الـمقروئية

ماهيتها وأهميتها وكيفية قياسها

الدكتور خالد حسين أبو عمشة

المدير الأكاديمي – معهد قاصد لتعليم اللغات

المدير التنفيذي لبرنامج الدراسات العربية في الخارج CASA

مستشار Amideast لبرامج اللغة العربية في الشرق الأوسط

المقدمة:

اللغة – لا شكّ - وسيلة الاتصال، ونقل الأفكار، وحفظ التراث الإنساني، ونقله عبر الأجيال المتعاقبة، فهي صلة الوصل بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، وهي قوة خلاقة في حياة الإنسان. واللغة ظاهرة اجتماعية وظيفتها التعبير عن حياة الجماعات الإنسانية ومقتضيات العمران.

        واللغة كما يراها كثير من المفكرين تساهم في تحقيق فكرة التقارب والتفاهم العالميين، وذلك عن طريق تبادل الآداب العالمية، والدراسات الاجتماعية. وليست اللغة مجرد ألفاظ تنطق أو تكتب إنما أداة التفكير ووعاؤه الذي يستوعب فكر الأمة وثقافتها وحضارتها، وهي جوهر التفكير الذي لا يمكن أن يتم دون استخدام الألفاظ الدالة عليه.

        واللغة – كما هو معلوم-تتكون من مهارات أربع، هي الاستماع والتحدث، والقراءة والكتابة. فالقراءة عملية عقلية تؤدي إلى التفكير، وتشمل تقييم القارئ لما يقرأ بقبول أو رفض. وترتبط بالقراءة عمليات عقلية مختلفة تتأثر بمعطيات داخلية خاصة بالقارئ، وعوامل خارجية تتصل بالنص المقروء، وكلاهما يؤثران على استجابة القارئ النهائية لكل ما يقرأ.

        والقراءة وسيلة الطالب لاستيعاب المادة التعليمية لذا كانت عناية المدرسة بتعليم الطلبة القراءة لتكون الأساس في تعلم الطلبة، فالقراءة وسيلة اتصال بين القارئ والمادة المقروءة، وحتى يكون الاتصال فاعلاً فيتمكن القارئ من الوصول إلى المعاني المتضمنة في المادة المقروءة لا بد أن تكون المادة المقروءة مناسبة لقدرة القارئ ليتمكن من الانجذاب إلى المقروء واستخراج معانيه.

        وعليه فإن ملاءمة الكتب المدرسية لمستويات الطلبة وقدراتهم على استيعابها تعد من الخصائص المهمة لتلك الكتب، لذا وجب أن يكون الكتاب التعليمي مناسباً للقارئ من ناحية قدرة الطالب اللغوية والعقلية وميوله ورغباته. ولقد شدد البحث العلمي المتصل على فحص مدى ملاءمة الكتاب للمتعلم أي ما يُسمى بانقرائية الكتاب التعليمي. فلا تكون المواد القرائية فوق مستواهم فتفقدهم الحماسة نحو قراءتها ولا دون مستواهم فتولد لديهم الملل تجاهها. ويرتبط بكل ما سبق ذكره مفهوم الإشراكية أي إشراك الطالب في القرار التربوي.

        ولتوضيح ذينك المفهومين فإنني سأفصل في هذه الدراسة القول حول الانقرائية مفهوماً ونشأة وأهمية، بالإضافة إلى العوامل الرئيسة المؤثرة فيها سواء تلك التي تتعلق بالقارئ أو التي تتعلق بالمادة المقروءة، كما سأتطرق إلى طرق قياس الانقرائية المشهورة قديماً وحديثاً سواء عن طريق الاختبارات المختلفة أم عن طريق المعادلات الرياضية.

        وكذلك ستكون لي وقفة الناقد الفاحص لمفهوم الإشراكية المشهورة مصطلحاً، قليلة الوصف مفهوماً وممارسة. حيث سألقى الضوء على مفهومها وأهميتها ونشأتها وأبعادها  في ضوء الاتجاهات الحديثة.

مفهوم الانقرائية:

        ثمة مصطلحين يُستعملان في هذا الصدد، أولهما المقروئية وثانيهما الانقرائية، ولا أخفيكم أني كنت - من الناحية النظرية - أميل إلى المصطلح "المقروئية" وكان هدفي إيجاد الأدلة والمبررات اللغوية لاستخدام ذلك المصطلح، ولكنني وللأمانة العلمية وبسبب ما وصلت إليه من نتائج سأتبنى من اليوم فصاعداً مصطلح "الانقرائية" وذلك للأسباب الآتية:

  1. لم أجد باحثاً واحداً على وسع ما اطلعت عليه (حوالي عشرة رسائل جامعية)حاول التطرق للفرق بين المقروئية أو الانقرائية، على الرغم من أن بعض الدراسات والأبحاث التي اطلعت عليها كانت رسائل علمية نوقشت في أكثر من جامعة.
  2. إن مصطلح انقرائية يعود في اشتقاقه اللغوي إلى الفعل انقرأ، وبالعودة إلى دلالات هذا الوزن نرى بأنه يفيد المطاوعة، فنقول: أقرأَ الكتابَ فانقرأ، أي أصبح طيّعاً للقراءة.
  3. المقروئية وفق التحليل الصرفي مصدر صناعي، ألحق باسم المفعول، واسم المفعول يدل على وقوع الحدث (حدث القراءة) وما وقع عليه الحدث، أي أنه وصف فقط. فالمقروء هو للدلالة على القراءة ما وقع عليه القراءة. دون إفادة بسهولة أو صعوبة أو مطاوعة النص للقراءة.
  4. بالعودة إلى أصول علم الصرف وقوانينه نجد بأن النسبة سواء النسبة نفسها أم بالتحويل إلى المصدر الصناعي يندر حدوثها لاسم المفعول، فغالبا ما تقع للجنسية وللبلدان وللمصادر.
  5. كلا المصلحين يقابلان في اللغة الإنجليزية Readability وهذا النص يهتم أساساً في اللغة الإنجليزية بالنص المقروء. أي أنه يتناول كل العوامل النصية التي من شأنها أن تجعل النص - مهما يكن جنسه - مقروءاً ومفهوماً لدى القارئ، لذلك هي أقرب لغويا إلى الانقرائية، فمعجم وبستر -  على سبيل المثال – يعرفها على أنها:

ومن هنا فتسعى لغوياً إلى جعل النص سهلاً مرناً يسيراً، وأن يتوفر فيه شيئاً من المتعة والجاذبية، ولا صعوبة فيه على القارئ(Bernice, 1998).

        

ويعرفها Johnson بأنها السهولة التي يمكن أن يقرأ بها نص ما، وترجع إلى كل العوامل التي يمكن أن تؤثر في نجاح قراءة النص وفهمه، ويقع ضمن ذلك اهتمام القارئ ودافعيته، فضلاً عن وضوح النص وحسن إخراجه، ودرجة تعقيد الكلمة والجملة (Cotter, 2003).

بينما يرى Harris (1960) أن الانقرائية هي التطابق بين المادة العلمية المكتوبة والقدرة القرائية للطلبة الذين أعدت لهم المادة التعليمية، حيث تعد القراءة وسيلة الطالب لاستيعاب المادة التعليمية، ولذلك نجد أن المدارس تهتم بتعليم الطلبة القراءة لتكون الأساس في تعلم الطّلبة.( (http://en.wikipedia.org

فالقراءة – كما هو معلوم- وسيلة اتصال بين القارئ والمادة المقروءة، وحتى يكون هذا الاتصال فاعلاً (في الوصول إلى المعاني المتضمنة في المادة المقروءة) لا بد أن تكون المادة المقروءة مناسبة لقدرة القارئ؛ ليتمكن من الانجذاب إلى المقروء واستخراج معانيه.

ويُفهم أيضاً من كلام هاريس أن الانقرائية تعتمد على عاملين: الأول يتعلق بالقارئ من حيث القدرة اللغوية والدافعية، والثاني يتعلق بالمادة المقروءة من حيث مظهر الطباعة، والمفردات اللغوية وتركيب الجملة وطرق عرضها.

والانقرائية عند غالي وعبد الله (د.ت): هي أن يكون الكتاب – مثلاً- من حيث مفرداته وتراكيبه وجمله وأسلوبه وأفكاره في مقدور من كتب لهم أن يقرؤوه بسهولة أو بشيء يسير من الجهد. وهي عندهما أيضاً: المحصلة النهائية لعدد من العناصر التي تشتمل عليها مادة مطبوعة بما في ذلك أشكال التفاعل بين هذه العناصر، التي تؤدي إلى نجاح القراء في الاتصال بها.

وهي عندهما تتعلق بماهية اللغة المكتوبة من حيث اختيار المفردات والجمل والأساليب التي تتفاعل مع بعضها لتكوّن مضموناً ومعنى. كما تتعلق بالقارئ من حيث استعداده القرائي ونضجه العقلي وأهدافه التي يسعى إليها من القراءة. وثالث تلك العوامل هو الإخراج الفني لشكل المادة اللغوية.

ولنا أن نستخلص بعد أن عرضنا عدداً من التعريفات أن للانقرائية أبعاداً متعددة هي:

  1. المفردات وكيفية اختيارها.
  2. الجمل والتراكيب اللغوية المناسبة للدارس.
  3. الأسلوب المناسب لعرض المادة اللغوية.
  4. المحتوى الثقافي المنشود إكسابه للدارس.
  5. دافعية الدارس وأغراضه من التعليم والقراءة.
  6. الإخراج الفني للمادة المطبوعة.

وبكلمات أخرى إن مَن يتصدى لإنتاج عمل قرائي لا بد أن يضع نصب عينيه الأسئلة الآتية:

  1. لماذا أكتب؟
  2. لِـمن أكتب؟
  3. ماذا أكتب؟
  4. كيف أكتب؟

أهمية الانقرائية:

اكتسبت الانقرائية أهمية متزايدة في الوقت الحاضر، فقد اصبح الاهتمام بها لا يقتصر على ميدان التعليم- للوقوف على مستوى صعوبة المواد والأنشطة القرائية وإعدادها بالشكل الذي ينسجم مع قابلية الطلاب في الصف، بل شمل هذا الاهتمام أيضاً الآباء والصحافيين والكتاب والعاملين في المكتبات، وكما أدرك الناشرون اليوم، هذه الأهمية فوجدوا أن انتشار مطبوعاتهم ورواجها يعتمدان إلى درجة كبيرة على مدى التوافق بين مستوى فهم القراءة وقبولها من جهة، وطبيعة المادة المقروءة من الجهة الأخرى، ويعزى الاهتمام بموضوع الانقرائية إلى الزيادة الحاصلة في حجم وتنوع المواد المطبوعة والمكتوبة وزيادة الطلب عليها في شتى أنحاء العالم.

ويلاحَظُ أن لموضوع الانقرائية أهمية تربوية بالغة يحتاجها مؤلفو الكتب في تحديد مواصفات المادة لغة وعرضاً حسب سن القارئ واحتياجاته النفسية ونموه العقلي، بحيث تصل المادة التعليمية إلى أكبر نسبة من المتعلمين، وبذلك يتحقق الغرض من كتابتها وتقديمها للقارئ، وتزايدت العناية بانقرائية الكتب المدرسية بصفة خاصة، وذلك للارتباط المباشر بين ارتفاع مستوى التحصيل المدرسي وانقرائية كتب المواد الدراسية في مراحل التعليم المختلفة.

وتفيد دراسة انقرائية الكتب في جوانب متعددة، أخصها إعداد المواد المكتوبة التي تتفق ومستويات طلاب كل من الصفوف الدراسية من القدرة على القراءة تسهيلاً للفهم، وتقليلاً من فقد عمليات التعلم في المدارس، وتجنباً لما يتعرض له الطلاب من إحباط أو يأس في حالات ضعف فهم المطلوب وقلة التحصيل والرسوب.

كما أن معرفة مستوى الكتب المدرسية من حيث السهولة والصعوبة مما يفيد بالتنبؤ بالمستويات التحصيلية التي يمكن أن يحققها الطلاب في قراءة ما يخصص لهم من كتب المواد الدراسية، ويساعد في تفسير نسبة نجاح الطلاب ومدى تحصيلهم لمادة تعليمية يطلب المعلم منهم قراءتها. إذ يمكن أن يكون سبب عدم نجاح الطلاب في التحصيل كون الكتاب غير ملائم لهم. إضافة لذلك فإن الانقرائية تؤدي إلى تعلم أفضل وتذكر أفضل، وتساعد على اكتساب عادة السرعة في القراءة.

        ويزعم بعضهم بأنّ للانقرائية جذوراً تاريخية تمتد إلى أرسطو والعرب القدامى، وأظنّ أن في ذلك مبالغة شديدة، حيث إن جل ما ورد من ملاحظات لا تتعدى كونها إطارات عامة تحكم الكلام أو الكتابة سواء أكان لأغراض تعليميّة أم غيرها حيث إن البداية الحقيقية تعود إلى أوائل القرن العشرين.

        وقد وضع William and DuBay (2004) بعض التوجيهات والتحديدات للانقرائية جمعاها من خلال أعمال كثير من الباحثين، وقد سمياها بالقواعد الذهبية للكتابة، أبرزها:

العوامل المؤثرة في الانقرائية:

يشير معظم الأدب التربوي إلى أن العوامل المؤثرة على الانقرائية تقسم إلى عوامل:

أما التي تتعلق بالقارئ فأبرزها:


أما العوامل المتعلقة بالمادة، فأبرز مجالاتها: الطباعة، والصور والرسومات، والمفردات.

ومن التوزيعات اللطيفة لتلك العوامل المؤثرة في الانقرائية:


وفي الحقيقة فإنه منذ بداية القرن العشرين والمحاولات جارية لتعيين العوامل المؤثرة على النص المكتوب، ولها تأثير في تعيين مدى انقرائية المادة المكتوبة وملاءمتها للمتعلمين في مستويات تعليمهم المختلفة، وحسب نوعية المواضيع المتعلمة، وانتهت نتائج تلك الأبحاث والمحاولات إلى تحديد أهم العوامل المشتركة في المجالات الآتية:

وإليكم تفصيل ذلك:

الكلمة:

تعد الكلمة أول عامل من العوامل المؤثرة في الانقرائية لذا كان لابد من الاهتمام باختيار كلمات النصوص التي تقدم للطلبة حيث إن الكلمة الغريبة أو غير المألوفة لديهم تجعل لديهم من الصعوبة في تعلم القراءة كما أنها تعوق الفهم، وتشعرهم بالعجز، لذا ينبغي استخدام الكلمات السهلة المألوفة دون الاضرار بطبيعة اللغة، وهذا لا يعني عدم إضافة كلمات جديدة للنص المقدم للطلاب؛ وإنما ينبغي إضافة كلمات جديدة بالتدرج مع تكرارها تكراراً حتى تصبح الكلمات الجديدة مألوفة لديهم، ويسهل عليهم استعمالها. ولهذا السبب بدأ منذ مطلع القرن الماضي ظهور قوائم المفردات السهلة أو الأكثر شيوعاً واستخداماً في لغاتٍ شتّى.

كما يؤثر طول الكلمة أو قصرها في الانقرائية فكلما كانت الكلمات أقصر كانت أسهل على الطالب، كما صعوبة الكلمات تزداد تبعاً لزيادة عدد حروفها، وبذلك تصبح الكلمة القصيرة أسهل فهماً من الكلمات الطويلة.

أي أنّ تواتر الكلمة وطولها وحسيتها وتجريدها وتشابهها واختلافها في الأصوات من عوامل الانقرائية.

ويؤثر نوع الكلمة في مستوى الانقرائية حيث إن أكثر الكلمات تكراراً هي الأسماء تليها الأفعال، كما تدل على ذلك قوائم الكلمات الشائعة والأسماء أقرب إلى الواقع من الأفعال لأنها تدل على وجود ذاتي أو معنوي، والأفعال أحداث في زمن، والزمن  أكثر تجريداً من معنوية الأسماء، وهناك عوامل أخرى في مجال الكلمة تؤثر في الانقرائية هي الكلمات عديدة المقاطع والكلمات الصعبة في النص والكلمات التي تحمل معنى غير المعنى الحرفي.

الجملة:

يؤثر طول الجملة في تحديد سهولتها وصعوبتها فزيادة كلماتها تؤدي إلى صعوبة المادة المقروءة وقلتها تؤدي إلى سهولة هذه المادة. لأن طول الجملة يتطلب من القارئ ربطاً بين الأفكار المتداخلة مما يجعل القارئ غير مستعد لذلك علاوة على أن الطالب يتعجل تمام المعنى، وطول الجملة ربما يصرفه عنه.

 وليست الجملة القصيرة هي الأسهل دائماً وفي جميع الأحوال، فعدد كلمات الجملة ليس مبرراً كافياً لسهولتها، ولكن يحب مراعاة عوامل صعوبة الكلمة ضمن نطاق الجملة، ومنها مراعاة مدى شيوع الكلمة، لذا ينبغي أن تكون الجملة مناسبة لمستوى الطالب في المرحلة العمرية التي يكتب لها. كما أن نوع الجملة يؤثر في سهولتها، فالجملة الاسمية أسهل من الجملة الفعلية لأنها تبدأ بالاسم الذي هو في الغالب أسهل من الفعل.

كما يعزو كثير من المدرسين صعوبة فهم النصوص إلى صعوبة تركيب الجمل فيها، ويرى طعيمة (1985) أن مراعاة سهولة المفردات في الجملة لا يكفي لأن تكون الجملة سهلة، لأن المفردات الصعبة يمكن الرجوع إلى معانيها في المعجم، لكن الصعوبة الحقيقية هي في التراكيب اللغوية المعقدة.

ومن الممكن أن يعود التعقيد في التراكيب اللغوية إلى عدة أسباب منها:

وبذلك فإن الانقرائية تتأثر بالتعقيد النحوي، حيث يزداد الفهم في النصوص ذات التقعيد النحوي البسيط على حين يقل الفهم في النصوص المعقدة نحوياً.

الأفكار:

يعتمد الجوهر الرئيسي للموضوع على أفكاره، ولذا يجب أن نراعي السهولة والدقة والتنظيم في عرض أفكار الموضوع. فهناك ضرورة أن تكون الفكرة الأساسية للموضوع واضحة وصريحة، والسعي لتعزيز الفكرة الخاصة إذا كانت تتضمن مفاهيم جديدة على الطلبة؛ فإن ذلك مما يساعدهم في فهم الأفكار بيسر وسهولة. فسهولة الأفكار ووضوحها يؤثران في الانقرائية فالأفكار المعقدة لا تصلح للقراءة السهلة ويجب ألا تركز الفكرة في عدد قليل من الكلمات، وألا تختلط أجزاؤها وفروعها وأقسامها بحيث يصعب على القارئ معرفة معالمها الرئيسة.

ويؤكد الباحثون على عنصري الوضوح والتنظيم في الأفكار إذ " ينبغي عند تقسيم الموضوع أن نرتكز على فكرة رئيسة واحدة تتفرع عنها مجموعة قليلة من الأفكار الواضحة الملموسة المنظمة تنظيماً منطقياً".

ويجب أن تكون الأفكار مرتبطة بالأحداث الجارية والبيئة لتشجيع القارئ على القراءة وأن تكون متماسكة ومنتمية إلى الفكرة العامة للموضوع لتسهل فهم الطالب للنص المكتوب وتدفعه إلى الاهتمام إذا ما كانت مرتبطة بخبراته السابقة وميوله.

كما أن صحة الأفكار ودقة المعلومات مؤثرة جداً في انقرائية النص فعندما يشك القارئ في صحة الأفكار أو دقة المعلومات التي يقرأها فإنه ينفر من القراءة لاستهانته بما يقرأ.

إنّ ترابط أفكار النص القرائي وتسلسلها، وعدم ازدحام النص بالأفكار واشتمال الفقرة على فكرة واحدة من العوامل المساعدة في انقرائية النصوص القرائية، وإن ازدحام النص بالأفكار وطول الموضوع المقروء من العوامل المؤثرة سلباً في انقرائية النصوص حيث يجد القارئ صعوبة في الربط بين هذه الأفكار.


الأسلوب:

يتأثر مستوى الفهم للمقروء تأثراً كبيراً بأسلوب الكاتب فعندما يعالج الكاتب فكرة معينة بأسلوب شائق سهل فإن القارئ يفهم الفكرة ويستمتع بها، ولكن إذا عالج الفكرة نفسها بأسلوب ممل معقد، فإن القارئ لا يفهمها، ولذا كان للأسلوب أهمية قصوى في تحديد المستوى القرائي المناسب، فسهولة الأسلوب تزيد من فهم النص، فعندما يعالج الأسلوب الكتابي الأشياء المألوفة  في حياة الناس فإنه يصبح شيقاً ممتعاً لأنه عندئذ يستعين بالمعلوم ليوضح المجهول، ويمكن تحقيق هذه الفكرة بالإكثار من التشبيهات والأمثلة الواقعية، والاستشهاد بالآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، والاستعانة بالأسماء المعروفة للأماكن والأفراد والحيوانات.

إن نوع الأسلوب يختلف باختلاف طبيعة المادة المكتوبة وتبعاً لتباين مستويات الطلبة، فمن الأنواع الرئيسة للأساليب الكتابية الحوار والقصّ والوصف. والحوار أسهل هذه الأنواع وأقربها إلى لغة التخاطب والحديث والكلام العادي، والقصص مزيج من الحوار غير المباشر والترتيب الزمني للأحداث مع وصف الأماكن والأشخاص والحالات الاجتماعية. أما الوصف الصريح فيتجرد إلى حد كبير من النواحي الشخصية وهو لذلك أكثر الأساليب بعداً عن المستويات الأولى للسهولة.

لذا لابد من استعمال لغة سهلة القراءة والفهم للطلاب ويكون مستواها مناسباً للقدرة اللغوية للطلاب فمن العبث أن يقرأ الطالب نصاً لغوياً لا يرقى أسلوبه لمستوى الطالب ولا يلائم قاموسه اللغوي وإن من صعوبة الأسلوب استخدام الكاتب في نص ما صيغاً تعبيرية صعبة مثل استخدام المجاز والاستعارة والكناية وغيرها من الصيغ التعبيرية البيانية (رضوان، 1960).

وقد أضاف سليمان (2002)  بعض العوامل الأخرى المؤثرة في الانقرائية، هي:

وهي عوامل تتصل بالدافعية والاهتمام بالمشاعر العاطفية، وبالاستعدادات العقلية عند القارئ، مثل: الذكاء، والقدرة على التفكير، ومراحل التفكير التي تتطور عند المتعلم في سني عمره المختلفة (من الحسي إلى التجريدي). فكلما كانت الدافعية أقوى يستطيع القارئ التغلب على مادة قرائية أصعب.

وتشمل وضوح الخط، وحجم الحروف، وشكل الصفحة وحجمها، وكيفية توزيع المادة عليها من كونها متراصة أو متباعدة، وكذلك التشكيل، فجميع هذه العوامل تؤثر على مدى الاستيعاب والفهم للمادة المقروءة.

مثل كمية الضوء، والحالة الجسمية (تعب، مرض) ودرجة الحرارة المحيطة، وكون القارئ يجلس بشكل مريح على المقعد أو الفراش.

طرق قياس الانقرائية:

        

1- أسلوب الأحكام:

يعد أسلوب الأحكام أكثر طرق قياس الانقرائية قدماً وشيوعاً، فالكثير من الكتاب والناشرين والمعلمين والعاملين في المكتبات يعتمدون على خبرتهم وحدسهم وممارستهم أو على ما تعلموه واكتسبوه من مبادئ في تحديد الكتب والمطبوعات لمختلف القراء. وطريقتهم في التقدير تقوم على وضع المواد القرائية في مستويات متباينة من الصعوبة كأن تكون صعبة أو متوسطة أو سهلة(سليمان، 2002).

وعلى الرغم من أن طريقة الأحكام طريقة سهلة لا تحتاج إلى وقت كبير في إجرائها وهي كثيرة الانتشار إلا أنها هوجمت من بعض الباحثين الذين اعتبروها ذاتية النتائج، فضلاً عن التباين في أحكام المحكمين، وضعف فاعلية المعايير. وعلى الرغم من ذلك فقد اعتمدت طريقة الأحكام في العديد من الدراسات فاستخدمها ديل وشيل للتعرف على صدق نتائج معادلاتهم وقد أشار كلير Klare إلى أن أحكام القراءة يمكن أن تكون أداة مفيدة في بناء معادلات الانقرائية إذا استندت إلى مجموعة من المعايير التي يضعها المحكم، سواء فيما يتعلق بالمحتوى وصعوبته ومفرداته (2004, William and DuBay)؛ ولذلك استخدم هذه الطريقة العديد من الباحثين في لغات مختلفة، والاتجاه الحديث اليوم في المناهج التعليمية والمبني على تكليف طواقم لكتابة المادة التعليمية وتجربتها وتعديلها بموجب الملاحظات المأخوذة من المعلمين والطلاب والمتخصصين واشتراك عدة أشخاص في تأليف المادة يجعلها ملائمة وذات نسبة عالية من الانقرائية.

2- اختبارات الاستيعاب:

لعل قدرة طلبة صف ما على استيعاب المادة التعليمية التي أعدت لذلك الصف تبين انقرائية المادة التعليمية، لهذا كانت اختبارات الاستيعاب وما زالت من الطرق الأساسية في قياس انقرائية المادة التعليمية (سليمان، 2002).

إنّ قياس الانقرائية عن طريق اختبارات الاستيعاب يقوم على ثلاثة مستويات: الترجمة والشرح، والتأويل، ويقصد بالترجمة التعبير عن نص معين بعبارات وألفاظ جديدة مع المحافظة على المعنى الأصلي، أما الشرح، فيعني بيان وتوضيح الأفكار المتضمنة في النص، ويتطلب من الشارح إعادة ترتيب وتنظيم، أمّا التأويل، فيقصد به استنباط معانٍ وأفكار غير صريحة في النص اعتماداً على الأفكار الصريحة فيه.

إنّ قياس الانقرائية عن طريق اختبارات الاستيعاب يقوم على اختبار عينة من نصوص المادة التعليمية المراد قياس مقروئيتها وبشكل عشوائي بحيث تكون العينة ممثلة، ثم يوضع اختبار استيعاب يشمل المستويات الثلاثة الشرح، والترجمة، والتأويل، لكل نص من النصوص المختارة يتصف الاختبار بالصدق والثبات ويطبق على عينة ممثلة من الطلبة المراد قياس استيعابهم للمادة التعليمية، ثم تحسب متوسطات علامات الطلبة على الاختبارات، وتعد هذه المتوسطات مؤشراً على مستوى انقرائية المادة التعليمية.

ويصنف أداء الطلبة على اختبارات الاستيعاب إلى مستويات ثلاثة: وهي:

ولعل أهم الانتقادات الموجهة لهذه الاختبارات كمقياس للانقرائية أن نتائج الاختبارات تعكس صعوبة أسئلة الاختبار أكثر مما تعكس صعوبة النص، ويحتاج هذا النوع من الاختبارات إلى قدر كبير من الوقت والجهد عند وضع الأسئلة التي تقيس العمليات الذهنية المحددة.

3- أسلوب كلوز (التتمة):

كلمة كلوز مشتقة من الكلمة الإنجليزية Closure أي مفهوم الإغلاق. وقد بُنِي أسلوب كلوز على أساس نظرية الجشتالت، أي أن لدى الفرد استعداد فطري لإكمال الموقف الناقص متخلصاً بذلك من التوتر الذي ينشأ عنده بسبب عدم اكتمال الموقف (دعنا، 1988).

وتشير جل الأدبيات التربوية في هذا المجال إلى أنّ أوّل مَن طور هذا الأسلوب هو تايلور Taylor في خمسينيات القرن العشرين حيث اعتبره أداة ثابتة في قياس الانقرائية(2004, William and DuBay)، ويبدو لنا أنّ اختبار (الكلوز) أضحى منافساً قوياً لاختبارات الاستيعاب في قياس الانقرائية حيث يتميز بمرونته في إعداد نماذج متعددة من الاختبار للنص الواحد عن طريق تغيير الكلمات المحذوفة، بالإضافة إلى أنه يقلل من فرص التخمين (www.gopdg.com).

كما يمتاز هذا الأسلوب بسهولة بنائه وتفسيره، ويستخدم هذا الأسلوب اليوم لفحص انقرائية الكتاب التعليمي، وحسب هذه الطريقة يحذف من النص المكتوب كل كلمة خامسة أو سادسة، ويعطى الطلاب فرصة لتعبئة الفراغ بوضع الكلمات الناقصة وإكمال المعنى، فإذا نجح في مستوى معين بنسبة 80% يمكن القول عن هذا الكتاب بأنه ملائم من حيث مقروئيته لمستوى الطلبة الذين أعد لهم، وتعد طريقة كلوز طريقة ميكانيكية عامة لكل النصوص القرائية تمتاز بالموضوعية وتوفر الكثير من الوقت والجهد المبذولين مقارنة بإعداد اختبارات الاستيعاب.

ويصنف أداء الطلبة  على اختبار (الكلوز) إلى ثلاثة مستويات:

  1. المستوى القرائي المستقل. وهو المستوى الذي يستطيع الطالب فيه قراءة النص واستيعابه دون إشراف المعلم ومساعدته، ويتحدد بحصول الطالب على علامة تتراوح بين 61% - 100%.
  2. المستوى القرائي التعليمي. وهو المستوى الذي يستطيع فيه الطالب قراءة التص واستيعابه بمساعدة المعلم وإشرافه، ويتحدد بحصول الطالب على علامة تتراوح بين 41% - 60%.
  3. المستوى القرائي الإحباطي. وهو المستوى الذي يعجز عنده الطالب عن قراءة النص واستيعابه حتى بمساعدة المعلم وإشرافه، ويتحدد بحصول الطالب على علامة تقل على 41%  (الناجي، د.ت)

وقد أثبتت بعض الدراسات العلمية في الجامعات العربية صدق أسلوب الكلوز لقياس انقرائية النصوص العربية.

  1. معادلات الانقرائية:

يعود ظهور معادلات الانقرائية إلى عشرينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعد كتاب ثورانديك الموسوم بـِ  The Teacher’s World Bookالأول في مجاله، وقدجاء بعد صيحات من مدرسي العلوم في المدارس الأمريكية، هل علينا تدريس العلوم ونظرياته ومعادلاته أم مصطلحات اللغة الإنجليزية؟! وظهر بعد كتاب ثورنديك دراسة Bertha Lively في عام 1923 (2004, William and DuBay) ثم توالت بعد ذلك ظهور قوائم المفردات ودراسة معدلات تكرارها في الصحف والإذاعات ووسائل الإعلام الأخرى(www.gopdg.com).

ويعد الكثير من المشتغلين في ميدان القراءة أن المعادلات أكثر طرق قياس الانقرائية قبولاً ويتطلب تطبيق المعادلات اختيار نص وتحليله في ضوء عدد من المتغيرات اللغوية التي تمثل مستوى صعوبة النص، وهذه المعادلات طورت في العالم الغربي وبشكل خاص في اللغة الإنجليزية، وقد بلغت في ثمانينيات القرن الماضي ما يقارب 200 معادلة نتج عنها أكثر من ألف دراسة(2004, William and DuBay)، وقد عرفت هذه المعادلات بأسماء الأشخاص الذين طوروها وأثبتوا صلاحيتها مثل Dale, Guning Fog, Chale, Flesh, Smong, Fry  (www.juicystudio.com)  (2004, William and DuBay) واستعمالها يتطلب عملاً إحصائياً وتحليلاً ومقارنة النتائج مع جداول قائمة بالاستناد إلى العوامل اللغوية (سليمان، 2002).

وينصح هاريسون Harrison باختيار الصيغة المناسبة من بين العدد الهائل من هذه الصيغ والمعادلات، وأهم معايير الاختبار هي: الصدق، والثبات، وقدرتها على تحديد المستوى بدقة بجانب سهولة الاستخدام، ولم تسلم هذه الصيغ من نقد حاد وتهوين من قدرتها على قياس صادق للانقرائية لاعتمادها على متغيرات لغوية ربما تعوزها الدقة.

وإن الدراسات في مجال الانقرائية لم تقتصر على لغة بعينها بل شملت أكثر من لغة كالإنجليزية والفيتنامية والروسية واليابانية والألمانية والتايلندية.

أما اللغة العربية فما زالت تفتقر إلى دراسات وبحوث في مجال انقرائية الكتب المدرسية بشكل عام، وانقرائية كتب اللغة العربية بشكل خاص، حيث إن عدد الرسائل العلمية في هذا الصد تكاد لا تتجاوز أصابع اليد. وإن الالتفات إلى عوامل الانقرائية في هذه البحوث والدراسات العربية جاء بشكل لم يكن مقصوداً لذاته.

أما بالنسبة لما تذكره بعض الرسائل الجامعية من أن هناك معدلات عربية تنسب إلى داود والهيتي وغيرها، التي تعتمد على حساب معدلات متوسط طول الكلمة والجملة فإنها ترجمة فعلية لا تزيد ولا تنقص عمّا ورد في المعادلات الأجنبية، وإنّ ذلك يجافي الأمانة العلمية، فإذا نظرت إلى تلك المعادلات أدركت أنها أجنبية الاختراع.

يتبين مما سبق أن هنالك حاجة ماسة في الوطن العربي بعامة، وفي الأردن بخاصة إلى تحديد مستوى انقرائية الكتب المدرسية المقررة لصفوف المرحلة الأساسية، وما يليها، ولا سيما كتب اللغة العربية.


الإشراكية:

تمهيد:

إذا كان التعرّف على درجة انقرائية الكتب المدرسية من وسائل تقويم الكتب المدرسية وتطويرها فإن إشراكية الكتاب المدرسي للطالب لا تقل أهمية عن ذلك. وقد أحسن Fraser (2004) القول لما شرع في الحديث حول الإشراكية، إذ يقول: عندما نتحدث عن الإشراكية، هل لدينا مفهوماً مشتركاً (متفقاً عليه) عن نوعية الإشراكية التي ينبغي أن تأخذ مكانها في العملية التربوية؟ فعلى سبيل المثال، هل ينبغي أن نشرك الطلبة في تخطيط المنهج وتصميمه، وفي مجال الإدارة، وفي العملية التعلمية التعليمية؟

يظهر في الأدب التربوي عدم وجود تعريف محدد للإشراكية، فيذكر أحد الباحثين - على سبيل المثال - أن إشراكية الكتاب المدرسي تعني: الأسلوب الذي يتم فيه عرض المادة التعليمية في الكتاب المدرسي بشكل يساعد الطالب على الاستيعاب ويحفزه على الاستقصاء والاستفسار وحل المشكلات متحدياً بذلك تفكيره، ومفسحاً له الفرصة ليناقش ويعبر عن آرائه، ولا يكون ذلك إلا من خلال تضمين الكتب المدرسية النشاطات الهادفة والتدريبات اللغوية والأسئلة السابرة التي تشجع على تبادل وجهات النظر بين المعلم والطلاب من جهة، وبين الطلاب أنفسهم من جهة أخرى، مبتعدة بذلك عن أسلوب السرد والتلقين الذي يكبح أفكار الطلاب(ناجي، 2003).

إنّ رؤية ناقدة لهذا التعريف تظهر بوضوح قصور هذا التعريف، حيث ينظر إلى الإشراكية على أنها إشراكية الطالب في المنهج التعليمي، فيما أرى أن إشراكيته يجب أن تتخطى حدود المنهج إلى العملية التعليمية التعلمية ككل، فيجب أن يكون له دور في كل المجالات من التخطيط إلى التصميم والتنفيذ، إلى الإدارة بل في طريقة اختيار طريقة التدريس المناسبة إلخ.

ويغلب الظن أن الذي دفع الباحثين العرب إلى تبني هذا الرأي (إشراكية الطالب في الكتاب) ما أكّده اللقاني (1981) على أنّ الكتب المدرسية في العالم العربي تركز على الحقائق المجردة التي لا تترك للطالب الفرصة للمشاركة فقد بقيت الكتب المدرسية تهتم بالحقائق والمعلومات التي يُطلب إلى الطالب حفظها واسترجاعها، مع أن النظريات الحديثة في التربية تشير إلى مفاهيم جديدة تؤكد على ضرورة التركيز على قدرات الطالب من حيث الاستفسار والاستكشاف وحل المشكلات، ولكن الكتب المدرسية قليلاً ما تفسح المجال أمام الطلبة للاندماج في مثل هذه الأنشطة.

وجلي للعيان أنّ الكتاب المدرسي في معظم الدول العربية يعدّ المصدر الوحيد للمعرفة كونه يضم كلّ ما يجب على الطالب أن يتعلمه، وكأنها منزلة لا مجال لمناقشتها أو الزيادة عليها. لذلك ظهرت دعوات هنا وهناك تدعو إلى تطوير الكتب المدرسية وإحداث نقلة نوعية في أسس تأليفها،  لتواكب الطالب متطلبات العصر في جعل الطالب محوراً للعلمية التعليمية التعلمية.

ولعل الغالب في كتب القراءة – على سبيل المثال- اهتماما بالمعلومات التي تجعل من الطالب وعاء لنقل وحفظ وتذكر المعلومات، فهذه الكتب تعتبر المادة هي الهدف، والأصل أن تكون المادة التعليمية وسيلة للوصول إلى الهدف بحيث تسمح للطالب بإبداء الرأي والمناقشة.

ويُرجِع سعادة وإبراهيم (2004) هذا المفهوم الخاطئ للكتاب المدرسي من أنه ناتج عن النظام التعليمي الذي يعتمد على امتحانات الذاكرة. وقد أضافا نقداً آخر للكتب المدرسية في الدول العربية وهو افتقارها إلى وثائق أصلية.

ويرى الوكيل والمفتي (2005) أن تطوير الكتاب المدرسي في عالمنا العربي أصبح ضرورة ملحة ليستطيع الطالب مواجهة المستجدات ووضع الحلول للمشكلات وابداء الرأي، من أجل ذلك يجب التركيز على تزويد الطلاب بالمعلومات التي تمكن الطلاب من إشباع حاجاتهم وتتماشى والتقدم العلمي بما فيه من اختراعات وتكنولوجيا حديثة بحيث تساعد على تكوين اتجاهات ايجابية قادرة على بناء الشخصية القوية للطالب. ويضيف إلى هذه المناحي أهمية التركيز على التعلم الذاتي وذلك عن طريق تشجيع المطالعة الخارجية الذاتية التي تجعل من الطالب محباً لكل ما هو جديد وتعوده الاطلاع المستمر لأن المقررات المدرسية والجامعية لن تستطيع الإلمام بكل جديد لأن المعرفة متجددة ويصعب حصرها في كتاب بعينه.

وقد أكد سعادة وإبراهيم (2001) على ضرورة عرض المادة التعليمية في الكتب المدرسية على صورة مشكلات لتضفي نوعاً من الحيوية والفاعلية على طرق التدريس لا سيما وأن العرض التقليدي للمعلومات يضفي على العلاقة بين المعلم والطالب صفة الملل.

ولعل من أفضل الأنماط التعليمية التي تساعد على الابتكار كما يراها اللقاني(1981) ذلك النمط الذي يقوم على القراءة النافذة من خلال أسئلة واعية توضع في نهاية كل وحدة دراسية تشجع الطالب على إبداء رأيه ومناقشة ما يقرأه مبدياُ وجهة نظره في الاتفاق أو الاختلاف مع ما يقرأ.

ولقد أدرك المشاركون في المؤتمرات التربوية المحلية والدولية ضرورة تطوير الكتب المدرسية بحيث تتهيأ الفرص للطلاب لمناقشة وإبداء آرائهم فيما يقرؤون، فقد جاء في التوصية رقم 48 لسنة 1959 للمؤتمر الدولي العام ما يلي: ينبغي أن تكون الحقائق والأفكار والمعلومات والتدريبات والمقترحات والنصوص التي يقدمها الكتاب المدرسي لطلابه مهيأة ومدروسة من قبل المؤلف ومصممة على نحو يسمح ويشجع على تبادل وجهات النظر بين المعلم والطالب.

ومن هنا أدرك مؤتمر التطوير التربوي في الأردن ضرورة اتباع آلية جديدة في إعداد الكتب المدرسية بحيث يؤخذ بطريقة المشروع المتكامل حيث يكون هذا الفريق متخصصاً وملماً بالجوانب العلمية والنفسية والتربوية واللغوية والفنية.

وقد حرص القائمون على تنفيذ توصيات مؤتمر التطوير التربوي فيما يخص المناهج على إحداث نقلة نوعية في تأليف الكتب المدرسية لتواكب متطلبات التطوير وتجعل من الطالب محوراً للعملية التعلمية التعليمية، وقد تمثل هذا في الانتقال في الدور التقليدي للطالب كمستمع إلى مشارك فعال في الموقف الصفي ولا يكون هذا إلا من خلال كتب تتضمن نشاطات تشرك الطالب وتتيح له الفرصة العملية في البحث والمناقشة وإبداء الرأي.

ولا بد أن تتزامن عملية تأليف الكتب المدرسية وتطبيقها مع برامج تدريبية مكثفة ومستمرة للمشرفين التربويين والمعلمين الذين سيقومون على تنفيذها، ولا بد أن يرتكز المحور العام للتدريب على مناح ثلاثة، هي: تعليم التفكير ومراعاة الفروق الفردية والمنحنى العملي في التدريس.

ولبيان دور الطالب فإنه يتتطلب إحداث تغيير في التخطيط اليومي والفصلي للمعلم بحيث يتضمن التخطيط بيان دور الطالب الذي كان مغفلاً في مناهجنا السابقة.

لهذه الأسباب ولغيرها لقد أكد الفريق الوطني الأردني – على سيبل المثال- لمبحث اللغة العربية على أهمية إشراكية الكتاب المدرسي للطالب حيث حدد أهداف اللغة العربية في مرحلة التعليم الأساسي – على سبيل المثال- وكان من بينها:

  1. أن يستوعب الطالب مضمون ما يقرهأ× أهأه أو ما يسمعه.
  2. أن يستطيع الطالب التفاعل مع ما يقرأه أو يسمعه ومناقشته وإبداء رأيه فيه.

ففي هذين الهدفين ما يؤكد على ضرورة تطوير الكتب المدرسية لتتناسب صعوبتها ومستوى الطلبة بحيث يتمكنون من استيعاب ما يقرأون وتعطيهم الفرصة التي تمكنهم من التفاعل مع ما يقرؤون. وقد انبثقت هذه الأهداف عن توصيات المؤتمر الوطني الأول للتطوير التربوي الذي انعقد عام 1987، حيث أكد في التوصية الخامسة من توصياته التي تخص المناهج على ضرورة اتباع نسق جديد في تأليف الكتب المدرسية يبتعد عن السرد ويعتمد على أساسيات المعرفة والتفكير الناقد والتحليل والربط والتفسير ليبعث على التعلم الذاتي والتفكير العلمي عند المتعلم.

اتجاهات حديثة في فهم الإشراكية:

إن الإشراكية كمصطلح لغوي في العربية يعبر تمام التعبير عما تداولته الاتجاهات الحديثة حول الإشراكية، فأشركه في أمره تعني أدخله فيه (ابن منظور، 1974). فمعلوم لدينا ما لدلالة الدخول في الشيء من معانٍ واسعة، وهذا يعبّر ربما عن قصور المعنى الإنجليزي الذي يشير لغوياً إلى الاتصال، أو التأثير (1998,Wehmeyer).

وتعرف الإشراكية بأنها: العملية التي توصل الطلبة ببرامجهم التربوية وتمكنهم من التأثير إيجابياً في هذا البرامج. ويكون هذا الاتصال من خلال الاشتراك في المجالات الآتية: التخطيط، اتخاذ القرار، العملية التدريسية. ويعلل فوائد هذا التعريف في أنه يعزز دافعية الطلبة نحو التعلم، كما تؤدي إلى نتاجات تربوية إيجابية، فضلاً عن تزويد الطلبة بمهارات يحاتاجونها في حياتهم الشخصية (wehmeyer, 1988).

ويعرفها Fletcher بأنها عملية إشراك الطلبة بوصفهم شركاء في كل أمر أو شأن (له علاقة بالمدرسة وبيئتها الداخلية والخارجية) تغييري من أجل تعزيز وتقوية التزامهم نحو العملية التربوية، والمجتمع والديمقراطية.


كما وضع Fletcher تنظيماً لطيفاً لمعنى إشراكية الطالب كدائرة خماسية:

ويقصد بالاستماع: أن نكون كلنا أذناً صاغية لأفكار ومعارف وخبرات وأراء الطلبة.

ويقصد بالإقرار: أن نأخذ بمحل الجد أهمية دور الطلبة كشركاء في العملية التربوية.

ويقصد بمنح المسؤولية: إعطاء الطلبة الفرصة لتنمية قدراتهم والإسهام ذي المغزى للمدرسة وبيئتها.

ويقصد بالتنقل: إن الأخذ القرار المشترك يتم من خلال مواقع وبيئات مختلفة.

ويقصد بالتأمل: التغذية الراجعة للقرارات المتخذة ودراستها خاصة التدريسية.

إنّ إعلاء شأو إشراكية الطالب في العملية التربوية وَفق الاتجاهات الحديثة في التربية يجعل المدارس تقوم بتجيهز وإعداد الطلبة للحياة من خلال مشاركةٍ ذات أهمية في اتصالهم بأمتهم.

        وقد خلص Flecher (2006) إلى أن إشراك الطالب في اتخاذ القرار التربوي المدرسي له أربعة نتاجات مهمة في مناخ المدرسة:

  1. يؤثر في الحياة العامّة، حيث إنه من الجيد لجميع الناس أن يخبروا نوعاً من السيطرة على أنفسهم.
  2. يؤثر في السلوك والقيم، إذا أردنا من الأولاد أن يتحملوا مسؤولية سلوكاتهم الشخصية، علينا أولاً أن نمنحهم فرصة تحمّل المسؤولية.
  3. يؤثر في التحصيل الأكاديمي، حيث إن الطلبة الذي يشعرون بأنهم قد فوّضوا في اتخاذ القرار بأنفسهم لا شكّ ستكون لديهم دافعية أعظم وأكبر.
  4. يؤثر في المدرسين، حيث يشعر بعض المدرسين بسعادتهم من إشراك الطلبة في اتخاذ القرارات التعليمية، ويعدون ذلك نوعاً من التكامل في بناء الشخصية.

وقد حاول أحد الباحثين إجمال الحديث حول طبيعة إشراكية الطلبة في العملية التربوية، فبيّن أن مجالات الإشراكية الفعالة للطلبة يمكن أن تمثل في:

إن الاتجاهات الحديثة في مفهوم الإشراكية تؤكد على:

ثلاثية الإشراكية:


وقد قام Fletcher (2006) بتلخيص أهمية الإشراكية ووظيفتها على هذا النّحو:

عندما نقوم بدعم صوت الطلبة لا شك سيكون طلبتنا شركاء في العملية التربوية. إنّ إشراكية الطلبة الصحية تعطي التزاماً من كلا الطرفين (المدرسين والطلبة) في المجالات الآتية:

يمكن للمدرسين أن يمنحوا الطلبة فرصة تسهيل عقد مجالس الآباء بالتعاون مع المدرسين، حيث يستطيع الطلبة تقويم تعلمهم، وكنتاج يستطيعون بالتعاون مع المدرسين وضع الخطط للاستمرار، وتوسعة دائرة تعلمهم، وتفصيل ذلك:

ومن الأشياء اللطيفة التي استوقفتني في كيفية إشراك الطلبة في عملية تقويم المدرسين الاستبانة الآتية:

يتمحور هذا الجانب حول تعويد الطلبة وإشراكهم في اتخاذ القرار حول برنامجهم الدراسي، والبيئة والمدرسية، وقضايا المجتمع، فعلى الإدارة أن تدرب الطلبة أن يكون عندهم فعالية وتأثير في اتخاذ القرار:

ويمكن لنا أن نلخص إشراكية الطالب الفعالة على الشكل الآتي:

هذا وقد وضع Fletcher أداة لقياس إشراكية الطلبة أسماها طريقة السّلم، وهي تتلخص في الخطوات الآتية:

8- الاشتراك في اتخاذ القرار مع الكِبار.

7- الطلبة يقودون عملية اتخاذ القرار.

6- الاشتراك في اتخاذ القرار بين الطلبة أنفسهم.

5- إخبار الطلبة واستشارتهم.

4- إخبار الطلبة وتخصيص مكان لهم.

3- الطلبة

2- الطلبة ديكورات.

1- الطلبة كأحجار الشطرنج

ويمكن تطبيق هذا النموذج لحالات متعددة، كإشراكية التخطيط، واتخاذ القرار، والكتاب المدرسي إلخ.

 

وتقاس إشراكية الكتاب أيضاً باستخدام طريقة رومي (Romey’s Formula) وهو أول من استخدم هذا المصطلح، فعرفت هذه الطريقة باسمه، ويحسب معامل إشراكية الكتاب حسب هذه الطريقة من خلال عرض المادة التعليمية والرسومات والأشكال والخلاصات والنشاطات، ويتم ذلك عن طريق الاختيار العشوائي لبعض صفحات الكتاب ورسومه وخلاصاته ونشاطاته وتحليلها واحتساب إشراكية الكتاب من خلال معادلات خاصة لحساب معامل الإشراكية (خويلة، 1990).

وقد جرت في الجامعات الأردنية بعض الدراسات على طريقة رومي خاصة في تحليل كتب اللغة العربية ككتاب المطالعة والنصوص للصف الثاني الثانوي في الأردن.

ويمكن تلخيص طريقة رومي في تناول عشر صفحات – على سبيل المثال- من الكتاب المراد قياس إشراكيته، وتصنيف الجمل الواردة فيها حسب الفئات التالية:

  1. عبارات الحقائق.
  2. الاستنتاجات أو التعميمات الصريحة.
  3. التعريفات
  4. الأسئلة التي تسأل ويجيب عنها الكتاب مباشرة.
  5. الأسئلة التي تتطلب قيام الطالب بتحليل المعلومات.
  6. الجمل الإخبارية التي تتطلب من الطالب القيام بتحليل المعلومات.
  7. الإرشادات التي تتطلب من الطالب أداء وتحليل نشاط ما، والعبارات التي تطرح مشكلة ليقوم الطالب بحلها.
  8. الأسئلة التي تسأل لإثارة اهتمام الطالب ولا يوجد لها إجابة مباشرة في الكتاب.
  9. الجمل التي توجه القارئ للنظر إلى شكل أو رسم، والتعليمات الإجرائية في النشاطات والجمل التي لا تلائم أياً من التصنيفات السابقة.
  10. الأسئلة البلاغية التي تطرح لمجرد التأثير في النفوس وليس المقصود منها الحصول على جواب.

ويحسب معامل إشراكية الطالب من خلال عرض المادة التعليمية من العلاقة الآتية:

الفقرات 1، 2، 3، 4، لا تحتاج إلى مشاركة الطالب. وهي تمثل المستويات الدنيا.

الفقرات 5، 6، 6، 8، فهي تحتاج إلى مشاركة الطالب وتخلق التوجه الاستقصائي لديه. وهي تمثل مستويات عليا.

أما الفقرات 9،10 فهي لا تؤثر بشكل حقيقي على فائدة الكتاب وإشراكيته للطالب فتم تجاهلها(ناجي، د.ت).


الخاتمة:

الحمد لله رب العالمين، الذي بفضله تدوم النّعم، وبعد، فهذه خلاصة فكري وجهدي الذي عملت فيها لخمسة أسابيع مستمرة، حاولت فيها جاهداً أن أقدم كلّ جديد، وآخذ موقفاً من كلّ ما طرح.

فقد كانت لي منذ البداية وقفة الباحث الناقد حول مصطلح المقروئية والانقرائية حيث تبنيت مصطلح الانقرائية لأسباب عدة مرت بنا سابقاً، كما استعرضت تاريخية المقروئية ونشأتها، ونفيت أن تكون قديمة النشأة.

وبعد ذلك وقفت على العوامل المؤثرة في المقروئية حيث وجدت أكثر من تقسيم ورأي، فحاولت أن أوفق بينها وَفق ما يخدم هذه الدراسة وأهدافها. وحاولت صياغتها على شكل رسومات بيانية زيادة في التوضيح والبيان.

        ودلفت بعد ذلك للحديث عن طرق قياس المقروئية، وبينت بأنها تنقسم إلى مجالات أربعة: أسلوب الأحكام، والاختبارات المغلقة، واختبارات الاستيعاب، ومعادلات الانقرائية، حيث أوضحت بأن عددها يزيد على مئتين، وأن ما ينسب لبعض الباحثين العرب ما هو إلا نقل وترجمة من المعادلات الأجنبية.

        أما فيما يتعلق بالقسم الثاني من الدراسة، موضوع الإشراكية فقد خضته بخوف وتحدٍ كبيرين، حيث لما ولجت للعمل على هذا الموضوع، كانت المعلومات المتوفرة  نزيرة جداً، فأشفقت على نفسي، واستعنت بالله على أن أقدم ما هو نافع ومفيد في هذا العمل، وكان والحمد لله بفضل توجيهات أستاذي الكريم الفاضل المستمرة وتشجيعه الذي لا ينضب أن توصلت إلى معلومات مفيدة لا أحسب أن طالباً قبلي في الفصول السابقة قد توصل إليها. فقد قدّمت معلوماتٍ جديدةً ورؤى حديثة، وطرق قياس مبتكرة.

        


قائمة المصادر والمراجع:        

دعنا، عبلة يوسف (1988). علاقة الانقرائية ببعض المتغيرات اللغوية. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، الأردن:عمان.

الناجي، حسن بن علي (2003). مستوى انقرائية وإشراكية كتاب اللغة العربية. www.lahaonline.com

Fraser, Diane (2004). Student involvement in the curriculum. ASME. Association for the study of medical education. London

Fletcher, Adam (2006) Meaning student involvement.www.soundout.orq.

Fletcher, Adam. Meaning student involvement: guide to student as Partner in school change. Second Edition, Human link Foundation.

Fog, Guning. (2006)Readability Tests. www.juicystudio.com.

Bernice, Thieblot (1988). Rating your Readability. at:www.tamu.edu.

Without Author, (2006) Every thing you ever wanted know about readability tests but were afraid to ask. At www.gopdg.com.

Cotter, Jeanne, (2003). Readability and reading ability: Measurement and Assessment. Southern Illinois University. Edwardsville.

NO Author (2006). Active Student Involvement. At www.cte.udel.tabook/active.

Wehmeyer, Michael, (1988). Student Involvement in Education Planning, Decision Making and instruction: An Idea whose time arrived. Brooks Publishing.

Wiki Encyclopedia. Readability. At http://en.wikipedia.org/wiki/Readability.