وبما عندهم من العلم الإلهي على من كفر به من العرب والأمم، وستظل هذه الشهادة قائمة إلى آخر الدهر، كلما آمن فريق من أهل الكتاب بالقرآن، وبالنبي محمد ﷺ، وبالإسلام؛ كان إيمانهم حجة على من لم يؤمن من أهل دينهم خاصة والناس عامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفي زُبُرِ الأَوَّلينَ أَوَلَم يَكُن لَهُم آيَةً أَن يَعلَمَهُ عُلَماءُ بَني إِسرائيلَ﴾[الشعراء: ١٩٦-١٩٧]. وقال: ﴿أَفَغَيرَ اللَّهِ أَبتَغي حَكَمًا وَهُوَ الَّذي أَنزَلَ إِلَيكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ يَعلَمونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكونَنَّ مِنَ المُمتَرينَ﴾[الأنعام: ١١٤]. وقال سبحانه: ﴿فَإِن كُنتَ في شَكٍّ مِمّا أَنزَلنا إِلَيكَ فَاسأَلِ الَّذينَ يَقرَءونَ الكِتابَ مِن قَبلِكَ لَقَد جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكونَنَّ مِنَ المُمتَرينَ﴾ [يونس: ٩٤]
🔹 وقد وصف القرآن حال هؤلاء العلماء حين يُتلى عليهم هذا القرآن، وما فيه من خبر النبي محمد ﷺ، والوعد الحق الذي جاء لإنفاذه؛ بظهور دين الله ورسوله الخاتم على الأديان كلها، وأنهم لشدة إيمانهم وخشوعهم وتأثرهم بذلك يخرون للأذقان ساجدين؛ مبالغة في اعترافهم بهذه الآية التي يعرفونها من قبل، وينتظرون حدوثها، وشكرا لنعمة الله أن شهدوا هذا النبأ العظيم، والنبي العظيم، الذي طالما بشّر به الأنبياء السابقون أممهم، وذكرته كتبهم، وأخذ الله العهد والميثاق على رسله بالإيمان به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النَّبِيّينَ لَما آتَيتُكُم مِن كِتابٍ وَحِكمَةٍ ثُمَّ جاءَكُم رَسولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قالَ أَأَقرَرتُم وَأَخَذتُم عَلى ذلِكُم إِصري قالوا أَقرَرنا قالَ فَاشهَدوا وَأَنا مَعَكُم مِنَ الشّاهِدينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
🔹 وقد ذُكر هنا السجود للأذقان، يعني: يخرون على الأذقان، وجيء باللام فيها لإفادة الاختصاص، وكأنهم خصوا سجودهم بالأذقان، أو خصوا أذقانهم بالسجود؛ بيانا لشدة تمكن وجوههم من الأرض، فلم يكتفوا بسجود جباههم على الأرض وهي أعلى الرأس، حتى بالغوا بسجود أذقانهم وهي أدناه، لشدة خشوعهم وتعظيمهم الله عند شهود هذا النبأ العظيم، والوعد الحق، والمعجزة الباهرة، والآية القاهرة.
🔹 والذقن مجمع اللحية، ويظهر فيه أشرف ما في الوجه من الشعر؛ ولهذا أمر الشرع بإكرامها وإعفائها، وهي من سنن الفطرة، وسنن الأنبياء جميعا، وخرورهم لها؛ إشارة إلى أنهم من كبار علماء أهل الكتاب سنا وقدرا، ومع ذلك لا يستنكفون عن الخرور ساجدين لله أن أراهم هذه الآية الباهرة، يكادون يقبّلون الأرض باقتراب أذقانهم منها، ويلصقون وجوههم وأفواههم بها.
🔹 ويقولون: ﴿سُبحانَ رَبِّنا﴾ تنزيها له وتعظيما وتعجبا من قدرته بتحقيق ما وعد به ﴿إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا﴾ يقينا، وواقعا قطعا كما وعد، لا شك فيه، ولا ريب، وقد تحقق ببعثة محمد ﷺ ونزول هذا القرآن، واقتراب دخول أمته وعباد الله المؤمنين المسجد الأقصى؛ كما توعد الله بني إسرائيل.
🔹 ثم أكّد هذه الحال التي اعترتهم، وأنها حال اعتراف بالحق، وخشية من الرب تعالى، بالخرور على أذقانهم مرة أخرى باكين، بعد خرورهم المرة الأولى ساجدين حين يسمعون تلاوته، فإذا كانوا قد خروا أولا وسجدوا لسماع القرآن اندهاشا للتلاوة؛ فالسجود الثاني جاء خشوعا وخشية حين شاهدوا الوعد الحق يتحقق على الأرض ﴿إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا﴾.
- ﴿قُلِ ادعُوا اللَّهَ أَوِ ادعُوا الرَّحمنَ أَيًّا ما تَدعوا فَلَهُ الأَسماءُ الحُسنى وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِت بِها وَابتَغِ بَينَ ذلِكَ سَبيلًا ﴾ [الإسراء: ١١٠]
🔹 لما ذكرت السورة حال أهل العلم المتقين من علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما يعتريهم من خشية وسجود وبكاء؛ إذا سمعوا القرآن يتلى عليهم، وشاهدوا تحقق الوعد الحق ببعثة النبي ﷺ، واقتراب ظهور دينه وأمته، واقتراب دخولهم المسجد الأقصى، وكان أشد خلاف مع أهل الكتاب، وفيما بينهم أيضا، هو في شأن توحيد الله والإشراك به في الاسم، ونسبة الولد له، وتسمية غيره بأسمائه، فقال اليهود عزيز ابن الله، وقال النصارى المسيح ابن الله أو هو الله أو هو ثالث ثلاثة، وكانوا يدعون الله والابن وروح القدس، وكان الإسلام قد أبطل ذلك كله، ونعاه عليهم، وأكفرهم به؛ جاء الأمر هنا بإفراد الله وحده بالدعاء لا شريك له.
🔹 وقد فرّق القرآن هنا بين دعاء الله وحده بأسمائه الحسنى، مهما تعددت الأسماء؛ لأنها أسماء لذات واحدة، وهو الله تعالى، ودعاء النصارى وغيرهم معبودين ومدعوين باسم واحد، أو بأسماء عدة كواحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، فقطع الطريق عليهم بادعاء أن الإسلام أيضا جاء بالدعاء بأسماء عدة كالرحمن الرحيم.
🔹 وقد اعترض المشركون على النبي ﷺ حين سمعوه يدعو الله الرحمن الرحيم، فقالوا يدعو آلهة عديدة، كما ندعو آلهتنا.
🔹 فأبطل القرآن دعواهم هذه بالتفريق بين تعدد الأسماء الحسنى لمدعو واحد، وتعدد المسميات بدعوى ألوهيتها باسم واحد، كما سموا اللات والعزى لأصنامهم!
🔹 فالأسماء الحسنى -وهي أحسن الأسماء وأجملها وأكملها وأجلها- لله وحده، وهي كل اسم سمى الله به نفسه في كتابه، وأجلّ الأسماء وأجمعها لكل معاني الألوهية اسم "الله"، وهو اسم علم عليه وحده سبحانه، وأعرف المعارف على الإطلاق، ثم اسم "الرحمن"؛ ولهذا بدأت بهما البسملة بسم الله الرحمن.
🔹 وقد جاء في الحديث الصحيح: (أحب الأسماء إلى الله: عبدالله وعبدالرحمن)، إذ هما أجمع الأسماء الحسنى لمعاني الألوهية والربوبية.
🔹 وهما أخصّ الأسماء الحسنى بالدعاء، إذ الدعاء موطن افتقار إلى الله وتضرّع بين يديه، فالله هو المألوه المعبود الذي لا يُدعى عند الاضطرار إلا هو، ولا يجيب المضطر غيره ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه.. أإله مع الله﴾، واسم الرحمن أدعى للإجابة، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، سواء من آمن به ومن كفر، فكل من دعاه أجابه، بشمول رحمته لكل خلقه مؤمنهم وكافرهم.
🔹 ثم ذكرت السورة أدب الدعاء والتلاوة في الصلوات وخارجها، بعدم رفع الصوت فيها -كما يفعله أهل التوراة والإنجيل برفع أصواتهم بالدعاء وتلاوة كتبهم- وأمرت بالتوسط في الدعاء بين الجهر والإسرار، فيسمع الداعي نفسه، ومن حوله ممن يستمع لدعائه ويؤمّن عليه، ولا يرفع أكثر من ذلك؛ فهو أقرب للخشية، وأحرى لحضور القلب والملائكة، وأدعى للإجابة ونزول السكينة، وأبعد عن الضجيج؛ كما قال النبي ﷺ حين سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالدعاء والتكبير وسألوه: (أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه) فقال: (أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا)، قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعوَةَ الدّاعِ إِذا دَعان..﴾ [البقرة: ١٨٦].
🔹 وتسمية الدعاء صلاة؛ لأنه هو الغاية منها، وهو روحها، وكما في الحديث: (الدعاء هو العبادة)، فكل عبادة إنما يقصد منها دعاء الله والتوسل إليه، بلسان الحال، أو لسان المقال، بسؤال الله دفع الضر والشر، أو جلب النفع والخير، وسواء كان غرضا دنيويا، أو ثوابا أخرويا.
- ﴿وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي لَم يَتَّخِذ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَهُ شَريكٌ فِي المُلكِ وَلَم يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
🔹 ثم ختمت السورة بالحمد لله والاعتراف له بالربوبية، وشكره على كل نعمة، ومنها نعمة هذا القرآن، ونعمة بعث الرسول الخاتم ﷺ، ونعمة اقتراب الوعد الحق بظهور دينه على الخلق، واقتراب تطهير المسجدين الحرام والأقصى من رجس المشركين من العرب الوثنيين والروم النصارى القائلين بالتثليث، وهو ما تحقق في فتح النبي ﷺ مكة سنة ٨ للهجرة ثم فتح عمر القدس سنة ١٥ للهجرة. وسيتحقق -بإذن الله- في ظهور الإسلام الثاني كما ظهر أول مرة حتى تفتح روما!
🔹 وسيتحقق لهذه الأمة -بإذن الله- استعادة مساجدها الثلاثة وفتحها بعد وقوعها تحت نفوذ الحملة الصليبية وتحالفها مع اليهود وعلوهم وإفسادهم في الأرض، ثم هم من سيبدؤون بقتال المسلمين كما في حديث ابن عمر: "تقاتلكم اليهود... "، ثم يقاتلهم المسلمون كما في حديث أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود.."!
🔹 ولا يشك من له علم بالنبوءات والسنن الإلهية الكونية، أن الزمان استدار من جديد، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ، وسيظهر ويعلو من جديد كما ظهر أول مرة، فهو يتجدد كل مئة عام، كما أخبر النبي ﷺ: "إن الله يبعث على كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها"، وهو ما تعيشه الأمة اليوم من انعتاق تدريجي، من قبضة عدوها التاريخي!
🔹 والأمة ماضية بإذن الله من مرحلة الاستضعاف التي عاشتها طوال مئة عام منذ سقوط الخلافة، وفق سنن التدافع، إلى قدر حتمي موعود، ليحق الله الحق بكلماته ولو كره الكافرون، وليظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وسيبتلي الله المؤمنين بعدوهم، ليبلوهم أيهم أحسن عملا ويبتلي بهم، حتى يمكن لهم، وحتى تعود خلافة راشدة على منهاج النبوة كما وعدهم بالاستخلاف ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئًا..﴾[النور: ٥٥]
🔹 وسيتوج ذلك الاستخلاف في الأرض للإسلام بتحرير القدس والأقصى وفلسطين كلها بإذن الله، كما وعد الله، وبشر رسوله ﷺ، بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾! ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾! وإنه لوعد حق، وقول صدق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون!
🔹 والحمد اسم جنس محلى بألف؛ لإفادة عموم كل معاني الحمد، وأنها كلها لله وحده لا شريك له، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد في السماء والأرض، وله الحمد من قبل الخلق ومن بعد الخلق، وله الحمد فيما يُحب وفيما يكره، فهو المستحق وحده سبحانه للحمد استحقاقا ذاتيا؛ لأنه أهل له في كل حين.
🔹 وقوله: ﴿وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ﴾ فيه معنى الحصر والإفراد وتوحيد الله بالحمد دون غيره، وهو كقوله: ﴿فَلِلَّهِ الحَمدُ﴾ [الجاثية: ٣٦] وتقديم الجار والمجرور (فَلِلَّهِ) على (الحَمدُ)؛ لإفادة الحصر والقصر والإفراد، فلا يحمد أحد سواه؛ إذ كل نعمة هي منه وحده، وإنما غير سبب في إيصاله بإذن الله وتقديره.
🔹 كما ختمت السورة بتقرير التوحيد المطلق، ونفي الولد عن الله، لا كما ادّعى اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، ومشركو العرب في الملائكة، وأنهم بنات الله، ونفت الشريك عنه في الملك، والمعين في تصريف شئون الخلق، كما يدعي المجوس في إله النور وإله الظلام، ونفت الولي والظهير الذي يعينه في الملك، فهو الملك القيوم الغني، الذي يقوم على كل شيء في الوجود إيجادا وإعدادا وإمدادا، وهو الغني عن كل أحد، ولا يستغني عنه أحد طرفة عين.
🔹 فالله سبحانه هو الملك وحده لا شريك له كما وصف نفسه ﴿برَبِّ النَّاس. مَلِكِ النَّاس﴾ وأن ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ وحده ﴿وَلَم يَكُن لَهُ شَريكٌ فِي المُلكِ﴾ وقال النبي ﷺ: (أغيظ رجل على الله رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا الله) (وينادي الله يوم القيامة: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) فالصراع ليس مع الأوثان الحجرية فقط بل والأصنام البشرية!
🔹 وقوله: ﴿وَكَبِّرهُ تَكبيرًا﴾ يعني عظّمه تعظيما يليق بجلاله، وعظيم نعمه، وهو مناسب لفاتحة السورة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، فالتنزيه لله والتعجب من بديع أفعاله في الخلق يقتضي تكبيره وتعظيمه بنفي الولد عنه، ونفي الشريك في الملك، ونفي الولي والنصير والظهير ﴿قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعَمتُم مِن دونِ اللَّهِ لا يَملِكونَ مِثقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرضِ وَما لَهُم فيهِما مِن شِركٍ وَما لَهُ مِنهُم مِن ظَهيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]
🔹 والتكبير والتسبيح مما يُستفتح به؛ كما قال ﷺ بشأن فتح القسطنطينية الثاني: (ستقاتلون بني الأصفر في عصابة من المسلمين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى تستفتحون القسطنطينية بالتكبير والتسبيح)!
تمت بحمد الله نظرات قرآنية في سورة الإسراء، اللهم اجعلنا ممن يشرف بتحرير القدس والمسجد الأقصى ويطهره من رجس المحتل واكتب لنا اللهم صلاة الفتح فيه في ظل دولة راشدة وأمة واحدة!
ــــــــــــــــــــ
مواضيع ذات صلة:
الجهاد وحرمة النفس الإنسانية وتحريم العدوان ورسالة رفع الإشكال عن حديث الأمر بالقتال
حرمة قتل النفس الإنسانية في الإسلام وعصمتها
الثورة العربية والمواجهة الحتمية مع الدولة اليهودية