تلخيص كتاب "سؤال الأخلاق" لـ طه عبدالرحمن

 

أولاً: التعريف العام بالكتاب:

أ‌.           المعلومات:

معلومات الكتاب:

العنوان الكامل: سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية.

المؤلف: طه عبدالرحمن

الطبعة: 4، 2009م

الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت.

عدد صفحات الكتاب: 239

عدد الفصول: ثمانية

الوصف العام لهيكل الكتاب:

المقدّمة: أيهما أخص بالإنسان: العقلانية أو الأخلاقية؟

الفصل الأول: مكارم الأخلاق، ما حقيقة صلاتها بالدين؟

الفصل الثاني: حدود العقلانية المجرّدة: كيف يمكن التصدي لها أخلاقيا؟

الفصل الثالث: حضارة القول: كيف يمكن درء آفاتها الأخلاقية؟

الفصل الرابع: نمط المعرفة الحديث: كيف يمكن معالجة أزماته الأخلاقية؟

الفصل الخامس: النظام العلمي- التقني: كيف يكون تقويمه الأخلاقي؟

الفصل السادس: الهوية الإنسانية في آفاق العالم المنتظر: كيف تضع لها تحديداً أخلاقياً؟

الفصل السابع: دعوة العودة إلى أخلاق الإسلام: كيف نفك عنها طوق الحصار؟

الفصل الثامن: تجديد الفكر الديني الإسلامي: ما هي شروطه وموانعه؟

ب‌.التعريف العام بأفكار الكتاب العامة:

مقدمة الكتاب: أيهما أخص بالإنسان: العقلانية أو الأخلاقية؟

وطّد من خلالها لمفهوم الإنسان الذي يريد إعادة تعريفه بالأخلاقية للاحتفاظ برتبة الإنسانية، مقابل التعريفات الشائعة التي تحطّ من شأن الإنسان وإن زعمت رفعه؛ ومنشأ غلطها الشائع هو الجهل، مما ينتج قلب تراتبية الأوصاف الإنسانية، وقلب الحقيقة. ليخلص إلى إبطال كون العقلانية المجرّدة هي الحد الفاصل بين الإنسان والبهيمة. ثم ذكر الخلط في مفهوم "العقلانية" وتوحيده بالرغم من اختلافات الآراء حوله، فضلاً عن رؤية د. طه لتعدد العقلانيات، والدليل على تعددها هو طرق معالجتها لمفاهيم، منها: "الأخلاق"، فإن كان الخلط والالتباس قد لحق بأخص وصف تختص به الفلسفة، ويعرّف به الإنسان وهو "العقلانية" أو "العقل"، فإن مفهوم "الأخلاق" لا يقل التباسا وغموضاً إن لم يفق العقلانية في ذلك، وتفصيل ذلك على النحو التالي:

نتيجة لسلوك الإنسان الحديث لطريق العقلانية متخذا هذا الطريق عنواناً للإنسانية؛ فقد وقع في الغفلة الحقيقية وإن ظهر له أن مسلكه مسلكاً متقدّماً علمياً وتقنيا، وآية ذلك:

-           أنه يقدّم ما نفعه قليل على كثير النفع، وما ضرره صريح على صحيح النفع كفعل الجهلة من الناس؛ فينتج عن ذلك إخراج الإنسان من رتبة الإنسانية إلى درك الإنسانية!

-           وأنّ الطريق الذي يسلكه بغية مقصد استقامة الإنسان ورفع إنسانيته يفضي به إلى نقيض مقصده.

-           وأنه كلما بان له اعوجاجه حاول إقامته بنفس المسلك العقلاني، غير معتبر لما مضى[1].

 مفهوم العقل:

خصائص عقل الإنسان عند بعض المحدثين:

1-"ميزة العقل الإنساني –عندهم- أنه لا يملك اليقين بنفع لا ضرر فيه، ولا بصواب لا خطأ معه"[2].

جواب د. طه:

"أن هذا لا يصدق إلا على القوة العقلية من قوى الإنسان التي هي من جنس قوة الإدراك التي تتمتع بها البهيمة؛ فمعلوم أن البهيمة لا تهتدي إلى أغراضها إلا بعد محاولات متتالية تخطئ فيها أكثر مما تصيب، وحتى إذا أصابت، فلا تضمن لنفسها أنها لا تعود إلى الخطأ مرة ثانية،= وكذلك الإنسان في ممارسته لعقله على مقتضى التصور المذكور، بل ما المانع من أن تسمى القوة الإدراكية الخاصة بالبهائم عقلاً، فإنها ليست تختلف عن قوة الإدراك عند الإنسان إلا في الدرجة؛ وإذا كان الأمر كذلك، لزم أن لا تكون العقلانية –كما هي في تصوّر هذا البعض- هي الصفة التي يتفرّد بها الإنسان وتُميّزه عن البهيمة؛ فكلا الإنسان والحيوان لا يقين له فيما أصاب فيه، بل تكون، على العكس من ذلك، هي الصفة التي تجمع بينهما"[3]

النتيجة:

أن العقل الذي نظر إليه على أنّه مميز للإنسان عن الحيوان، ما هو إلا مشترك بين الإنسان والحيوان، والفرق فرق في الدرجة لا في النوع، حينئذٍ لا بدّ من معرفة الفاصل المميز بين الإنسان والحيوان. ولأن الفاصل الأول بين الإنسان والحيوان صفته الخاصة هي "عدم انقلاب نفعه إلى ضرر، وعدم اليقين في نفعه متى طلب"، فيُطلب المبدأ الجامع لطلب عدم انقلاب النفع ضرراً، وما يتيّقّن من نفعه، وهذا المبدأ هو "مبدأ طلب الصلاح"[4].

ماهو "مبدأ طلب الصلاح" أو ما هي "الأخلاقيّة" الفاصلة بين الإنسان والحيوان عند طه عبدالرحمن؟

هو مبدأ يبنى على:

1-            طلب النافع الذي لا ينقلب إلى ضرر.

2-            طلب النافع المتيقَّن من نفعه.

ويسمّيه –طه عبدالرحمن- بـ "الأخلاقيّة"، وهو الفاصل بين الإنسان والحيوان؛ وطريق استخلاصه له عن طريق "المقصد". فالحيوان لا يقصد النافع الذي لا ينقلب إلى ضرر، ولا يقصد النافع المتيقَّن من نفعه، بينما الإنسان متى ما أراد الحفاظ على إنسانيته فلا بدّ أن يطلب ما نفعه لا ينقلب إلى ضرر، وما نفعه متيقَّن منه. فيُفهم من كلامه أن الفرق بين الإنسان والحيوان فرق في "الغاية" التي يطلبها كل منهما[5].

ومقتضى هذا المقصد الأخلاقي، هو آلية السلوك، فالسلوك الإنساني في طلب الغاية يختلف عن السلوك الحيواني، فغاية الحيوان رزقه، وغاية الإنسان نفعه، والإنسان يسعى لا لصلاح غايته فحسب، بل يسعى لصلاح سلوكه إلى غايته أيضاً[6].

وهذا المبدأ أو "الأخلاقية" هي الأساس الذي تتفرع عنه كل صفات الإنسان، ومن ضمنها العقلانية، وأما العقلانية التي لا تتفرع عن هذا المبدأ فليست عقلانية إنسانية يمتاز بها الإنسان[7].

أنواع العقلانية:

أ‌.           المشكلة:

أن دعاة العقلانية من المحدثين التبس عليهم الأمر في شأن "العقلانية" فظنّوا أن العقلانية واحدة، وأن الإنسان يختص بها لا مشارك له فيها.

ب‌.التحرير:

أنَّ العقلانية ليست واحدة، بل هي على قسمين كبيرين:

1-              العقلانية المجرّدة من الأخلاقية، وهذه يشترك الإنسان فيها مع البهيمة.

2-             العقلانية المسدّدة بالأخلاقية، وهي التي يختص بها دون سواه.

إشكال:

هل العقلانية المجردة والعقلانية المسددة هما "العقل النظري" و"العقل العملي"؟

الجواب:

لا إن العقلانية المجرّدة هي الخالية من الأخلاق، بينما العقلانية النظريّة إن قصد بها الخلو من العمل فلا يلزم أن تخلو من الأخلاق بل أن تكون تابعة بطرقها النظرية للأخلاق. كما أن العقل العملي ليس هو الأخلاقي، إذ يمكن للعمل أن يتم بلا خلق، وأن يكون تطبيقاً لنظر لا خلق فيه. "ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان، مهما كان متغلغلاً في التجريد، بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية، حتى إنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوكي مجسد"[8].

وكثرة اختلافهم في مفهوم العقلانية لا يقل عن اختلافهم في مفهوم الأخلاق، والاختلاف في مفهوم الأخلاق على أضرب، منها:

أولاً: الاختلاف في تحديد معنى الأخلاق

ثانياً: الاختلاف في الاسم المطلق على الأخلاق

أما الأول: الاختلاف في تحديد معنى الأخلاق، فهو اختلاف له عدة مجالات، فمنه:

1.   اختلاف في إثبات قيمة أو نفيها بين الفلاسفة، مثل: الطمع في الثواب، والخوف من العقاب.

2.   اختلاف في الاعتداد بصفة حسنة إطلاقاً وتقييداً.

3.   الاختلاف في الجمع بين القيم والتفريق بينها من حيث اعتبارها في مستوى واحد، أو في مجال واحد "الفردي" أو"الاجتماعي".

4.   الاختلاف في وضع تعريفات للأخلاق مميّزة لها عن غيرها، فقد اتفق الفلاسفة على أن الخُلق موجود في فعل من الأفعال أو في شخص من الأشخاص، إلا أنهم اختلفوا على تعريف واحد يميّزه:

أ‌.           البعض يراه واقعاً موضوعياً قائما في الفعل أو في الشخص ومستقل عن موقف –أو مُعتقد- الذات التي تحكم بوجوده، يعرف هذا الاتجاه باسم "الواقعية الأخلاقية": "Moral Realism".

ب‌.البعض يقرر أنه ليس للخُلُق من الواقع الموضوعي شيء، وإنما هو مجرد حكم بصدد هذا الفعل أو هذا الشخص يعبِّر عن موقف –أو معتقَد- هذه الذات الحاكمة، ويعرف هذا الاتجاه باسم "اللاأدْرِية": "Non-cognitivism"، هذا إن لم يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى فيه مجرد تعبير عن رغبة ذاتية أو عاطفة شخصية، يعرف هذا الاتجاه باسم "الوجدانية": "Emotivism".

ت‌. البعض يقول بأن الخُلق صفة موضوعية قائمة في الفعل أو الشخص تدركها الذات إدراكاً مباشراً بفضل شعورها الأخلاقي أو قل بإيجاز تحدسها أو تستبصرها، يعرف هذا الاتجاه باسم "الحدسية": "Intuitionnism".

ث‌.البعض يذهب إلى أن الخلق ليس واقعة أو صفة موضوعية مخصوصة يحدسها المدرك وتوجد بجانب الوقائع والصفات غير الخُلُقية التي يلاحظها، وإنما هي حكم معرفي –أو قل خبَر- يحتمل أن يكون صادقاً أو كاذباً، وأن يبرهن عليه كما يبرهن على الحكم غير الخلقي، لأنه يجوز أن نحلل ونفسر الصفة الخلقية بواسطة صفة غير خُلُقية كما إذا رفعنا وجود الخير في الأشياء إلى أصله في الإرادة الإلهية، يعرف هذا الاتجاه باسم "الطبيعانية": "Naturalism".

ج‌.  البعض يؤكد أن الخُلق تضبطه معايير كلية ومطلقة يجري صدقها على الناس جميعاً من غير استثناء ولا تخصيص، يعرف هذا الاتجاه باسم "الإطلاقية": "Absolutism".

ح‌.  البعض يعتقد أن للخُلق تعلقاً ظاهراً بالعوامل الثقافية والتاريخية، بحيث ما يكون خلقيا بالنسبة لمجتمع معين قد لا يكون كذلك بالنسبة لمجتمع آخر يختلف عنه ثقافة وتاريخا، يعرف هذا الاتجاه باسم "النسبية": "Relativism".

وهذه المواقف المختلفة قد تتفرع إلى ما يتشعب منها من شعب تتفاوت، وتتنوع، حتى يصير النظر الأخلاقي الحديث كأنه فوضى. وهذا النظر الأخلاقي الفلسفي أصله نظر عقلي، والتسليم بصحة هذه الرؤى تسليم بعدم اتساق العقل وتناقضه، وهو عين اللاعقلانية، وإلا فيلزم الإقرار بتعدد العقلانيات.

ثانياً: الاختلاف في الاسم المطلق على الأخلاق

1-            استعمل اليونان للدلالة على هذا الموضوع لفظ "Ethikos" (أي خُلقي)، وهو الذي نقله اللاتين إلى لغتهم بلفظ "Moralis".

2-            استعمل المتقدّمون من فلاسفة الغرب اللفظين بمعنى واحد باعتبارهما مترادفين، وإن كنا نجد بينهم من يؤثر استعمال هذا اللفظ أو ذاك.

3-            المعاصرون منهم، فرقوا بين اللفظين لا على وضوح اصطلاحي يبرر التفريق، والتذبذب بين الاستعمالين دون ضابط، فـ

أ‌.           منهم من يجعل "Morale" عبارة عن جملة الأوامر والنواهي المقررة عند مجتمع مخصوص في فترة مخصوصة، في حين تكون "Ethique" عبارة عن العلم الذي ينظر في أحكام القيمة التي تتعلق بالأفعال، إن تحسينا أو تقبيحا.

نقدهم: أنّ الأوامر والنواهي المقررة تقام على التحسين والتقبيح، فكأن الأولى نظر، والثانية تنفيذ له، فيفضي هذا القول إلى الإقرار بالتداخل بين المعنيين.

ب‌.منهم من يستلهم التفرقة التي أقامها "كنط" بين مذهبين اثنين: "مذهب الأخلاق" الذي يقوم على الواجبات العامة، و"مذهب السعادة" الذي يقوم على النصائح الخاصة التي تُرشد إلى الحياة المثلى، فيجعل أحدهم كلمة "Morale" دائرة على الواجب الكلي، وكلمة "Ethique" دائرة على الحياة الطيبة.

نقدهم: هل تستقيم الحياة بدون وجود مشرّع أعلى؟ (كنط يرى أن الإنسان مشرع لنفسه).

ت‌.يرى فريق أن " Morale " تختص بكونها واحدة وكليّة تجري أحكامها بالسوية على الناس جميعاً، بينما " Ethique" تختص بكونها متعددة وشخصية تختلف معانيها باختلاف مذاهب الأشخاص وأنساق الفلاسفة، رافعاً الأولى على الثانية.

نقدهم: أن العلم بالأولى لا يتحقق إلا بعد العلم بالثانية، لأن طريق الاستقراء في الأولى هو الذي أثبتها.

ث‌.وتأثراً بمذهب التفريق بين الكليّ والجزئي (السابق)، يرى فريق أن " Morale " خطاب معياري ينبني على التعارض الموجود بين "الخير" و"الشر" باعتبارهما قيمتين مطلقتين، قاصداً لى تحصيل كمال الفضيلة ومرتقياً بصاحب هذا الخطاب إلى رتبة الولاية، في حين أنّ " Ethique" خطاب معياري ينبني على التعارض الموجود بين "الخيّر" و"الشرير" باعتبارهما قيمتين نسبيتين، قاصداً إلى تحصيل تمام السعادة ومرتقياً بصاحب هذا الخطاب إلى رتبة الحكمة. ويختلف عن الرأي السابق: برفعه للثانية على الأولى درجة، قائلاً أن " Ethique" هي الأصل في "" وكنهها؛ إذ الفعل فيها، مرغوب محبوب، والمحبوب فوق المفروض.

نقدهما: التعريفان متكلّفان، والتفريق بين اسم "الخير" ونعت "الخيِّر"، وكذا بين "الشر" ونعت "الشرير" تفريق لا يستسيغه الطبع ولا تطيقه السليقة اللغوية.­­­

ج‌.  يرى أنّ " Morale" هي دائرة التأمل التي تنظر في مسألة الخير والشر من زاوية ما يجب أن يكون، بينما "Ethique" هي دائرة التأمل التي تنظر في مسألة الخلاص، أي مسألة المصير النهائي للحياة الإنسانية؛ إلا أنه لا يلبث إلى أن يشير إلى أن الفروق بين هذين اللفظين مواضعات، لا اختلاف بينهما إلا في مدلولهما اللغوي.

مصادر هذه الرؤى المفرّقة بينهما:

يرجع مجملها إلى نظرة "كنط" لتفريقه بين سؤالين اثنين، أحدهما هو: "ماذا يجب أن أفعل؟"، والآخر هو: "كيف أحيا؟"، باعتبار أن الأول منهما يفضي إلى تقرير أخلاق موجَّهة إلى الجميع، والثاني يفضي إلى تقرير أخلاق موجَّهة إلى كل فرد فرد. فيقتضي أن "طريقة الحياة" شيء، و"الامتثال للواجب" شيء آخر.

نقد النظرة: أن النظر إلى الأول نظر تجميع، والثاني نظر توزيع، ولا يعني تفرّق قيمهما، وأن طريق الحياة وطريق الواجب لا معارضة بينهما بل تمكن المواءمة في حال الإقرار بالفصل! ثم إن هذا الفصل ينبني على غلط توحيد الأخلاق، وأن لا رُتب لها!

مراتب الأخلاق:

الأخلاق مراتب عدة، أدناها مرتبة القيام بالواجبات عُنوة، وأعلاها مرتبة الإتيان بالواجبات فِطرة.

نقد طه عبدالرحمن لموقف أصحاب التفرقة بين "Morale" و"Ethique"، بتعميم الأول وتخصيص الثاني:

المآخذ:

-           أنهم لا يترددون في وصف الأخلاق الخاصة بطريقة الحياة بـ "الرغبة" تأثراً بـ "سبينوزا"، والرغبة إنما هي من جنس الهوى.

-           أنهم تكلّفوا وصف هذه الأخلاق بوصف يرفع قدرها مثل القول بأنها "الجهد الذي يبذله الإنسان إلى غرض يحقق له متعة مخصوصة"، بل الأغرب: "الماهية التي يتحدد بها الإنسان".

-           حقيقة هذا الرفع لـ"الرغبة" لا يؤثر إذ أنها تبقى شهوة، والشهوات بحسب تعبير "سبينوزا" تتغير بتغير أحوال الإنسان، وغالباً تتعارض فيما بينها، فلا يدري الإنسان إلى أين يتّجه![9]

-           منهم من وصل مفهوم "الرغبة" بمفهوم "المحبّة"، فزعم أن طريقة الحياة تنبني على أخلاق "المحبّة" في مقابل أخلاق "القانون" التي ينبني عليها "الامتثال للواجب"[10].

-           أن في التفرقة ووصف الأول بالدلالة على المجموع، والثاني ضمنه، وعدم التقيّد بفرق ثابت، والتخبط في التفرقة جعل في هذه الاستعمالات قدح صريح للتفرقة، وحطّاً من قيمة المصطلحين الإجرائيّة.

الأثر العلمي لهذا التفرقة:

بعد تشوّش التفرقة، هناك من آثر استعمال "Ethique" للدلالة على نفس المجموع الأخلاقي؛ ويتجلى فيما صار يسمّى منذ الستينات في الولايات المتحدة باسم "Applied Ethics" أو "Ethique appliquee"، أي الأخلاقيات التطبقيّة، أو الأخلاقيّات المطبّقة؛ وقد أطلق هذا الاسم على الدوائر الجديدة للاستشكال الأخلاقي التي انفتحت في الحياة الاجتماعية، وأشهر هذه الدوائر ثلاث: "الحياة" و"المهنة" و"البيئة".

الإشكال:

أن التسمية بـ "التطبيقية" تسمية موهمة؛ إذ يتوهم أنها تطبيق لأخلاقيات نظرية معروفة سلفاً، بينما حقيقتها أنها أخلاق تستخرج من مجالات القيم المذكورة آنفاً، وبالتالي تكون معياراً لها، فتصير هذه الأخلاقيات محاولات تجديدية تصحيحية للأخلاق الإنسانية.

فيصير سير النظر في هذه الأخلاقيات، هو سير النظر في عموم الأخلاقيات كما سبق، فلا محلّ للتفرقة بين "Ethic" و "Morale" حينها، ولذلك يتفهم ترك الأخلاقيون للتفرقة بين المصطلحين؛ إذ أنهم وضعوا "Applied Ethics" ولم يضعوا "Applied Morale" لأن تسميتها بـ "Applied Morale" يعني أنها أخلاق سابقة يتم تنزيلها في المجال المقصود باعتبارها قواعداً كليّة.

النقد:

قد وقعوا في الوصل بين مفهوم "الرغبة" ومفهوم "المحبة" بسبب تشبّع عقولهم بالعقيدة المسيحية التي نشأوا عليها، فلديهم غلط كبير بصدد معنى "المحبّة"، وأبرز وجهيه:

1)               الخلط بين المحبّة الجسدية والمحبّة الروحيّة؛ مهما سمى الحب بين الزوجين فلا بدّ من رغبة مادية، أما فلاسفة الغرب فقد ألبسوا الحب بين الجنسين أوصافاً غير ماديّة كـ "الإخلاص" و"العبادة" و"الخلود" و"القداسة"، وينزلونه الرتبة التي لا تنزلها عاطفة إنسانية أخرى، حتى كأنه مبدأ الروحانية في الإنسان!

2)               الخلط بين المحبة الإنسانية والمحبّة الإلهية، وهذا الخلط على ضربين:

أ‌.           جعل محبّة الإنسان للإله من جنس محبّة الإنسان للإنسان، فمعلوم أن محبّة الإنسان للإله هي ثمرة القيام بالطاعات والقربات التي شرعها له هذا الإله، بينما محبّة الإنسان للإنسان هي ثمرة تبادل الاعتبارات والخدمات التي وضعها الإنسان لنفسه.

ب‌.جعل محبّة الإله للإنسان من جنس محبّة الإنسان للإله، بينما الفرق بين الجنسين من المحبّة يمنع هذه التسوية:

v  فمحبة الإله للإنسان لها من كمال الصفات ما لهذا الخالق سبحانه، كما تأتي بتمام الخيرات لهذا المخلوق، بحيث تتجلى بها ربوبية الخالق.

v  ومحبة المخلوق لخالقه، يكون لها من نقص الصفات ما يكون لهذا المخلوق، ولا تأتي بالخيرات إلا له، بوجه يكون على قدر هذه الصفات، بحيث تتجلى بها عبوديّته.

النتيجة: وبذا وقع المتفلسفة في غلط كبير وهو "جعل المحبّة التي عنوانها العبودية محل المحبة التي أصلاً هي عنوان الربوبية"، متجاهلين أن العلاقة بين محبّة الإله للإنسان محبّة تعليل؛ فمحبّة الإله على في محبة الإنسان، وليست بعضاً منها.

العلّة البعيدة: والراجح أن الباعث على هذا الخلط المتعدد بشأن المحبّة، والذي يعم الأخلاق الغربيّة جميعها هو "فكرة التجسيد"؛ إذ جواز تحقق إتحاد الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية في ذات المسيح –عندهم- صيّر العلاقة بين الإنسان والإله علاقة مشابهة صريحة، زاد من ترسّخها في النفوس ما ورثوه عن اليونان من قصص الآلهة.

سبب القلق الداخل على المفاهيم الأخلاقية عندهم:

أن الفلاسفة غلب عليهم الاشتغال على المفاهيم الأخلاقية دون ردّها إلى مجالها الحقيقي الذي تنسب إليه وهو "الدينيات"؛ إذ هي المجال الجامع بين عناصر: "الإنسانيات" و"المعنويات" و"الغيبيات"؛ إذ كل مفهوم ديني هو مفهوم "إنساني معنوي غيبي". فقد أصاب الفلاسفة حينما نسبوا المفاهيم الأخلاقية إلى الإنسانيات والمعنويات، ولكنهم أخطأوا حينما قصروها على هذين المجالين.

أصل أصول نقد الحداثة الغربيّة عند طه عبدالرحمن:

"الجمع بين الأخلاق والدين"[11].

التحليل:

أن الأخلاق المأخوذة لإصلاح واقع الحداثة الغربيّة "أخلاق سطحيّة" من جنس واقع الحداثة الغربية، والحاجة لأخلاق تعلو هذا الواقع لإصلاحه، وهي أخلاق "الدين" فهي الأوسع مجالاً؛ إذ تشمل العاجل والآجل، والأوثق وصلاً للإنسان ظاهراً بباطنه[12].

فكل مظهر من مظاهر الحداثة الغربيّة يستعرضه طه عبدالرحمن ويعالجه بأخلاق دينية صريحة، مرتفعة عن واقع الحداثة الغربية[13].

الفصل الأول: مكارم الأخلاق: ما حقيقة صلاتها بالدين

يتناول الفصل أربعة مسائل هي:

1.   تبعية الأخلاق للدين، ويناقش تحتها: الإيمان بالإله، وإرادة الإله.

2.   تبعية الدين للأخلاق، ويناقش تحتها: مقتضى "مبدأ الإرادة الخيّرة"، والاعتراضات على دعوى تبعية الدين للأخلاق.

3.   استقلال الأخلاق عن الدين، ويناقش تحتها: مقتضى "مبدأ لا وجوبَ من الوجود"، والاعتراضات على دعوى استقلال الأخلاق عن الدين.

4.   نقد اعتقادات شائعة بصدد الدين والأخلاق، ويناقش تحتها: الأصل في الدين هو حفظ الشعائر الظاهرة، والأصل في الأخلاق هو حفظ الأفعال الكمالية، والمعتبَر في الأخلاق أفعال معدودة.

سبب استعمال طه عبدالرحمن للتعبير المركّب "مكارم الأخلاق"، لاعتبارين:

منها: أن من نظر إلى الصلة بين الأخلاق والدين من فلاسفة الغرب، كانت تشغلهم الصلة بين الأخلاق الكريمة –الفضائل- والدين، وليست عموم الصلة بين عموم الأخلاق بما فيها الرذائل. وفي ذا إشارة إلى أنهم يبنون أحكامهم فيها على أصل مضمر في نفوسهم، وهو أن الدين لا يمكن أن يكون إلا مصدر الأخلاق الحسنة[14].

وجوه الصلة بين الأخلاق والدين، قد تكون:

أ‌.           علاقة تاريخية: أي أنهما شهدا أحدثاً معيّنة ومرا بأطوار محددة.

ب‌.علاقة نفسية: أنهما يمدان الإنسان ببواعث ومقاصد مخصوصة، ويولّدانِ عنده مشاعر ومسالك معلومة.

ت‌.علاقة اجتماعية: أي أنهما ينشئان بين الناس علاقات منتظمة ومصالح مشتركة تحتضنها جملة من المؤسسات وتحميها أنواع من الجزاءات.

ث‌.علاقة منطقية: أن لهما خصائص صورية تورّثهما قدرة استدلالية معيّنة.

ج‌.  علاقة معرفية: أنهما ينطويان على مبادئ ومعايير أُولى تنزل منزلة الأصول.

ح‌.  علاقة كيانية (أنطولوجية): العلّة في وجودهما مشرّع إلهي، أو مشرّع إنساني يضمن نفعهما للأفراد والمجتمع.

الملاحظ أن فلاسفة الغرب لم يتناولوا كل وجوه هذه العلاقة، بل اقتصروا على بعضها، وقد لا يعنيهم إلا الاتجاه الذي قد تتخذه هذه العلاقة ذات الطرفين: هل الدين هو الموجّه لهذه العلاقة أو الأخلاق هي الموجّهة للدين... إلخ. أي أيهما الأصل وأيهما الفرع؟!

وبهذا يكون الفلاسفة ­قد بحثوا ثلاثة أشكال ممكنة للعلاقة بين الأخلاق والدين، ويسميها طه عبدالرحمن على التوالي، بـ:

1-             "تبعية الأخلاق للدين"

2-             "تبعية الدين للأخلاق"

3-             "استقلال الأخلاق عن الدين"[15].

                                              "تبعية الأخلاق للدين"

الشكل الأول من الأشكال الممكنة للعلاقة بين الأخلاق والدين عند الفلاسفة

روّادها:

v  القديس "أوغسطين" والقديس "توماس الأكويني".

مستندهما:

v  الأصل الأول: الإيمان بالإله.

v  الأصل الثاني: إرادة الإله.

الشكل

الروّاد

الأصل (المستند)

العلاقة

تبعية الأخلاق للدين

أوغسطين، توما

الإيمان بالله، وإرادة الإله

(1)           الإيمان أصل الأخلاق.

رأس الفضائل في الأخلاق المسيحية "المحبة، الرجاء، والإيمان" وتحتها الفضائل الموروثة عن اليونان: "الشجاعة، الرويّة، العدل"، والعقليات عموماً.

(2)            إرادة الإله: إرادة خير، فيلزم إتيانها لخيرها، ويلزم اجتناب نهيها لشرّه.

فالأخلاق تابعة للدين باسم نظرية "الأمر الإلهي".

تبعية الدين للأخلاق

إيمانويل كانط

أصلها "الإردة الخيّرة للإنسان"

وهي لا تكون خيّرة إلا إن أتت أفعالها بمقتضيات العقل الخالص وحده.

وخيرية هذه الإرادة يأتي من انضباطها بالعقل، الذي يجعلها أفعالاً الموافقة للواجب، أي: "هي الإرادة التي تفعل على مقتضى الواجب لذات الواجب".

واسطتها: الأوامر التي تأتي من داخلها إلى ذاتها (فهي صاحبة التشريع الذاتي).  وضابط هذا التشريع: هو الاتفاق الكلي بين أصحاب الإرادات الخيّرة لتكون قانوناً كليّاً.

العلاقة:

يجوز أن تستبع الأخلاق الدين؛ للجمع بين الفضيلة والسعادة والمسمّى بـ"الخير الأسمى".

النتيجة:

بطلان العلاقة لأن أصلها أخذ من الدين.

استقلال الأخلاق عن الدين

هيوم

شعار مذهبي "لا وجوبَ من الوجود"

منع تأسيس الحكم الأخلاقي على الأصل الخبري؛ لأن وجود الخبر لا يعني وجوب الالتزام به.

النتيجة:

فصل المرجعيتين! فالخبر متعلّق بالإخبار عن الإله، بينما النوع الثاني ما يخبر عن الإنسان فيلتزم به!

ومستنده إخراج الأحكام الدينية (النصيّة) من الأحكام الأخلاقية، لحصر الدين في المغيّبات.

والثاني أن هيوم لا يعتبر الأحكام الدينية مؤسسة للأحكام الأخلاقيّة.

نقد نظرية كنط (تعريضاً) :

1-             أن بناء التشريعات وفقاً للإرادة الخيّرة باعتبارها مرجعاً يعني الاستغناء عن الإيمان باعتباره قاعدة لتأسيسها[16].

2-             نظريّتا "خلود الروح" و"وجود الإله" مسلّمتا العقل النظري الخالص لا بد من اعتقادهما، ولكنهما ليستا مسلّمتا العقل العملي الخالص!

نقد نظرية كنط (تصريحا)

أنه سلك في بناء نظريّته الأخلاقية طريقين اثنين:

(1)            طريق المبادلة: استبدال المقولات الدينية المعهودة بمقولات أخلاقية غير معهودة لها نفس الاستخدام، مثل: مفهوم العقل بدل مفهوم الإيمان، ومفهوم الإرادة الإنسانية بدل مفهوم الإرادة الإلهية، ومفهوم احترام القانون بدل مفهوم محبّة الإله، ومفهوم مملكة الغايات بدل مفهوم الجنة.

(2)            طريق المقايسة: أنه يقدّر أحكامه الأخلاقية على مثال الأحكام التي تأخذ بها الأخلاق الدينية، مثل: أن تكون هناك أخلا من تقرير العقل المجرّد، كما أن الإله في الأولى هو الذي يشرّع القانون، ومثل: أن قوانين الخالق موضوعة للخلق قاطبة، فكذلك ينبغي أن تكون قوانين الإنسان شاملة لكل البشر[17].

اقتباس:

"لا مجال للشك في أن "كنط" أقام نظريته الأخلاقية العلمانية على قواعد دينية مع إدخال الصنعة عليها، حيث استبدل الإنسان مكان الإله مع قياس أحكامه على أحكامه؛ فإن ليس لهذه النظرية من وصف العلمانية إلا الظاهر، بحيث تصير العلمانية هنا عبارة عن "دِيَانِية" خفية مَثَلها مَثَل الديانية الجليّة في الأخلاق المُنزّلة، لا تفترق عنها إلا في كون المستحق للتعظيم فيها صار هو الإنسان العيني، وليس الإله الغيبي.

ومتى ثبت أن الأخذ من الدين فنون بعضها جلي وبعضها خفي، وثبت أيضاً أن أخلاق الإرادة الخيّرة أخذت مما قد يخفى من هذه الفنون وبنت عليه صرحها الأخلاقي، فقد بطل ما يدعي "كنط" من أنها تستتبع الدين، لا أنه يستتبعها؛ وعندئذ، يصح القول بأن الدين مَهْدُ الأخلاق اللادينية التي جاء بها، بحيث تكون حقيقة الأخلاقي اللاديني أنه أخلاقي ديني متنكِّر، ودليل تنكّره إنكاره للحاجة إلى الحقيقة الدينية قولاً والإقرار بها فعلاً"[18].

النتيجة:

ما دامت علاقة "تبعية الدين للأخلاق" أصلها الأخذ من الدين، فتبطل هذه العلاقة.

نقد هيوم

عرض مجمل رأيه:

(1)            أن هيوم فصل بين الخبر الإلهي معتبراً إياه دينيا حاصراً له في المغيّبات، والخبر المتعلق بالإنسان معتبراً إياه غير ديني.

(2)            أن هيوم يعتبر الأحكام الدينية لا تصلح لتأسيس الأحكام الأخلاقية، وذلك من:

-           أن الخير والشر توجبهما طبائع الأشياء لا إرادة الإله.

-           أن الأخلاق لا تتأسس إلا على "الوجدان الإنساني" لا على "إرادة الإله" ولا على "عقل الإنسان".

-           نظريّته تقصد هدم الأخلاق الدينية (الدارجة بتعبيره) عندما ميّز بين الانتقال من القضايا الخبرية لجعلها لوازم وجوبية، تحت مبدأ "لا وجوبَ من الوجود".

نقد مجمل رأيه:

1-            إخراج الحكم الديني من الحكم الخلقي يقوم على تصوّر ضيّق لمفهوم "الدين، يجعله أشبه بالنظرية، وذلك من جهتين:

أ‌.           نقض أن الدين أحكام خبرية عن مغيّبات: أن الدين بحسب ما جاء في نص هيوم "جملة أحكام خبرية أو وجودية"، وهذا وصف للنظريّات أكثر من وصفه للدين، إذ الدين أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية؛ إذ يتكوّن من مجموعة أحكام عمليّة ومعايير تحدد كيفياته، فيلزم أن تتكون قضايا الدين من قضايا وجوبية تلزم بالعمل، والقضايا الوجوبية قضايا أخلاقية، فيكون الدين أخلاقياً بقدر ما هو إخباري!

الملاحظة المهمّة: أن الخبر الإلهي ليس كالخبر الإنساني، فالخبر الإلهي تمتاز بخاصية أنها أوامر مطاعة بالضرورة، بحيث يمتنع إنفكاك الوجوب من الوجود للخبر، فتصير العلاقة علاقة وجوب لا علاقة جواز.

ب‌. إنكار حضور الدين في الأخلاق (تأسيس الأخلاق على الوجدان الإنساني) :

1-إذ أن أصل الوعي بمصدر القيمة الأخلاقية يرجع إلى الدين؛ إذ أن السمات التي وصف بها "هيوم" الحس الأخلاقي هي عين صفات ما سمّاه الدين بـ "الفطرة"، وهي إجمالاً: "شعور أخلاقي يولد به الإنسان في كمال خِلقته، ولا بدَّ لشعورٍ هذه حقيقته أن يكون تلقائياً، لأن الإنسان مخلوق به، وأن يكون جمالياً لكمال هذا الخلُق، وأن يكون عملياً لتعلّقه بأفعاله"[19]. وسمات هيوم للحس الأخلاقي هي:

v  أنه يباين العقل من جهة أن العقل ال يدخل في التحسين ولا التقبيح (أي العقل النظري القبلي الذي لا شأن له بالحياة العمليّة).

v  أنه إدراك طبيعي وجداني لا صناعة معه، وعفوي لا تكلّف فيه.

v  أنه ذوق مشترك بين الناس جميعاً، فيكون في جانب منه تجربة جماليّة.

فالنتيجة:

إما أن يكون مفهوم "الحس الأخلاقي" عند "هيوم" نقل مقصود لمفهوم "الفطرة"؛ فيجوز أن يكون "هيوم" قد وقف على هذا المفهوم من مصادر دينية مباشرة؛ لاشتغاله بها لفترة. أو نقل غير مباشر عن طريق الفلاسفة الذين تولّوا الرد على الفلسفة الأخلاقية، ومنهم قساوسة ورجال دين، مثل "جوزيف باتلر"[20].

2-الرد على هيوم بأّن الخبر في الدين لا ينفك عن القيمة الأخلاقية؛ وذلك لحقيقتين:

§       أن الفصل بين الخبر والقيمة في عموم المعرفة إن لم يكن حسم بطلانه، فلا أقل من أنه موضع أخذ ورد، ولا نرى إلا أنها تفرقة ناتجة عن الصنعة الفلسفية أو عن الإجرائية العلمية مَثَلها في ذلك مَثَل التفرقة في الشيء الواحد بين ذاته وصفاته.

§       أن الفصل بين الخير والقيمة في المجال الديني أمر مستحيل، وذلك لاعتبارات:

1)   ليس الغرض من الخبر الديني تبليغ معلوم معيّن بقدر ما هو الحث على الاعتبار بهذا المعلوم، أي ليس هو الدلالة على الشيء في ذاته بقدر ما هو الاستدلال بهذا الشيء على ما سواه، أو هو: "الخبر الديني آية قبل أن يكون حكاية"؛ ومقتضى الآية أنها علاقة معناها يبحث فيه عن مراد القائل لا عن صيغة القول.

2)   الخبر الديني خبر عملي، أتى ليرشد الخلق.

3)   أن القيمة الخلقية ليست مصاحبة للخبر الديني فحسب، بل هي متفرّعة عليه، فلولاً هذا الخبر الخاص لما كانت ثمة قيمة خُلقية[21].

نقد اعتقادات شائعة بصدد الدين والأخلاق

توطئة:

(1)           التذبذب بين القول بتبعية الدين للأخلاق والعكس عند بعض المتكلمين والفلاسفة، يلامون عليه: لأنه دليل ذعف وتقليد لا دليل قوة وتجديد، إذ وقعوا فيه بسبب انسياقهم إلى التفكير في هذه العلاقة على مقتضى المنقول اليوناني.

(2)           القول بتبعية الأخلاق للدين عند الفقهاء والأصوليين، قول يوافق طه عبدالرحمن عليه، لكنه يلومهم على جعلهم رتبة الأخلاق لا تتعدى مرتبة المصالح الكمالية، حاملين عبارة "مكارم الأخلاق" على معنى "مكامل الأخلاق"، أي تكملات للأخلاق.

رأي طه عبدالرحمن في العلاقة بين الأخلاق والدين:

أنّ الدين والأخلاق شيء واحد، فلا دين بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين، ولا يمكن تبيّن هذه الحقيقة إلا بالتخلص من اعتقادات شائعة عن الدين والأخلاق، وأهمها:

الاعتقاد الشائع

تعديله

الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة

أنّ المقصود من الشعائر الظاهرة هو أثرها، وهذا الأثر ينبغي أن يعقل، فيحصل تعقّل الشعائر بآثارها، لا بدحضها لعدم معقوليّتها.

والمعقوليّة على ضربين:

1-             معقولية الشيء بذاته: تجزيئيّة (ضيّقة)

2-             معقولية الشيء بغيره: تكاملية (واسعة وعميقة).

والمعقولية التي تتحدد بها أفعال الإنسان هي المعقولية التكاملية.

والآثار التي تخلّفها الشعائر هي علامات تظهر على سلوك المتديّن، وهي ذات طبيعة سلوكيّة، فتسمى هذه الآثار بـ "الأخلاق".

وعلى إثر ذلك، فوجب أن يكون الغرض الأول من الشعائر هو "تحصيل الأخلاق"، وتتحدد قيمتها بمقدار الخلق المحصّل بواسطتها.

وتكون قيمة أداء الشعيرة معلّقة بمدى تحقق هذا الخُلق في سلوك مؤديها.

الأصل في الأخلاق هو حفظ الأفعال الكماليّة

الأصل في الإنسان هو الأخلاق، فلا تتحدد هوية الإنسان إلا بالأخلاق.

المعتبر في الأخلاق أفعال معدودة

-           القدح في مبدأ حصر الفضائل، من عدة وجوه:

أ‌.           أن الأخلاق بعدد أفعال الإنسان، فلا حصر لها.

ب‌. الفعل الخلقي الواحد ليس رتبة واحدة، بل هو رتب متعددة.

ت‌. الأخلاق طريق إدراك معنى "اللامتناهي" وليس هو التعداد كما ساد.

ث‌. أن اللامتناهي يقوم في الأفعال بموجب المعقولية التكاملية، والنظر للفعل الخلقي ينبغي أن يكون تكاملياً.

ج‌.  الشعائر الدينية لما كانت معقوليتها تكاملية كانت أهدى السبل للوصول إلى اللامتناهي.

ح‌.  لا ترتيب أقرب إلى حقيقة الأخلاق من أن يكون وفق المعقوليتين، فيكون هناك ضربان من الأخلاق:

"أخلاق السطح" و"أخلاق العمق"[22].

 


[1]انظر: طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص13.

[2] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص13

[3] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص13-14.

[4] انظر: طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص14

[5] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص14

[6] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص14

[7] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص14

[8] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص14-15.

[9] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص20

[10] نسب القول إلى "لوك فيري".

[11] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص25-26.

[12] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص26

[13] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص27

[14] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص29.

[15] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص30-31.

[16] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص37

[17] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص39.

[18] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص40

[19] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص46.

[20] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص46-47.

[21] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص47-50.

[22] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2009م)، ص51-57.