مقدمة :

عن منازل قبيلة هذيل في شرق وشمال

الطائف قديما :

الطائف :

هي البلاد المشهورة باسمها العريق منذ العصور القديمة والغنية عن التعريف ، التي تحدث عنها العلماء وتغنى بها الشعراء ، واحدى أهم معاقل العرب ومن أولئك العرب الذين عاشوا في أكنافها وشربوا من مائها واستنشقوا هوائها وساروا بإبلهم خلالها وإشتاروا العسل من جبالها وقاتل فرسانهم في ميدانها و تغزل شعرائهم في غزلانها ، هم قبيلة هذيل التي تُعَد أحد أهم قبائل الطائف العريقة ضمن قبائلها ثقيف وقريش وهوازن وعدوان وفهم في العصر الجاهلي .

أما حديثي عن منازل هذيل في الطائف فلن أتكلم عن المواضع الخارجة عن مدار النقاش ، كالبلاد الواقعة غرب الطائف مثل منطقة الهدا المسماة قديماً (هدأة زليفة) - وزليفة قبيلة من هذيل - ، ومنطقة الشفاء ، فهي لازال معظمها في دائرة بلاد هذيل .
لكن
حديثي سيكون عن الناحية الشمالية والشرقية منها إلى قلب الطائف ،

وسأورد جميع الأدلة والبراهين والأقوال الصريحة والشواهد الفصيحة التي ذكرت منازل قبيلة هذيل هناك ، وسأبدا بالشواهد الشعرية أولاً .


فأقول وبالله التوفيق :
تطرق الشعراء الهذليين في أشعارهم وأيامهم وأخبارهم لمواضع عدة في الطائف وبالذات في تلك النواحي التي أريد التحدث عنها ، والواقعة شمال وشرق الطائف .



أولاً :

شواهد شعراء هذيل في المواضع الواقعة في بلاد هذيل ، أو القريبة منها .

 أ - وادي نخب :

من أشهر اودية الطائف وهو واد كبير يقع بين وادي ليّة ومدينة الطائف.

1- قال أبو ذؤيب الهذلي :


لَعَمْرُكَ ما عيساءُ تَنْسَأُ شادِنًا
يَعِنُّ لها بِالجِزْعِ من
نَخِبِ النَّجْلِ

قال السكري: نخب وادٍ بالطائف، ويقال، بالسراة. وقال الأخفش : نخب، وادٍ بأرض هذيل .


شرح أشعار الهذليين، للسكري، ج١.ص٨٩. ٩٠

قلت : هذا الشاهد الأول عن وادي نخب عند هذيل .

2- وقال صخر الغي الهذلي :


أبا المثلم قتلى أهل
ذي نَخِبٍ
أبا المثلم والسبي الذي احتملوا

شرح أشعار الهذليين للسكري (ج١.ص٢٧٠(

قلت : وهذا الشاهد الثاني لوادي نخب عند هذيل ، ولكن صخر أضاف كلمة ذي للتعريف ، كعادة شعراء هذيل في إضافتها لبعض المواضع ، مثل موضع دوران الذي ينطقونه دوران وذي دوران ، وموضع نمار الذي ينطقونه ايضا نمار وذو نمار وهكذا .

3- وقال أبو صخر الهذلي :

ويوم شُهَارٍ قد ذكرتك ذكرة
على دُبُرٍ مُجْلٍ من العيش نافد

شرح أشعار الهذليين للسكري. (ج٢.ص٢٣١(

قلت : هذا الشاهد عن وادي شهار ، ويعتبر اليوم حيا مشهورا من أحياء الطائف ، وقريب من وادي نخب :

4- وقال قيس بن العيزارة الهذلي :


وإن سال
ذو الماوين أمست قلاته
لها حبب تستن فيها الضفادع

إذا حضرت عنه تمشت مخاضها
إلى
السر يدعوها إليه الشفائع

لها هجلات سهلةٌ ونجادةٌ
دكادك لا يؤبى بهن المراصع

شرح أشعار الهذليين للسكري ، ج٢.ص٥٩٤

قلت : أن قيس يذكر في هذا النص ، المواضع التي تهواها إبله في نواحي الطائف ، كذو الماوين القريب من الوهط إلى السر الواقع جنوب شرق الطائف والذي يصب في سهل جلدان ، مع أن السر ليس من بلاد هذيل القديمة، ولكن يؤكد أنهم أهل وادي نخب القريب منها ، ليس كما يظن البعض بأن بلادهم بعيدة عنها :

5- ولقيس بن العيزارة الهذلي :


فأنك لو عاليته في مُشرِّفٍ
من
الصفر أو من مشرفات التوائم

إلى أن قال :

جلست به نجداً وأيقنت أنه
بداءٍ ثباتٍ ليس منه بناشم


قال السكري: 《
جلست به نجد 》يقول : أتيت به نجداً ، و《 الجالس 》المنجد .


شرح أشعار الهذليين، للسكري، (ج٢.ص٦٠١ .٦٠٢(

قلت : وفي هذا النص ذكر لجبل التوائم والصفر القريبة من نخب .

أما التوائم أو التوأمان كما ينطقها البكري ، ليست من بلاد هذيل القديمة، لكنها تعتبر الحد الفاصل بينهم وبين بنو نصر وثقيف . وجميع هذه الشواهد السابقة تؤكد ما قاله الأخفش والسكري .

6- وقال ساعدة بن جؤية الهذلي :


ألْبُ عزيزٍ أوجفوا إيجافا
قد آلفوا وخلفّوا الإيلافا

قوماً يهزّون قناً خفافا
سيراً يخلون به الأجوافا

فارم بهم
ليّةَ و الأخلافا
حوز النُّعامى صُبُراً كِفافا


شرح أشعار الهذليين للسكري. (ج٣.ص١١٨٥(

قلت : وقد علق أسماعيل النتشة عن هذا اليوم قائلاً :
وفي موضع آخر يفتخر هذا الشاعرُ بشجاعة قومه وفروسيتهم،وسرعتهم في النجدة للقاء الأعداء، وخفّتهم في حمل السلاح واستعماله، ويذكرُ أنّهم بلغوا الفاً أو ما يزيد ، وكيف أنهم تجمعوا
بموضع لِيْة كما يجمع الجنوب السحاب ، والمراد أنهم اجتمعوا في حالة استعداد للقتال،
يقول:
البوا عزيز أوجفوا إيجافًا
قد ألفوا وخَلَمُوا الإيلافًا
قوما يهزون قناً خفافًا
سيرا يخلون به الأجوافا
فارم بهم لية والأخلافًا
حُوزُ النعَامَى صبراً كفافًا


أشعار هذيل وأثرها في محيط الأدب العربي ، لإسماعيل داود محمد النتشة ، ص ٧٩


7- وقال أبو خراش الهذلي :

عن موضع قوسى ، في بلاد ثمالة الواقعة جنوب الطائف وهو من بلادهم القديمة وليس من بلاد هذيل :


فلَهْفِى على عَمرِو بنِ مُرّةَ لَهْفةً
ولَهْفِى على مَيْتٍ
بقَوْسَى المَعاقِلِ

قال السكري : قَوْسَى المَعاقل: موضع من بلاد هُذَيل أو بناحيتهم .

ديوان الهذليين ج٢.ص١٢٥

قلت : وفي قول السكري 《 أو بناحيتهم 》يدل على أن لهذيل دياراً بنواحيهم ، وليس هناك أقرب من وادي نخب ، فلو سلمنا لقول رواة لغدة أو بعض الجهلة الذين يرون أن بلاد هذيل وراء البوباة لما استقام هذا المعنى .

8- يوم قوسى  :

وفي هذا الموضع وقع يوم بين هذيل وثمالة ، ذكره الأصفهاني في كتابه فقال :

قال أبو خراش الهذلي :
(وجدتُهم ثُمالة بنَ أسلمَا)
وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول:

إليك أمَّ ذِبَّان
ما ذاكِ من حلْبِ الضَّانْ

لكن مِصاع الفِتيانْ
بكل لِيْنٍ حَرّان

خبر أخيه عروة قال: وأما عروة بن مرة وخراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال وكانوا متجاورين فخرج عروة بن مرة وابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء فظفر بهما الثماليون فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما وأبت بنو بلال إلا قتلهما حتى كاد يكون بينهم شر فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ثم قال له انج وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل وكانوا أسلموه إليه فقالوا أين خراش فقال أفلت مني فذهب فسعى القوم في أثره فأعجزهم فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة ويذكر خلاص ابنه :

حمدتُ إِلَهي بعد عُروةَ إذ نجا
خراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ

فواللهِ لا أَنسَى قتيلاً رُزِيتَه
بجانب
قَوْسَى ما حييتُ على الأرضِ

بلى إنها تَعفو الكلومُ وإنما
نُوكِّلُ بالأَدْنى وإن جلَّ ما يَمضِي

ولم أدر مَن أَلْقَى عليه رداءَهُ
سوى أنه قد سُلَّ عن ماجِدٍ محضِ

ولم يك مثلوجَ الفؤاد مهبَّلاً
أضاع الشبابَ في الرّبيلَةِ والخفض

ولكنهُ قد نازعته مَجَاوعٌ
على أنه ذو مرة صادق النهض

قال ثم إن أبا خراش وأخاه عروة استنفرا حيا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمى وكانت به حمى الربع فجعل عروة يقول:

أصبحتُ موروداً فقرّبُوني
الى سواد الحيِّ يَدْفِنوني

إنّ زهيراً وسطَهم يَدعوني
رَبَّ المخاض والِلِّقاحِ الجُون

فلبثوا إلى أن سكنت الحمى ثم بيتوا ثمالة فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال فقتلوا من وجدوا من الرجال وساقوا النساء والذراري والأموال وجاء الصائح إلى ثمالة عشاء فلحقوهم وانهزم أبو خراش وأصحابه وانقطعت بنو زليفة فنظر الأكنع الثمالي - وكان مقطوع الأصبع - إلى عروة فقال يا قوم ذلك والله عروة وأنا والله رام بنفسي عليه حتى يموت أحدنا وخرج يمعج نحو عروة فصاح عروة بأبي خراش أخيه أي أبا خراش هذا والله الأكنع وهو قاتلي فقال أبو خراش أمضه وقعد له على طريقه ومر به الأكنع مصمما على عروة وهو لا يعلم بموضع أبي خراش فوثب عليه أبو خراش فضربه على حبل عاتقه حتى بلغت الضربة سحره وانهزمت ثمالة ونجا أبو خراش وعروة وقال أبو خراش يرثي أخاه ومن قتلته ثمالة وكنانة من أهله وكان الأصمعي يفضلها :

فَقَدْتُ بني لُبْنَى فلما فقدتُهم
صبَرتُ فلم أقطعْ عليهم أَبَاجِلي

رماحٌ من الخطِّيِّ زُرْقٌ نِصالُها
حِدادٌ أعاليها شِدادُ الأسافلِ

فلَهفِي على عمرِو بن مُرَّة لهفةً
ولهْفِي على ميْتٍ
بقَوسَى المعاقل

حِسانُ الوجوه طيِّبٌ حُجُزَاتُهُم
كريمٌ نَثاهم غيرُ لُفٍّ مَعازلِ

قتلتَ قتيلاً لا يُحَالِفُ غَدْرَةً
ولا سُبَّةً لا زِلتَ أسفلَ سافل

وقد أَمِنُونِي واطمأنّتْ نفوسُهم
ولم يعلموا كلّ الذي هو داخلي

فمن كان يرجو الصلْحَ مِنِّي فإنه
كأحمرِ عاد أو كُلَيْبِ بنِ وائلِ

أُصيبتْ هُذيلٌ بابن لُبْنَى وجُدّعت
أُنوفُهُمُ باللَّوْذعيِّ الحُلاَحِل

رأيتُ بني العَلاَّتِ لما تضافروا
يَحوزون سَهْمي دونَهمْ بالشَّمائل

كتاب الأغاني ، لأبي الفرج الأصبهاني ، (ج٣٠ . أخبار أبو خراش الهذلي) .

قلت : يتضح من هذه القصة أن غزوهم كان سعياً على أقدامهم كما في غارات ذؤبان العرب وفتكاهم ، وهذه النوع من الحروب لا يكون إلا بين القبائل والمجتمعات المتجاورة أو القريبة من جوار بعض ، مما يؤكد قول السكري السابق 《 أو بناحيتهم 》 وليس هناك أقرب لهم من نخب .

9- يوم المجمعة :

من الأيام التي ذكرها السكري لهذيل ، وورد ذكره في خبر لأبي خراش الهذلي ومعه قومه فقال :


عدونا عدوةً لاشك فيها
وخلناهم ذؤيبة أو حبيبا

إلى أن قال أبو خراش :

كأني إذ عدوا ضمَّنْتُ برزي  ُ
من العقبان خائتةً طلوبا

قال السكري في شرح البيت :

كأني ألبست سلاحي من سرعتي عقاب تطلب الصيد.

إلى أن قال أبو خراش :

رأت قنصاً على فوت فضمت

إلى حيزومها ريشاً رطيبا

فلاقته ببلقعةٍ برازٍ

فصادم بين عينيها الجبوبا

قال السكري في شرح البيت الأخير :

البلقعة المستوي من الأرض ليس فيها شي ، والبراز الفضاء البارز ليس حوله شيٌ يستره ، 《 فصادم بين عينيها الجبوبا 》 يقول : حين مرت تريد الغزال أخطأته فصكت الجبوب برأسها ، و《الجبوب》الأرض .

قلت : وقد شبه أبوخراش طلبه للقوم الذين وجدوهم بالمجمعة كالصيد الذي انقضت عليه عقاب فلم يجد مهربا إلا الجبوب بين عينيه .

كما قال حصيب الضمري :

أنجو إلى السهل لا أنجو إلى أحدٍ


قال السكري :
سبب هذه القصيدة كما في الأغاني ج 21 ص 59 طبع أوربا ،

أن أبا خراش أقبل هو وأخوه عروة وصهيب القردى في بضعة عشر رجلا من بني قرد يطلبون الصيد، فبينا هم بالمجمعة من نخلة ، لم يرعهم ، إلا قوم قريب من عدّتهم، فظنهم القرديون قوما من (بني ذؤيبة أحد بنى سعد بن بكر بن هوازن) ، أو من (بني حبيب أحد بنى نصر) ، فعدا الهذليون إليهم يطلبونهم وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا ،
وإذا هم قوم من بنى ليث بن بكر فيهم أبناء شعوب أسرهما صهيب القردى ، فهم بقتلهما ، وعرفهم أبو خراش ، فستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم ، فقال أبو خراش : هذه القصيدة يمنّ على ابنى شعوب أحد بى جشع ابن عامر بن ليث فعله بهما .

ديوان الهذليين ، للسكري ج٢.ص١٣٢

قلت : أما قوله《 بالمجمعة من نخلة 》فأول ما يتبادر للذهن أن المقصود بنخلة ، هو وادي نخلة المشهور في بلاد هذيل ، وذلك لتشابه الأسماء وارتباط هذيل بوادي نخلة ، والحقيقة أنها ليست بوادي نخلة الذي في بلاد هذيل ، وذلك لأنه لايوجد موضع في نخلة يقال له المجمعة لا قديم ولا حديث .

إنما يقصد المجمعة وأم نخلة المجاورتين لبعض الواقعتين جنوب الطائف .

والمجمعة وادٍ يقع في بلاد المناصير الثبته التابعة لبني سعد اليوم.

ويقع قريبا بين قرية الصبخة وقرية الذويبات وتصب مسائله جنوبا من أم النخلة الواقعة غرب وادي شقصان .وتبعد عن بعض قرابة 13 كيلو .

وشرق من هذين الموضعين ، يقع الجبوب المذكور في قصيدة أبي خراش الهذلي :

ام النخلة :

https://www.saudigeonames.com/map_details.php?id=3359%0A%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AE%D9%84%D8%A9

وادي المجمعة ؛

https://www.saudigeonames.com/map_details.php?id=71462%0A%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9

والمجمعة قريبة من بلاد (بني ذؤيبة من بني سعد) و (بنو حبيب من نصر) أولئك الذين ظن الهذليون أنهم هم القوم .

أما وجود بنو ليث الكنانيين في تلك الديار ، فذلك مالم يتوقعه الهذليين أصلاً !! ، فلو كانوا يتوقعون وجودهم لما ظنوا أنهم بنو ذؤيبة وبنو حبيب الهوازنيون ، وذاك لبعد ديار كنانة عنها ، وأنها ديار هوازن .

ولعل الكنانيون جاؤوها في طلب وتراً .

وهذا الخبر يؤكد أن منازل هذيل ليست بعيدة من تلك الديار ، وأن أقرب نقطة لها من بلاد هذيل هي وادي نخب .

ولايمكن أن تجتمع تلك المواضع الثلاثة ، المجمعة و نخلة و الجبوب ، القريبة من بعضها مع ذكر بني ذؤيبة و بنو نصر ، في نصٍ قبل 1400 عام ، وتكون محض صدفة ، أبداً ، أو يكون المقصود غيرها ! .

10- وتطرق أبو خراش الهذلي ايضاً

في خبره هذا لموضع يقع في جنوب الطائف يقال له الجبوب في بلاد بنو الحارث اليوم ، فقال :

فلاقته ببلقعةٍ برازٍ
فصادم بين عينيها
الجبوبا

شرح أشعار الهذليين للسكري. (ج٣.ص١٢٠٥(

قلت : وموضع الجبوب ليس من بلاد هذيل لا قديم ولا حديث ، ولكن يؤكد ورودها في شعر أبي خراش أن المقصود بنخلة التي ذكرت في يوم المجمعة -السابق- هي في جنوب الطائف .

ب - وادي العرج :

من أشهر أودية الطائف وهو وادٍ ينحدر بين جبال حمى سيسد وبين دمه حتى يصب في سلسلة جبال مدسوس ووادي الأخيضر . وقد بلغه العمران اليوم حتى صار بين جامعة الطائف الجديدة وبين قصر الملك عبدالله .

1- قال أبو شهاب المازني الهذلي :

في يوم البوباة والمليح .

فأنك عمر الله إن تسأليهم
بأحسابنا إذ ما تجلُّ الكبائر

يُنَبُّوك أنَّا نفرج الهم كله
بحق وأنَّا في الحروب مساعر

وأنَّا غداة
العَرْج باءَت سيوفنا
بمجد الحياة والمَحَار المقابر

شرح أشعار الهذليين للسكري ج٢.ص٦٩٥

قلت : وهذا أول شاهد لوادي العرج عند شعراء هذيل ، والذي أرتبط ذكره بيوم البوباة مع قبيلة هوازن ، مما يؤكد أنه العرج الذي ذكره ياقوت في بلاد هذيل .

2- قال أبو ذؤيب الهذلي :

 يرثي نبيشة الهذلي :


أخ لك مأمون السجيات خضرم
إذا صفقته في الحروب الصوافق

نُبيشة لم توجد له الدهر سقطةٌ
يبوح لها في ساحة الدار ناطق

نماه من الحيَّيْن سعد ومازنٍ
ليوث غداة البأس بيضٌ مصادق

هُمُ رجعوا
بالعرج والقوم شُهَّدٌ
هوازن تحدوها حُماةٌ بطارق

شرح أشعار الهذليين للسكري ج١.ص١٥٨

قلت : وهذا الشاهد الثاني لوادي العرج عند شعراء هذيل أيضا ، مما يدل على أنه من بلادهم ، وأن قد حصل به معركة بين هذيل وهوازن ، كما أكد ذلك شعراء هذيل في كلا القصيدتين .

وفي هذه القصيدة يرثي أبو ذؤيب ، الفارس نبيشة الهذلي في يوم البوباة والمليح ، والذي قتل في موضع رهوة الواقع في بلاد بنو نصر ، أثناء تتبعهم فلول هوازن المنهزمة في ذلك اليوم .

3- وقال أبو ذؤيب الهذلي :

عن موضع رهوة في رثائه نبيشة الهذلي :

بدرت إلى أولاهم فسبقتهم
وشايحت قبل اليوم إنك شيح

فإن تمسِ في رمسٍ
برهوة ثاوياً
أنيسك أصداء القبور تصيح


قال السكري : رهوة : عقبةٌ بمكانٍ معروف .


شرح أشعار الهذليين للسكري. (ج١.ص١٥٠(

4- وقال أبو ذؤيب الهذلي :

في يوم المليح :

كأن ارتجاز الجعثميات وسطهم
نوائح يجمعن البكى بالأزامل

غداة
المليح حيث نحن كأننا
غواشي مضرٍ تحت ريح ووابل

شرح أشعار الهذليين، للسكري، ج١.ص١٦٢

قلت : والمليح : هو ما يعرف اليوم بالسيل الصغير الملاصق للحوية من ناحية الشمال .

وورد هذا الشاهد في يوم المليح والبوباة التي استمرت تعقابات معاركه حتى وادي العرج ورهوة كما أشاروا لذلك شعراء هذيل .

5- وقال أبو خراش الهذلي :


ترى طالبي الحاجات يغشون بابه
سراعا كما تهوي إلى
أدمى النّحل

شرح أشعار الهذليين للسكري (ج٣.ص١٢٣٨(

قلت : يقع موضع أدمى قريب من رحاب الواقع غرب الحوية اليوم .

و سأفصل فيه لاحقا - بحول الله تعالى -

 في موضع قران .

ج - قُرّان و المناقب  :

قُرّان: هو الوادي الذي تأتي مسائله من الحزوم الواقعة شرق السيل الصغير وشمال الحوية حتى تصب في عقيق عشيرة .

والمناقب : هي الثنايا الواقعة بين السيل الكبير والحوية ، ويفضي بعضها إلى وادي قُرّان ، وتسمى اليوم الريعان .


1- قال أبو جندب الهذلي :

أقول لأم زنباع أقيمي
صدور العيس شطر بني تميم

وغربت الدعاء وأين مني
أناس بـين مـر وذي يدوم

وحي
بالمناقب قد حمـوهـا
لدى
قران حتى بطن ضـيم

وأحياءٌ لدى
سعد بن بـكـر
بأملاح فـ ظـاهـرة الأديم

أولئك ناصري وهم أرومي
وبعض القوم ليس بذي أروم

هنالك لو دعوت أتاك منهـم
رجال مثل أرمية الحـمـيم

شرح أشعار الهذليين، للسكري، ج١.ص٣٦٣

قلت : وهذا الشاهد الأول لموضع قُرّان عند شعراء هذيل ، وفي قصيدة أبي جندب هذه عدة مواضع متباينة من أرض الطائف ، المناقب وقُرّان وأملاح وظاهرة الأديم كلها في بلاد هذيل غير موضع أملاح فقد ذكروا علماء البلدان أنه من بلاد بنو سعد بن بكر ، المجاورة لهذيل .

2- وقال أبو ذؤيب الهذلي :

رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها
بِقُرّان إن الخمر شعث صحابها

قال السكري : قُرّان، وادٍ بالطائف .

إلى أن قال أبو ذؤيب :


فما برحت في الناس حتى تبيّنت
ثقيفاً بزيزاء الأشاء قبابها

شرح أشعار الهذليين للسكري. (ج١.ص٥٤(

قلت : وهذا الشاهد الثاني لوادي قُرّان عند شعراء هذيل .

والمناقب القريبة من قُرّان ، قد أكثروا في ذكرها شعراء هذيل :

3- قال أبو صخر الهذلي :

فكم من خليل يعلم الناس أنني
لأسراره راعٍ أمين وراقب

بذلت له وديّ ونصحي وجانبي
إذا نلتقي عنه بسرّك ناكب

أتجزع أن بانت سواك وأعرضت
وقد صد بعد الإلْف عنك الحبائب

صدور القلاص الأدم في ليلة الدجى
عن الخُطَّ لم يسرب لك الخُطَّ سارب

فأصبحن لايسقنك الدهر شربةً
صدوداً ولو سالت بهن
المناقب

قطعت بهن العيش والدهر كله
فحبَّرْ ولو طالت إليك المناسب

شرح أشعار الهذليين ، للسكري ، ج٢.ص٩٤٦ .٩٤٧

4- ويقول الأعلم الهذلي :

رفَّعْتُ عَيْنَيَّ الحجاز
إلى أناس
بالمناقب

وذكرت أهلي بالعراء
وحاجة الشعث التوالب

المصرمين من التلاد
اللامحين إلى الأقارب

شرح أشعار الهذليين ، للسكري ج١.ص٣١٥

5- يقول أسامة بن الحارث الهذلي :

فومشكةٌ أرضنا أن تعود
خلاف الأنيس وحوشاً يبابا

ولم يدعوا بين عرض الوتير
حتى
المناقب إلاَّ الذئابا

شرح أشعار الهذليين ، للسكري ج٣.ص١٢٩٣

قلت : في قوله 》أرضنا خير دليل أنها من بلاد هذيل .


والشواهد من غير شعراء هذيل ، التي تدل على أن المناقب الملاصقة لقُرّان أنها من بلاد هذيل ، قول الشاعر : الحشر من قبيلة ثابر الازدية ، في يوم حلية بتهامة اليمن ، الذي غزاهم فيه بنو تميم بن سعد بن هذيل من بلادهم :

6- فقال الحشر الثابري :


فيا عجبا منكم تميم وداركم
بعيدٌ بجنْبيْ
نخلةٍ فالمناقب 

غزوتم على أيْنٍ وبُعْدٍ وشُقَّةٍ
فأوفيتمُ منا جزاء المعاقب

شرح أشعار الهذليين ، للسكري ، ج٢.ص٧٩٩

7- قال أبو ذؤيب الهذلي :

نؤمل أن تلاقي أم وهب
بمخلفةٍ إذا اجتمعت ثقيف

إذا بني القباب على
عكاظ
وقام البيع واجتمع الألوف

تواعدنا
الربيق لننزلنه
ولم تشعر إذن أني خليفؤؤ



فسوف تقول إذ هي لم تجدني
أخان العهد أم أثم الحليف

شرح أشعار الهذليين للسكري (ج١.ص١٣٩.١٣٨(

قلت : هذه المواضع بنص شعر أبي ذؤيب قريبة من أرض عكاظ ، التي ذكر الهمداني أن قُرّان جزء منها .


ثانياً :

 أخبار وأيام ومعارك هذيل ، التي وردت في كتب السير والأنساب والأدب ، في أرض الطائف ونواحيها من بلاد هذيل أو القبائل المجاورة لها :

أ-

لقد ورد في ذكر نخب ، عند غزوه الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف ، وحصار أهله :
ما جاء عند بن اسحاق وابن هشام
(الطَّرِيقُ إلَى الطَّائِفِ) :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيَةِ، ثُمَّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمَّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمَّ عَلَى بُحْرَةِ الرُّغَاءِ مِنْ لِيَّةَ ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ:
أَنَّهُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبُحْرَةِ الرُّغَاءِ، حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمِ، وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ بِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِلِيَّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيْقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟ فَقِيلَ لَهُ الضَّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى (نَخْب)ٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، .
سيرة بن هشام ج٢.ص٤٨٢ .

وجاء في مغازي الواقدي( ج.٣/ص٩٢٥.٩٢٤ )
قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَبْنِي بِيَدِهِ مَسْجِدًا بِلِيّةَ، وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ الْحِجَارَةَ.
وَأُتِيَ يَوْمَئِذٍ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللّيْثِيّ إلَى الْهُذَلِيّينَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ. وَصَلّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظّهْرَ بِلِيّةَ
إلى أن قال:
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لِيّةَ فَسَلَكَ طَرِيقًا يُقَالُ لَهَا: الضّيْقَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى. ثُمّ خَرَجَ عَلَى
نَخِب


وذكر بن حزم قائلاً :
وذكر
أن رجلا من بنى هذيل ببحرة الرغاء حين نزلها طالب بدم، فأقاده صلى الله عليه وسلم.
وكان بالمكان المذكور حصن لمالك بن عوف النصرى، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بهدمه، فهدم.
جوامع السيرة لابن حزم ج١.ص١٩٣



ب-

جاء عن الدارقطني :
حَدَّثَنا الحَسَن بن رشيق بمصر , حَدَّثَنا أبو علي أحمد بن مُحمَّد بن يَحْيى بن جرير الهَمْدَانيّ , حَدَّثني أبو مُحمَّد عَبد الله بن مُحمَّد البلوي , حَدَّثني عمارة بن زيد الأَنْصَاريّ من الأوس من ساكني تيماء , حَدَّثني إبراهيم بن سَعْد , عن مُحمَّد بن إِسْحَاق , حَدَّثني يَحْيى بن عُرْوَة بن الزُّبَيْر , عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر , عن
زَبَّان بن قِسْوَر الكُلَفِي قال: [ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو نازل بوادي الشوحط , ومعه رجل دونه في هدية وسمته إذا كلم رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال أومىء إليه أن اقتصر وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سمعه وفهمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت لبعض أصحابه: من هذا؟ قالوا: هذا صاحبه الأخص أبو بَكْر الصِّدِّيق فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن لوبا لنا نحلا , كان في عيلم لنا له طرم وشبرق , فجاء رجل فضرب ميتين فأنتج حيا وكفنه بالثمام فنحسر فطار اللوب هاربا ودلى مشواره فالعيلم
فاشتار العسل فمضى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ملعون ملعون من سرق شبرق قوم فأضر بهم أفلا تبعتم أثره وعرفتم خبره قال قلت: يا رسول الله إنه دخل في قوم لهم منعة وهم جيرتنا من هذيل.
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبرك صبرك ترد نهر الجنة وإن سعته كما بين اللقيقة والسجيقة يتسبسب جريا بعسل صاف من قذاه ما تقيئه لوب ولا مجه ثوب ]

المؤتلف والمختلف، للدارقطني ت(385 هج) ج٢.ص١٠٨٥

وقد جاء :

في الوافي بالوفيات ، للصفدي ، ج١٤.ص١١٥
وطبقات الشافعية ، للسبكي ، ج٢.ص٢٠١
وحياة الحيوان ، للدميري ، ج٢.ص٤٣٤

قلت: وفي الحديث من ضعفه ، ولكن قالوا أهل : العلم في الحديث مقالا ومما هو معلوم أن الحديث وإن ضعف يستشهد به إلا فيما يبنى عليه حكما شرعيا وقد قرر ذلك عمليا الإمام النووي في كتابه الأذكار .

ثم يتبين لنا من خبر الكلفي الذي قابل النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه حديث عهد بإسلام ، وذلك لعدم معرفته لكبار الصحابة مثل أبي بكر .

وأنه من بني نصر هوازن الذين أسلموا وقت حصار الطائف ولية ، وأنه قابله في تلك المدة .

إذ لا يوجد كلفي في العرب إلا في بنو نصر من هوازن أو في بنو تميم ،

ومن المستحيل أن يكون من بنو تميم لعدة أسباب ، سأذكر منها على سبيل المثال :

أن بنو تميم ليسوا مجاورين لهذيل .

واشتيار العسل لم يُذكر عند بنو تميم ولا أهل نجد .

ولا يوجد في بلاد تميم موضع بإسم الشوحط أو حتى قريبا منه .

بل يوجد في بلاد بنو نصر موضع قريبا جدا من هذا الأسم يقال شواحط تصغير شوحط يقع شرق خد الحاج في أسفل لية .

ويدل على أن بنو كلفة هم من أهل شواحط المذكور أو قريبين منه جدا ، خبر قد أورده ياقوت في موضع أوقح القريب منه فقال :


أَوْقَحُ :
بالقاف، والحاء المهملة: ماء بالشّراج شراج بني جذيمة بن عوف بن نصر، وقال أبو محمد الأعرابي:
نزلت أمّ الضّحّاك الضّبابية بناس من بني نصر فقروها ضيحا، وذبحوا حمارا، وطبخوا لها جردانه فأكلت وجعلت ترتاب بطعامها ولا تدري ما هو، فأنشأت تقول:
سرت بي فتلاء الذراعين حرّة ... إلى ضوء نار، بين أوقح والغرّ

سرت ما سرت من ليلها ثم عرّست ... إلى
كلفيّ، لا يضيف ولا يقري

قعدت طويلا ثم جئت بمذقة، ... كماء السّلا، بعد التبرّض والنّزر

فقلت اهرقنها يا خبيث، فإنّها ... قرى مفلس بادي الشّرارة والغدر

إذا بتّ بالنّصريّ ليلا، فقل له: ... تأمّل أو انظر ما قراك الذي تقري

أرأس حمار أم فراسن ميتة، ... وكلّ بزعم أن غيرك لا يدري؟

وقد كتبنا هذه الأبيات في الجزر على غير هذه الرواية .

معجم البلدان ، لياقوت الحموي ، (ج١.ص٢٨١ .٢٨٢(

ج-
وجاء من الشواهد ، في
يوم البوباة ، و المليح ، من ذكر المواضع والأخبار ما ورد في كتاب السكري ، قائلاً :


يوم
البوباة :
حدثنا أبوسعيد قال : كان من حديث معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل أنه أصبحت بنو كاهل بن عامر بن برد بظاهر البوباة ، معهم بنو جريب بن سعد بن هذيل في إثر غيث كان هناك ، فجمعت لهم هوازن ورئيسهم يومئذ مالك بن عوف النصري وبلغه غرّتهم وقلّة عددهم فأقبلوا في جمع عظيمٍ حتى وقعوا بهم ، فاستاقوهم وكل مال يملكونه ، وجاء الصريخ إلى بني مازن بن معاوية و قرد بن معاوية ، فخرجوا حتى إذا رأوهم يسوقون النساء والنَّعم ، فانقسموا فريقين ، فتقدمت بنو مازن بن معاوية واتبعوا المخاصر ، حتى تقدموهم وقعدوا لهم على شرف المنقبة ، وتأخرت بنو قرد لأخرهم ، حتى إذا اضطّمت لهم شرف المنقبة ، اكتنفتهم بنو مازن من أمامهم وأتتهم قرد من ورائهم ، فلم يفلت منهم أحد ، وأفلت يومئذٍ مالك بن عوف شدّاً على رجليه ، وحتى إن ثنيّة المنقبة لتسيل بدمائهم ..الخ .

شرح أشعار الهذليين للسكري.  (ج٢.ص.٦٩٣(


أما أقوال العلماء ، عن منازل هذيل في الطائف ، سأذكر لكم منها :

1-قال الإصطخري :
والطائف مدينة صغيرة نحو وادي القرى الّا انّ اكثر ثمارها الزبيب وهى طيّبة الهواء وأكثر فواكه مكّة منها وهى على ظهر جبل غزوان، وبغزوان ديار بني سعد وسائر قبائل هذيل وليس بالحجاز فيما علمته مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل ولذلك اعتدل هواء الطائف وبلغنى انّه ربّما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع فيما علمته .

المسالك والممالك للاصطخري ص١٩

2-قال البكري ، في خبر تفرق قبائل مضر :
《 وجيران
هذيل فى جبالهم فهم و عدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان 》.

معجم ما استعجم ، للبكري ، (ج١.ص٨٨(



3-قال عرام السلمي :
والطائف ذات مزارع ونخل وأعناب وموز وسائر الفواكه وبها مياه جارية وأودية تنصبّ منها إلى تبالة، وجلّ أهل الطائف ثقيف وحمير وقوم من قريش، وهي على ظهر جبل غزوان، وبغزوان قبائل هذيل .

معجم البلدان ج٤.ص٩

4-قال ياقوت الحموي

غَزْوَانُ:
بالفتح ثم السكون، وآخره نون، فعلان من الغزو وهو القصد:
وهو الجبل الذي على ظهره مدينة الطائف .

معجم البلدان ج٤.ص٢٠٢



5-قال ابن خلدون :
فأما هذيل فهم بنو هذيل بن مدركة
وديارهم بالسروات وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف ولهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد وتهامة بين مكة والمدينة ومنها الرجيع وبئر معونة وهم بطنان سعد بن هذيل ولحيان بن هذيل ...الخ .

تاريخ ابن خلدون ج٢.ص٣٨١ .٣٨٢

6-قال إبن سعيد الأندلسي: " ذكر البيهقي أنهم من أفصح العرب ومن سكان السروات المطلة على تهامة من الحجاز وسراة هذيل متصلة بجبل غزوان الذي يتصل به جبل غزوان  والذي يتصل به جبل الطائف ولهذيل أماكن ومياه في أسفلها من نجد وتهامة بين مكة والمدينة ...الخ

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب . لابن سعيد . (ج١. ص٤٠٨(


7-
الْمشرق :
جبل لهذيل بسوق الطَّائِف قَالَه الْأَخْفَش وَأَبُو عبيد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ سوق الطَّائِف نَفسهَا .

تاج العروس (ج٢٥.ص٥٠٣(

قلت : وقول الأخفش 《 المشرق جبل لهذيل بسوق الطائف 》 يبيّن أن الأخفش ليس بواهمٍ عندما قال : أن نخب من ديار هذيل ، فهذا القول خير دليل لتأكيد ذلك .

8- العرج :

والطائف تذكرنا دائماً باديتها الواسعة وفيها جبل ( بردى) الذى سكنته هذيل على نحو ما يصوره شعرها ، وكان الماء ينحدر منه إلى الوهاد العميقة فى فصل المطر فيكون لأبنائها في سفوحه مرتع سخى للإبل ، وفى شعر أبي ذؤيب إشارات كثيرة له ولنحله وخلاياه.
وفي شمال الطائف منخفض به
العرج وأبو الفداء يقول عنها إنها قرية جامعة في نواحى  (الطائف) وقد نزلتها هذيل فوجدت فيها خيراً كثيراً وعوضت بها بعض ما حرمت منه فى الطائف وكان من فيها من أبناء هذيل يربطون حياتهم بحياة أهل الطائف . ، وفي شعر أبي ذؤيب ما يدل على أنه كان يعرف خمارة البلد ،كما جاء فيه أن صاحبته عابت عليه وجوده بوادى (قران) قرب الطائف.

شعر الهذليين ، لأحمد كمال زكي(ص ٢٠(

قلت : وهذا قول صريح بأن العرج و قران المذكورين في أشعار هذيل هي من بلاد هذيل التي في نواحي الطائف  ، بل أن المتجرد للبحث عن الحقيقة والمتتبع لبلدان وتاريخ وأشعار العرب يعلم مقتضى النصوص جيداً .

9- سراة هذيل  :

نستطيع أن نحدد سراة هذيل فنقول إنها كانت بين مكة والمدينة ، وأشرفت على تهامة من غربها ، وانحدرت شرقاً إلى نجد انحدارا تدريجياً
فاتصلت بالطائف حيث كان للقبيلة قربها بعض عشائر .

على أن هذيلاً هبطت إلى جنوب مكة والطائف حتى اتصلت بعسير أو " شمالى اليمن ،
فقد روى  أن بني صاهلة كانوا أقصى هذيل نحو اليمن .

شعر الهذليين ،لأحمد كمال زكي، (ص ١٤(

قلت : وهذا القول يؤكد ما أشاروا له البلدانيين المتقدمين عن منازل هذيل في نواحي الطائف ، ويؤكد أيضا أن المقصود من قول 《 نخب واد في السراة 》 أنهم يعتبرون الطائف من السراة .

وفي الختام أقول :

أن هذه الأدلة والشواهد أزاحت ضبابية الرؤية وأنارت الطريق للبحث عن الحقيقة وكانت ضربة مؤلمة لأولئك المتسلقين على التاريخ المكابرين عن الحق .

.